Showing posts with label فلسطين. Show all posts
Showing posts with label فلسطين. Show all posts

Tuesday, April 8, 2014

أسلحة معاصرة

حينما التقينا في ساحة (سان ميشال) المتألّقة ليلا كالذهب، التقيتُ فيه ذكرياتنا الصاخبة، و روحينا المندفعتين بين جموع الطلبة الهادرة.. دعاني إلى مجلسه الصغير. توقف "السان" قريبا يتابع تدفّق الذاكرة من بين أعيننا. أما هو، فأشار إلى الحسناء الجالسة بجانبه، و قال :"راشيل، صديقتي." ابتسمتُ و أنا أسألها :"يهودية؟" فقالت بفرنسية أنيقة :"لم أعد كذلك. منذ غادرتُ تل أبيب تغيرت أشياء كثيرة." استدرتُ مندهشا إليه، فارتبك و لم يعرف كيف يرسم ابتسامته. و حينما سألت في استغراب "ماذا؟" استسمحها و هو يأخذني بعيدا، أو قريبا إلى النهر. قال لي في انفعال :

"ألا تتغير؟ لماذا كل هذه العداوة؟"
"هل غادرت تل أبيب نهائيا؟"
 ارتبك قليلا، لم يعرف ما يقول. نظر إلى النهر الصامت و قال "هي إسرائيلية، قد تعود ربما، أعني، قد يتوقف الأمر على علاقتنا. لكن ما لك و هذا؟ ما دخلها بالحروب؟"
"ألا تذكر تلك الشعارات التي هتفتَ بها صبيّا؟"
"صبيّا! ها قد قلتها! ألا تكبر يا رجل؟ لم تقتلنا إلا الشعارات، ماذا فعلنا بالشعارات هه؟ هل تريد أن تحاربهم؟ اذهب و احمل سلاحك، ماذا تفعل في هذا المكان الساحر؟"
ثمّ صمت و كأنّ كلامه لم يجد له صدى في قلبه الصدئ، فواصل حديثه متشنّجا "الحرب اليوم اختلفت، إذا أردتَ أن تحاربهم، فحاربهم بعلمك، بتقنيتك، بتأثيرك على المجتمع الدوليّ، أما العنتريات فلن تفيد شيئا."

"إذا أردتَ أن تحارب عدوّا، فعليك أن تذكرَ أولا أنه عدوّك. أهي باريس التي سلبت روح المقاتل فيك، أم هو أنت اتخذت شكلك النهائيّ؟ اِسمح لي، لكن السلاح سواء كان سيفا، أم قلما، لا يحمله إلا محارب. أما أنت فتثغو. حينما تمنحك الحياة عدوّا قويا، فالأجدى أن تشكر السماء، و أن تحارب. لكنّك تحبّ أن تحيا قطيعا، أن تأكل في سلام، و ترقد في سلام. علم؟ تقنية؟ تقدّم؟ تحضر؟ هذه تفاصيل ثانوية. أما ما يهمّ، فماذا ستفعل بالعلم و التقنية؟ هل ستحارب عدوّك؟ أم ستذعن له؟ أم ستقبّله في فمه، و تترشّف دم أخيك من شفتيْ سفّاحه؟
هل تسخر من أولئك الذين حملوا سلاحا رخيصا أمام أعدائهم؟ ربما كانوا حمقى، ربما كانوا يجهلون أن العوزيّ يصنعه أعداؤهم، و أنه لن يغير شيئا أمام ترسانة نووية. لكنّهم محاربون. إنهم يدافعون عن حقّ جيناتهم في البقاء، أما أنتَ فلا تملك شيئا من هذه الأنانية النبيلة. أنت وليمة تتلذّذ بما يقدّم إليها من كلإ في موائد السلام.
المحارب الحقيقيّ لا يتوقف عن القتال، حتى و إن بات عاجزا عن حمل سيفه، و حتى إن علا سيفه الصدأ، و حتّى إن صار زمن الليزر و الكمبيوتر. المحارب الحقيقيّ، لا ينسى، و سيكتب على جيناته حكاية معركته، و يرسم فيها صور المجازر، و أسماء الضحايا، و تواريخ المحارق، و خرائط الأرض.. المحارب الحقيقي و إن أقعده الزمن عن القتال، سيحارب الزمنَ في عيون أبنائه.


أنت تدعوني إلى أمر آخر. أنت تدعوني أن أنسى، أن لا أرى الدماء على وجه هذه الفتاة حتّى يمكنني تقبيلها. أنت تريدني أن أنسى، و ها إني سأحاول. من أجلك."
ثم صمتت قليلا، قبل أن أقول مندهشا :"عذرا من أنت؟ لا يبدو لي وجهك الغضّ مألوفا."

و حينما غادر المكان حانقا، استدرتُ إلى النهر المتوقّف عندنا، لكنّه لم يكن هناك أيضا..

مجزرة جنين نيسان ـ أفريل 2002

Saturday, March 30, 2013

العاجز

من وحي أحداث مسيرة يوم الأرض..
_________________________________ 

مخيّلتي تضيق.. 
كانت الشعارات كثيرة.. فسيفساء من الاحلام و الشتائم.. الحزب و الحزب المعادي.. علم فلسطين يشرئبّ بعنقه علّ أحدا يراه.. 

دخل إلى حانة الفندق، و طالعه صوت الموسيقى الدافئة، ربّما يجد شيئا من الصخب الهادئ هنا، العاصفة لا تزال تزأر في رأسه، و هو يحبّ أن ينسى..

كانت وراءه أعلام المغرب، و كانت أمامه رايات الصحراء المغربية و كان هو يحمل شعارات عن الأرض المغتصبة.. حاول أن يتابع المسيرة بحنجرته المتحمّسة لكنّه ضاع وسط الهتافات.. لم يفهم تحديدا هل عليه أن يصرخ "الارض فلسطينية، و الصحراء مغربية" أم أن يصرخ "الصحراء و فلسطين، اراضي المظلومين" لذلك قرّر أن يبتعد قليلا..

جالسة هناك، تلاعبُ الموسيقى جسدَها فيستجيب تلميحا، بينما شفتاها لا تكفان عن الابتسام.. سرت رعشة خفيفة في جسده و هو يقبّل خدّها الغضّ.. و راح يتابع ما ترويه عيناها من حكايا...

فوجئ بصراخ من حوله، و حمّالة ألوية عجيبة يندفعون راكضين من ورائه.. قرأ على الألوية عبارة "الأحواز".. لماذا يركضون؟ هتف أحدهم أن انصار الخمينيّ في الخلف، و أن البوليس فرّق بينهم.. "الوطن العربي واحد، الشعب العربي واحد!".. قال لهم أحدهم أن يلتحقوا بالقوميين في الأمام.. 

عيناها تلمعان، جذل أم انتظار؟ جرع بقية كأسه لكنّ العطش لا يزال غالبا، فظل يحدق صامتا في شفتيها.. قالت له مبتسمة إنّه ـ على غير عادة الكتّاب ـ صموت، لكنّه لم يجد جوابا فلاذ بالصمت و مراقبة شفتيها..

سأله صديقه الفلسطينيّ عن الرايات الحمراء التي تحيط بهم، فأجابه إنهم النقابيون، و أتباعهم.. لماذا يصرخون تنديدا بتجار الدين؟ لم يجد اجابة مقنعة، قال انها ادبيّاتهم السياسية، فصرخت في وجهه امراة ثائرة أنهم مجتمع مدني و لا علاقة لهم بالاحزاب.. أراد أن يسألها لماذا لا يُجمع الكل على اسم فلسطين و ينسون خلافاتهم ليوم واحد؟ لكنّه خاف أن يُتّهم بالرجعية فلاذ بالفرار.. 

نسق الموسيقى يتسارع، و كذلك الخدر في جسده، مع ذلك لم يحس بانسجام كبير مع ما حوله.. راح يتأمل الوجوه الناعمة المنتعشة.. رائحة السلام و النسيان تغرق المكان.. شابان و امرأتان يتبادلون القبل في ما بينهم في استمتاع، عجوز تراقص سعادتَها و رضاها عن العالم.. قالت له احداهنّ "و كأنّك غريب عن هذا العالم." فابتسم ساخرا و أفرغ كأسا أخرى في جوفه، ثم هبّ راقصا.. 
كيف تغيرت الموسيقى الى فولكلور فلسطينيّ؟ لم يفهم.. لكنّه توقف عن الرقص.. راح يتابع راقصي الدبكة الذين نبتوا فجأة وسط المكان.. كان أغلبهم شُقرا، غربيّي الملامح.. أشاعوا جوا فلسطينيّا دافئا.. لماذا لا يواصل الرقص؟ كان عاجزا.. و كان مخيّلته تضيق..

قال له صديقه الفلسطينيّ إنّه كره الزحمة و الشعارات المستفزّة، و أنّه ربما عليهم أن يتقدّموا الى الامام قليلا.. هنا، أوقف المنظّمون تحرّك المسيرة، و هتف هاتف من وراء بوق لا يعمل أن مسيرتهم المظّفرة كبيرة و تبلغ العشرة آلاف شخص، و أنه يجب أن يتوقفوا ليتركوا "الغرباء" في التسللّ.. ردّد أحدهم هتافا عن الخونة "الاخوانجية".. فطار صواب رفيقه الفلسطينيّ و دعا الجميع الى الابتعاد عن جسم المسيرة.. مرّ مع صُحفيّة من بين أيدي المنظّمين المتشابكة، ثمّ استدار ليجد صديقَيه الفلسطينيينّ داخل الحاجز البشريّ.. كانت الفتاة الفلسطينيّة تهتف في غضب إنها لا تتبع أية مسيرة، و إنّها "قرفت" من الشعارات الحزبية التي لم تأت من أجلها، لكنّه واجه يدَها الرقيقة بيد حجرية آلمتها، لحسن الحظّ أن صديقه الفلسطينيّ لم يلحظ ذلك، امّا هو، فاندفع لتخليصها و هو يصرخ في المنظّم.. كان للمنظّم موقف وجيه من منع فلسطينيّة من التحرّك بحريّة في مسيرة تساند وطنها : لا يجب الاختلاط مع الرجعية.. موقف لم يكن يعنيها كثيرا..

حينما اقترب منتصف الليل، لعبت الخمر برأسه، فاسند رأسه إلى كتفها.. رسمت ابتسامتها الساحرة و هي تقول في غموض "هل تريد أن تنام حقا؟" لا يعرف، قال لها إنه يشعر بالعطش، كان بالفعل يشعر بالعطش، لكنها و قد لحظت ذوبان عينيه عند شفتيها القرمزيّتين، ضحكت و قالت له : الجمايلية عطاشى!" ثمّ أضافت :" ما الذي يروي عطشك؟" عيناها تكتبان أكثر من قدرته على القراءة.. عيناها تلمعان في جنون هادئ.. حينما تضيق المخيلة، يتداخل الخيال بالذاكرة.. يمتزج الماضي بالامل.. الكاذب.. عاودته صور الاحزاب المتشابكة على فلسطين في يوم الأرض.. ثمّ صورة شفتيه تدغدغان جسدها.. ركّز أيها الاحمق ركّز! لكنّ الصداع بدأ يعمل عمله.. أشياع صدام يهتفون ضدّ أشياع الخامنئ، اليسار يحذّر من الاخوان، و الاخوان يكبّرون في رضا، الناصريّون يرفضون مظاهرة ينظمها المنتدى المتحالف مع الصهيونية، أين فلسطين؟
كان عاجزا.. حينما ألصق شفتيه بشفتيها، كان لا يزال عاجزا.. "ماذا هناك؟" سألته في قلق.. حاول أن يجمّع جملتين، لكنّه قال كأنه يهذي "الأرض ليست خصبة.." .. عاودته الصور، فعاد يقبّلها.. لكنّ المخيلة كانت تضيق.. أحس بيدها فارتجف، لكنّها فهمت كلّ شيء.. الأرض ليست خصبة .. و هو عاجز عن الحب.. استأذن في الانصراف دونما عبارة..


Wednesday, October 10, 2012

شاهدتُ : مملكة النمل

مملكة النمل، حلم المخرج التونسي شوقي الماجري أخيرا في القاعات. معاناة طويلة عرفها الرجل، كي يتمكن من تصوير الفيلم، ليس أيسرها جمع المال الكافي للانتاج.

مملكة النمل، قيل عنه الكثير، و سبق اسمه كتابته، و سبق الحديث عنه، حديثه. و بات الانتظار مشوبا بشيء من الخوف من الاحباط. الاحباط ديدن الاعمال التي تنتظر منها الكثير.
خصوصا أن شوقي الماجري انطلاقا من أعماله الدرامية ( التي شاهدتها على الاقل) جدّ مؤهل لذلك (يمكن أن نذكر "هدوء نسبي" كمثال قويّ لذلك.)
لكن، مع كل ذلك، قتل الفضول القطة كما يقولون، لم أجرؤ أن أضنّ على نفسي بعمل انتظرته منذ سنوات في الواقع..

الانطباع؟
الفيلم بدا لي أشبه بومضة اشهارية عن المعاناة الفلسطينية. ومضة طويلة جدا، لكنها ومضة : اتقان في الشكل، التزام بالفكرة الواحدة، و وضوح في الرسالة. شيء أشبه بومضات : الارهاب لا دين له. لكن تجمع بينها علاقات عضوية : الشخصيات مثلا. كل ومضة تصوّر موقفا ما : مشهد العرس في المغارة. مشهد العريس في الشارع، مشهد الأطفال في المدرسة، مشهد الدفن، مشهد السجن. كلها مشاهد مستقلة بذاتها، يمكن أن تقدم بمفردها رسالة بليغة و واضحة.
ما يُلزم الومضة، ان الدراما تغيب في الشخصيات، لا تتطور الشخصية، و لا تتغير، هي صورة ثابتة، تقدم فكرة واضحة، ترمز إلى صورة ما. و هو ما يتجلى تماما في الفيلم. الجد بدأ منقبا بين الرفات، و انتهى كذلك. و الجد بدأت عبوسا تحمل مأساة فلسطين البكر، و ظلت كذلك، الزوجان بدآ بالحلم، و انتهيا به، الجندي الاسرائيلي، بدأ جنديا كل همه أن يجعل الحياة مستحيلا و انتهى كذلك. ربما صبا مبارك هي الشخصية الوحيدة التي شذت عن القاعدة و لو قليلا. و هو ما جعلها شخصية أكثر حيوية و أكثر عمقا (بقليل)..

أسلوب الومضة هذا، أضر بنظري بالعمل كثيرا. بدا، أبعد عن الدراما السينمائية، و بسّط كثيرا من الشخصيات فيها : الفلسطينيون ملائكة على وجه الأرض. بسطاء، احلامهم جميلة و بسيطة، ثقافتهم الفن و الحياة. الاسرائيليون : الاشرار، يقتلون بدم بارد، ثقافتهم الموت و الدمار. قد يعجب الأمر المشاهد العربي المتحمس، لكنّه حتما سينفّر المشاهدَ الاوروبي الفضوليّ. فنّيا هو أمر سيء جدا.

كما ذكرت، الشكل كان متقنا، لولا بعض الهنات الفنية البسيطة (المشاعل عند مدخل المغارة يمكن ان ترى على بعد أميال، اصابة الطفل في قلبه تلقي به في الحال، الجنود حينما اكتشفوا مدخلا للمغارة، لم يفكروا باقتحامها.. الخ) و تصوير مشاهد حرب الشوارع، هي عادة ماجريّة محببة، برع الرجل فيها و خبِر. لكنّ أكبر العيوب شكلا كانت الموسيقى، كانت فشلا تاما برأيي، لم تقدم للفيلم شيئا، و كان من الممكن اعتماد موسيقى فلسطينية بطريقة أكثر حرفية و مهارة وسط الفيلم.

صبا مبارك، كانت من أجمل ما ظهر في الفيلم تقريبا، و قد حاول المخرج تقديمها في صورة شاعرية تخرج عن الواقع المحيط بها، فهي جميلة في كامل زينتها دوما، متأنقة في أحلك المواقف، إلى حدود تثير الغيظ أحيانا (حينما فجرت دلال نفسها) و أشياء أخرى..

فكرة الفيلم نفسها ليست سيئة أبدا، صورة الفلسطينيّ الذي بين امواته و تاريخه تحت الارض، لايزال يناضل من أجل أن يعيش، لا يزال يمارس "الحياة" و يحتفل بها، كعنوان أعظم للجهاد و المقاومة. فكرة تحاول كل "الومضات المتفرقة" تقديمها، لكن كما ذكرت، كل ومضة كانت "كافية" جدا. بدا الفيلم و كأن الماجري، يملك فقط هذه الفكرة، و يحاول جاهدا أن يملأ منها فيلما كاملا..
بعض الومضات كانت كلاسيكية جدا (في القدس، في المدرسة)، بعضها رغم كونه كلاسيكيا، كان مؤثرا إلى حد كبير (زفة العريس في الشارع)، بعضها كان بالفعل مبتكرا و رائعا و هنا أشير خصوصا إلى قصة التفاحة، التي كانت من اجل مشاهد الفيلم. و مواطن الجمال هنا ثلاثة : المغارة (و قيل إنها في تونس)، فلسطين (عاداتها الجميلة و فن الحياة فيها)، و صبا مبارك!

عموما، فالفيلم برأيي مخيّب، ليس فيه جديد تقريبا، لكنّه خير مذكّر لمن ينسى، و هو بروباغندا لا بأس بها، فلا تبخلو على أنفسكم بمشاهدته، و لا تبخلوا على العالم بمعرفة الحقيقة..
 
 

Translate