جلست في هذا المكان للمرّة الأولى منذ سبع سنين.. و منذ ذلك التاريخ و أنا أحاول إيجاد موعد دوريّ معه..
هو موعد غراميّ و لا شك، ففي مواعيد الغرام وحدها ما يجعلنا نرتجف هيبة و نتحرّق شوقا. و في مواعيد الغرام وحدها نحرصا حرصا أن نبدو في خير حال، بينما نشعر هلوسة أننا في أسوإ حال..
كنت قد هيّأت نفسي لكل نشاط ممكن، و كل نشاط على هذه الرمال ممكن، و جميل الإمكان أيضا. لم أنس أن أدّخر مجهودا طفوليا للسباحة، و مزاجا رائقا للمزاح و التندر، و استعدادا تاما للجنون، و ربّما حصة للنّوم و طبعا بطنا خاوية للأكل!
لكنني أفاجأ بي، أترك كل هذا جانبا، و أمسك القلم! إنها حاجة الكتابة. و قد تعلمت أن لا سبيل عن تلبية حاجة الكتابة. لكنني تساءلت أيّ سبب يضطرني اليوم أن أكتب عن هذا المكان بعد سبعة مواعيد بدون تعليق؟
أذكر أنّني فكرت سابقا في الحديث عن مواعيدي هذه، لكنني في كل مرة أحاول فيها ترجمة مشاعري إلى كلمات، أجدني ظالما مقصرا، فما الذي جدّ هذه المرّة؟
كنت جالسا أتأمّل الجزيرة بعين خاوية و أخرى لا شيء فيها كما يقولون، و في مبادرة غريبة منّي، تناولت القلم و الكراس، أنا أريد الكتابة إذا! أكان ذلك أمرا أمرتني به الجزيرة خفية دون أعيه؟ لن يدهشني ذلك أبدا، فلهذه الجزيرة سرّ غريب، و أمر مريب، و إنّ الناظر إليها، ليشعر بذلك أيّما شعور..
و كأنّها تخاطب فيه مكامن حسّه فتأمره بالسعادة حينا، و بالحنين إلى الذكريات حينا آخر.. هذه الجزيرة العارية من الخضرة، الحبلى بالأسرار.. لم أكن أتخيّل أوّل أيامي هنا، أن لها كل هذه السطوة على المكان..
كم تندّرنا بها حينئذ، و كم أمضينا الساعات نبحث عن تشبيه مناسب لها.. سمّاها الكثيرون الباخرة، و سمّاها آخرون الحذاء، بينما رأى أغلبنا أنها تشبه أنف أحدنا، فاستقرّ رأينا على هذا التشبيه بعدما غلبنا الضحك..
لكنني اليوم أرى فيها كبرياء يفوق ما لأنوفنا جميعا، و أن سلطتها على المكان لا جدال فيها.. أحاول عبثا تخيّل البحر بدونها، فترتسم صورتها في ذهني و يختفي البحر و الناس الذين يضم جميعا!
رأيتها و البحر هادئ مستقرّ، فإذا بها المشرف على هدوئه، المؤمّن لسكونه. و رأيتها و أمواج البحر تلتطم، فإذا بها من يرسل الأمواج في وقع مستفزّ متعمّد ! حتّى الناس كانوا في دخولهم إلى المياه الخفيفة الصافية و كأنهم يحجون إليها، و في خروجهم من الماء كأنهم عائدون من الحجة..
أيّة رسائل تحمّلها تلكم الأمواج، و أيّة كلمات تتبعثر بتيعثرها (الأمواج) على الرمال، و سيقان الرائحين و الغادين؟ استدرت إلى الخلف فطالعني الجبل المتدثر بالسباسب و الأعشاب. فاجأني المشهد الأخضر، و كأنني ألحظه للمرة الأولى. و عدت أتأمّل صحراوية الجزيرة. و لوهلة خيّل إليّ أن الأمواج قد ازدادت عنفا!
ترى ما الذي يحدث بين اليابسة العامرة بالناس و الحياة، و بين الجزيرة التي و كأنّها مصدر كل تلك الحياة؟ أيّ صراع يدور بينهما طوال السنة؟ لقد بات المشهد غريبا فعلا، و بتّ أتخيّل المياه حبلا يتجاذبه الطرفان. و كأنّ كليهما يبحث أن ينسب البحر إليه! هذا بما فيه من حياة و مرح، و تلك بما تحمله من سحر و غموض، و للناظر أن يحار بينهما طويلا، حيرة هذا البحر التي لا تنتهي!
لكنني أعلم أنّ هناك أمرا ما لا ريب فيه في كل هذا... و نهضت متوجّها إلى تلك المياه الطفلة أداعبها، و أنا أحمد الله على نعمة هذا الصراع!
فاروق الفرشيشي
27 ـ 07 ـ 2009
هو موعد غراميّ و لا شك، ففي مواعيد الغرام وحدها ما يجعلنا نرتجف هيبة و نتحرّق شوقا. و في مواعيد الغرام وحدها نحرصا حرصا أن نبدو في خير حال، بينما نشعر هلوسة أننا في أسوإ حال..
كنت قد هيّأت نفسي لكل نشاط ممكن، و كل نشاط على هذه الرمال ممكن، و جميل الإمكان أيضا. لم أنس أن أدّخر مجهودا طفوليا للسباحة، و مزاجا رائقا للمزاح و التندر، و استعدادا تاما للجنون، و ربّما حصة للنّوم و طبعا بطنا خاوية للأكل!
لكنني أفاجأ بي، أترك كل هذا جانبا، و أمسك القلم! إنها حاجة الكتابة. و قد تعلمت أن لا سبيل عن تلبية حاجة الكتابة. لكنني تساءلت أيّ سبب يضطرني اليوم أن أكتب عن هذا المكان بعد سبعة مواعيد بدون تعليق؟
أذكر أنّني فكرت سابقا في الحديث عن مواعيدي هذه، لكنني في كل مرة أحاول فيها ترجمة مشاعري إلى كلمات، أجدني ظالما مقصرا، فما الذي جدّ هذه المرّة؟
كنت جالسا أتأمّل الجزيرة بعين خاوية و أخرى لا شيء فيها كما يقولون، و في مبادرة غريبة منّي، تناولت القلم و الكراس، أنا أريد الكتابة إذا! أكان ذلك أمرا أمرتني به الجزيرة خفية دون أعيه؟ لن يدهشني ذلك أبدا، فلهذه الجزيرة سرّ غريب، و أمر مريب، و إنّ الناظر إليها، ليشعر بذلك أيّما شعور..
و كأنّها تخاطب فيه مكامن حسّه فتأمره بالسعادة حينا، و بالحنين إلى الذكريات حينا آخر.. هذه الجزيرة العارية من الخضرة، الحبلى بالأسرار.. لم أكن أتخيّل أوّل أيامي هنا، أن لها كل هذه السطوة على المكان..
كم تندّرنا بها حينئذ، و كم أمضينا الساعات نبحث عن تشبيه مناسب لها.. سمّاها الكثيرون الباخرة، و سمّاها آخرون الحذاء، بينما رأى أغلبنا أنها تشبه أنف أحدنا، فاستقرّ رأينا على هذا التشبيه بعدما غلبنا الضحك..
لكنني اليوم أرى فيها كبرياء يفوق ما لأنوفنا جميعا، و أن سلطتها على المكان لا جدال فيها.. أحاول عبثا تخيّل البحر بدونها، فترتسم صورتها في ذهني و يختفي البحر و الناس الذين يضم جميعا!
رأيتها و البحر هادئ مستقرّ، فإذا بها المشرف على هدوئه، المؤمّن لسكونه. و رأيتها و أمواج البحر تلتطم، فإذا بها من يرسل الأمواج في وقع مستفزّ متعمّد ! حتّى الناس كانوا في دخولهم إلى المياه الخفيفة الصافية و كأنهم يحجون إليها، و في خروجهم من الماء كأنهم عائدون من الحجة..
أيّة رسائل تحمّلها تلكم الأمواج، و أيّة كلمات تتبعثر بتيعثرها (الأمواج) على الرمال، و سيقان الرائحين و الغادين؟ استدرت إلى الخلف فطالعني الجبل المتدثر بالسباسب و الأعشاب. فاجأني المشهد الأخضر، و كأنني ألحظه للمرة الأولى. و عدت أتأمّل صحراوية الجزيرة. و لوهلة خيّل إليّ أن الأمواج قد ازدادت عنفا!
ترى ما الذي يحدث بين اليابسة العامرة بالناس و الحياة، و بين الجزيرة التي و كأنّها مصدر كل تلك الحياة؟ أيّ صراع يدور بينهما طوال السنة؟ لقد بات المشهد غريبا فعلا، و بتّ أتخيّل المياه حبلا يتجاذبه الطرفان. و كأنّ كليهما يبحث أن ينسب البحر إليه! هذا بما فيه من حياة و مرح، و تلك بما تحمله من سحر و غموض، و للناظر أن يحار بينهما طويلا، حيرة هذا البحر التي لا تنتهي!
لكنني أعلم أنّ هناك أمرا ما لا ريب فيه في كل هذا... و نهضت متوجّها إلى تلك المياه الطفلة أداعبها، و أنا أحمد الله على نعمة هذا الصراع!
فاروق الفرشيشي
27 ـ 07 ـ 2009