Tuesday, May 29, 2012

دولة القانون...

كانت ردة فعل النهضة على المحاكمات الأخيرة (قيس بن علي، عبد الوهاب عبد الله، الخ) متوقعة جدا و مفهومة، أولا لأنها تعول كثيرا على مبدإ جس نبض الشارع و من ثم تحويل مساره او اتباعه حسب شدة الاجابة، و ثانيا لأنها من عشاق العمل "القعباجي" المبنيّ على سلامة النية و الثقة المتبادلة و "الرجلة".. و هو ما سأبينه لاحقا.. على أن قرار اعفاء الـ81 قاضيا كان مبالغا في القوة و العشوائية، إلى حد لم يمنعني من تخيل هذا المشهد بمجرد أن سمعت الخبر..

السكرتير : سيدي الوزير، أعتقد أن المال لا يكفينا لبقية السنة.
البحيري  : مممم، سنطلب من سي حمادي أن يضيف قانون مالية تكميلي كالعادة.
السكرتير : اتصلت بالوزارة الاولى و قيل لي ان هذا مستحيل، يجب ان نتصرف بالمال الذي نملك.

هنا، وقف البحيري و قد اعتراه الاضطراب، بات الأمر يسبب مشكلا حقيقيا إذا، انه لا يكاد يلمس من الحوافز شيئا، رغم عمله الشاق في الوزارة (يجلس على مكتبه منذ السادسة صباحا كما قال وزير التعليم العالي المكافح). عليه ايجاد حل للمعضلة. خصوصا في هذا الظرف السيء الذي يتذمر الكل فيه من مردود القضاء.. عليهم اللعنة، ألا يريدون القضاء مستقلا؟ لماذا يتحمل هو مسؤولية ما يجري في المحاكم؟ إنه حتى لم يشرف على اعداد ملفات القضايا التي قدمت، انهم القضاة، انهم القضاة...
و لمعت عيناه في جذل و قد هو يهتف : القضاة!

السكرتير : عفوا؟
البحيري  : القضاة! القضاة هم الحل! هم المشكل و الحل. لقد جنوا على انفسهم على كل حال.
السكرتير : ما دخل القضاة بالـ؟
البحيري  : سنعد قائمة أخرى من القضاة لاعفائهم.
السكرتير : و لكننا اعفينا 81 قاضيا في الاسبوع الماضي.
البحيري  : نضيف إليهم عددا آخر. هل تعتقد أن الفساد انتهى؟
السكرتير : و لكننا لا نملك دلائل كافية لاعفائهم.
البحيري  : و هل كنا نملك حينما أعفينا الآخرين؟ على الاقل نحن متأكدون من تورطهم. اسمع معظم القضاة متورطون لذلك نسبة الخطإ ضئيلة جدا! احضر لي النرد و قائمة القضاة.

السكرتير : نرد؟!
البحيري  : اجل الا تعرف النرد؟!

احضر الرجل ما طلب منه رئيسه و هو يتساءل أية فكرة عبقرية سيأتي بها هذا المناضل الفذ.. ففرد الوزير الورقة و قسم الاسماء فيها الى مجموعات سداسية، و تناول النرد و قال "و لا تشاؤون إلا أن يشاء الله." و رمى بالنرد في ثقة ، ثم القى نظرة على القائمة و ابتسم في ثقة و ارتياح و هتف : ألم أقل لك؟! أ رأيت هذا الشخص، انه من مرتزقة القضاء، أنا اعرفه، و أعرف ألاعيبه، لا نملك عنه شيئا لكنني واثق من تورطه! سجل سجل!

السكرتير : و لكن القضاة لا يتـ..
البحيري  : يا ولدي اكتب و يزي بلا تمعجين!

و حينما انهى القائمة، تذكر أمر الحوافز، و قال في نفسه ان اعفاء متورط آخر لن يضير شيئا، و 10 قضاة او 11 عشر، الاعفاء هو الاعفاء.. هكذا عاد الى النرد و نظر الى القائمة. كانت الاسم الخامس يحمل اسم رئيسة جمعية القضاة، فتلبد وجهه و لعن الحظ في سره و قال : لنكتف بالقضاة العشر. أعد القائمة، و قل كالعادة اننا نملك الوثائق.

السكرتير : و لكننا لا نملكها يا سيدي.
البحيري (ساخطا) : و هل سننتظر حتى نملكها؟ أكاد اضطر للتنقل بالحافلة يا رجل! حتى النواب رفضوا ذلك ! انا لم أظلم أحدا، هؤلاء خونة و يجب تطهير القضاء منهم! لم أظلم احدا!

كان لسان حال السكرتير يقول إنه ظلم القانون و حرمته، و إن العشوائية التي يمرر بها و أصحابه القرارات و يعدون بها القوانين ستجعلنا نعول على النية الصادقة و "الرجلة" عوض التعويل على صرامة القانون و عدله. كان لسانه حاله يثرثر بأفكار كثيرة عن الفرق بين الثقة في القانون و الثقة في الافراد، بين من يركبون الحافلة لالتقاط الصور و بين من يركبونها لأن القانون أجبرهم على ذلك. بين من يقيلون المفسدين بجرة قلم، و بين من يعملون لايجاد ما يروطهم و يرسلون ما يدينهم للقضاء ليحكم فيهم.. بين وزارة عدل تهتم بتوفير ما يلزم عمل القضاة و بين وزارة تهتم بعملهم و مردودهم كأنهم يعملون تحت امرتها... لكن الافكار لم تتجاوز ذهنه لأنه تذكر عياله و مطالبهم التي لا تنتهي، فابتسم في ارتباك و تناول القائمة الجديدة و مضى لشأنه..

أما أنا ففرغت من خيالاتي و شرودي، و انا اتساءل ان كان السكرتير من جماعة المؤتمر أم التكتل..


Tuesday, May 1, 2012

الفايسبوك يكتب تاريخنا..

من أسوا ساعات اليوم، هي تلك التي تلي الغداء مباشرة، البطن الممتلئة، الحاجة الى النوم، المكتب الكئيب، و قائمة الاعمال المثيرة للغثيان، و احدهم على الفايسبوك يلصق اسمك باحدى الصور، لتجد نفسك مكرها على تحمل التذكير المستمر ان احدهم "علق على صورتك." عشرات منها في الواقع.. 
" موش تصويرتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي!!!!!"

لكن الفايسبوك لا يهتم لمعاناتك، عليك أن تفتح الصورة و تفصل اسمك عنها. هنا، مفاجأة سعيدة أخرى : طبيعة الصورة : 


تروي الصورة رسالة من "ملك انكلترا و السويد و النرويج" إلى "الخليفة ملك المسلمين في الاندلس هشام الثالث" يرجوه فيها بكل تذلل أن يقبل ابنته الاميرة و حشدا من رجاله أن ينهلوا من علوم الاندلس و حضارتها، و هو ما اجيب بالقبول و المودة من الخليفة الاندلسي... و تنهمر تحت الصورة امطار التسبيح و التهليل و التكبير كأن ما حدث كان بالامس القريب، أو كأن الاندلس لم تعد بعد اسبانيا الكاثوليكية. و لكن يزيد الفايسبوك من سعادتي أكثر، فقد قفز الكثيرون إلى ما يجب استنتاجه : كم كنا عظاما زمن الخلافة، و كم بتنا صغارا اليوم بدونها. اذا : الخلافة هي الحل لكل مشاكلنا.

و لأن التساؤل هو أول ما اقوم به حينما أتلقى معلومة جديدة، فقد قرأت الرسالة و الجواب عليها و أنا أتساءل دون توقف : 
ـ هل وجد ملك لانكلترا و السويد و النرويج معا؟
ـ هل وجدت انكلترا زمن هشام الثالث؟
ـ هل يوجد من يدعى جورج الثاني و هل تزامن حكمه مع حكم هشام بن عبد الملك؟
ـ هل يقبل ملك على نفسه كل هذا التذلل (خادمكم المطيع) حتى و ان أرسل لملك أكثر منه قوة و نفوذا؟
ـ من كتب الرسالة للملك بالعربية؟ و هل هذه عربية الاندلس في ذلك الزمان؟

و منذ بداية البحث، أدركت أنني أمام رسالة وهمية، فجورج الثاني الوحيد في تاريخ انكلترا، هو الذي حكم بريطانيا العظمى بين 1727 و 1760.. و هو زمن يبعد عن زمن هشام الثالث نحو ثمانية قرون. كما أنني لم أجد اي توحيد للممالك الثلاث التي تتحدث عنها الرسالة، و كل ما وجدته هو ملك واحد للدنمارك و النرويج و انكلترا، و هو أيضا بعد فترة حكم هشام الثالث. فضلا أن مقارنة كتب ذلك الزمان (طوق الحمامة مثلا) و هذا الكتاب، تثبت بيسر أن الرسالة لم تكتب في ذلك الزمن.

"هذه الرسالة لا أساس لها من الصحة يا سادة، راجعوا هذه المعلومات." 
"تعرف خير مالعلماء ياخي؟"
"أي علماء؟ نحكي معاك بالمنطق."
"منطق؟!" (من الواضح أن الكثير من الضحك الساخر قد اطلق بعد التعليق.)
"فسر لي كيفاش واحد من عام 1700 يبعث رسالة لواحد من عام 1000؟ "
"المؤرخ الكبير راغب السارجاني، قالها. تعرف د. راغب السارجاني؟"
"لا ما نعرفوش."

و خيّل إليّ أنه نظر إلى رفاقه نظرة هازئة من نوع "ريتوا ـ جاي ـ يتفافى ـ و هو حتى ـ راغب السارجاني ـ ما يعرفوش".. لكنني سألته في اهتمام :
"هل هو دكتور في التاريخ؟"
"بل في الطب، و لكن... لماذا لا تريد تصديق المسلمين؟ لو كان مؤرخا يهوديا لصدقته!"
"ربما، لأن المؤرخ اليهودي مؤرّخ في نهاية الأمر، و لا يمكن أن يقترف حماقات منطقية كهذه."
"زايد غسلوا لك مخك!"

و هكذا مضيت و قد أدركت أنني أنا من تعرض لغسيل المخ، لأنني لم أشأ تلقي معلومة تتقاذفها المتضادات كالثورة التونسية.. و هذه التجربة هي واحدة من عشرات التجارب التي تعرضت لها على الفايسبوك خصوصا و في الحياة مع الناس بصفة عامة. و لكي لا يذهب البعض أنني أتوجه بقولي إلى شق دون غيره (مادام البلد قد قسم إلى قسمين)، فأكثر ما تجد عند القسم الآخر من فبركة للتاريخ، هو أقوال المشاهير و الخالدين، ترى من ذلك العجب العجاب حقا. و الأغرب أن أهله يدافعون فيستميتون في الدفاع، كأن الاقرار بالخطإ كريهة و جرم.

و هكذا، تحوّل بن خَلدون إلى ناطق رسميّ باسم هذا الشق، فهو يدعوك أن تنافق او توافق او تغادر البلاد. و لا أعرف أ قال الرجل هذا الكلام لحاكم تلمسان الذي اهداه المقدمة، ام قال ذلك في ندوة صحفية اقيمت عند استقباله بالقاهرة. و حينما تطالب بالمصدر، يهيج الناس عليك و يجن جنونهم، أتكذبهم؟ أتطعن في شرف ذاكرتهم؟ و لكن الكتاب هنا، و يمكن البحث فيه كما تشاؤون، فأين ما تقولون؟ هناك حتما نسخ أخرى فابحث عنها بنفسك و ستجد ضالتك! المهم أن كلامه مادام يصب في مصلحتنا، فهو كلام صحيح لا ريب فيه.
و كما أن هناك أعلاما وهبوها عشرات الاقوال المأثورة، فهناك أقوال أخرى وهبت عشرات الأعلام ايضا! خذ مثلا قولهم "مشكلة الديمقراطية أنها تجبرك على سماع الحمقى."
فقد قال هذه رينيه ديكارت René Descartes الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في عصر الملوك (و لا اعرف كيف عاش الديمقراطية و عرف مساوئها) و قالها أيضا Blaise Pascal اجل ذلك المخترع الفرنسي، و قالتها Isabel Allende المناضلة التشيلية، و ربما وينستون تشرشل ربما لأنه معروف بأسلوبه الساخر. و حينما يمتد ذهنك للتساؤل، تبدأ العصبية بالعمل. 

"احترم نفسك، و انا سيدة محترمة و لا اسمح لك بمخاطبتي بهذا الأسلوب!"
"اي اسلوب؟ تساءلت أين قال ديكارت هذا الكلام؟ هناك حتما كتاب ما ذكر فيه هذا الكلام، لا أظنه قاله في تصريح تلفزي. أو في تأبين أحد الاقارب"
"عندي أولاد و ما نسمح لكش تحكي معايا هكة، ديما ساكتة لك اما هذا اخر تنبيه!"
طبعا تجاوزتّها، لأنني لا أحب أن تتحول المناقشات الى حديث عن العائلة و الاولاد و التنبيهات.. و لكنني صدمتُ لهؤلاء الذين يدعون الفكر الحر و سلاسة العقل و القدرة على تقبل غرائب الحياة. كيف للتعصب أن يعمل فيهم هذا المعمل؟ كيف تنجح معلومات كهذه على الفايسبوك ان تتغلغل فتبلغ عددا هائلا من الناس، فتنقش في عقولهم قبل ان يهمّ أحدهم بالتساؤل عن صحة الكلام من عدمه؟

إن الخطر وراء ما يحدث، لا يكمن في قدرة هذه التقنية على نشر الاشاعات، بل في قدرتها العظيمة على تزوير التاريخ! فنحن يا سادة أمة لا تقرأ، او الادق : امة اقرا على روحك يا ولدي باش تنجح و تولي طبيب. و هو شعار يحتقر كل محاولة للتعلم لا يرجى منها صنعة او مال، و هو شعار قطع لسان التاريخ، و اخرج له لسانه هازئا به. و لأن الانسان بحاجة غريزية الى العودة الى الجذور، فإنه سيبحث عن من يوفر له الاجابة بايسر السبل، و لأن الانسان يميل الى تصديق ما يحب تصديقه، فالصفحات "الموسوعية" الفايسبوكية منقسمة تقريبا الى شقين (كما هو حال تونس، او كما ارادوا لها ان تكون) كل شق يقدم لمتابعيه و المؤمنين به، تاريخا على قياسهم. فعند هؤلاء، كان عمر بن الخطاب بطاشا رعديدا، يكره النساء و يحتقرهنّ، و عند الآخرين كان عبد الحميد الثاني خليفة بارا عادلا ذي مبادئ.. و عند هؤلاء كانت دولة الاسلام تعيش في عز و رخاء حتى تآمر عليها المتآمرون و قسموها فأصيبت الامة بالضعف و الهوان و التخلف، و عند الآخرين ما عرفت الامة ازدهارا مع حكم الخلافة قط.. و بين هذا و ذاك، يظل تاريخنا منتفا متفرقا، ضائعا لا يعرف له حق من باطل..

و منذ محاولة بن خلدون الفذة التحقيق في تاريخ الامة، و فرز روايات المؤرخين الاوائل، لم يأخذ أحد المشعل عن بن خَلدون، و لم نرَ بعد رجلا جديدا يتجرأ على تاريخنا فينبش فيه، و يخرج عوراته، و اكاذيبه و خرافاته و يكشف لنا بطولات لم نكن نعرفها، و فضائح داراها المنتصرون و حاولوا طمسها.. لم نر رجلا يقول إن التاريخ ليس مجرد نقل لأخبار تناقلها الاجداد جيلا بعد جيل دون التيقن من صحتها، و أن التاريخ ليس مجرد كتب تروي احاديث العامة التي تغلبها المبالغات و الزيادات. لم نر رجلا يطلب أن ينبش في الحفريات، و الاماكن، و ان يدرس الاثار الادبية دراسة علمية حقيقية، كتلك التي مارسها الاوروبيون مع تاريخهم.. ان التقدم يا سادة، يبدأ مع التصالح مع التاريخ، يبدا مع تعرية الحقائق مهما كانت موجعة او جارحة أو مذلة، لأن من يعيش على تاريخ وهمي، كفيل بمستقبل وهميّ أيضا.. و في انتظار ذلك، اذكروا المصدر، و تساءلوا.. تساءلوا يرحمنا و يرحمكم الله!


Friday, April 27, 2012

تونس تــ9ــرا .. في الكار الصفراء..

و خير جليس في الزمان كتابُ!
ردّدتها في حماس مرزوقيّ متفائل و انا اتأبط كتابي إلى خارج المنزل.. اليوم سنعلن عن وجودنا نحن اصحاب هذه العادة السرية المخجلة .. سنمارس اليوم شعيرتنا على الملأ بعدما اضطهدنا سنينا و سنين.. وداعا لاعوام المهانة و التهكم.. وداعا لايام الرعب و القراءة ليلا تحت اللحاف..  و اخفاء ما ملكت يميني من كتب عن الرفاق . اليوم سأعلنها و ليذهب الكافرون به إلى الجحيم...

أي موقف ذاك الذي وقفته أمام أبويّ و أنا اصارحهم بالحقيقة!
"أنا قارئ"
"ما أنت بقارئ!"
"أنا قارئ"
"ما أنت بقارئ! لم نر منك كتابا و لا صحيفة، و كنت دوما مطيعا لا تعرف غير كتب الدراسة"
و حينما رأوا "عودة الروح" بين يدي.. ذهبت الروح عن وجوههم .. و ضرب أبي بكفيه في أسى و مضى مكرّرا "ضاع ابنك يا امرأة.."

كنت قد قررت أن أمارس شعيرة طالما حلمت بها : أن أقرأ في الحافلة.أجل، تماما كما يفعل الناس في أوروبا واليابان! وما يضيرني أن أفعل ذلك؟ هي ذي الحافلة قادمة، وهو ذا كتابي في يدي. على بركة الله!
كنت أتخيّر في مخيّلتي أيَّ مقعد سأتخذه في الحافلة. وراء السائق، حيث يصطف كبار السن، عند نافذة مفتوحة، حتّى أنعم بشمس الفكر وشمس البلاد، أو في مقعد خلفي معزول عن الآخرين... الآخرين! الآخرون طرقوا باب مخيلتي في عنف و خلعوه، و اقتحموا الحافلة وأفكاري بنفس الحماس! "بالشوية! بالشوية!" كان من يصيح بها هو نفسه يدفع امرأة من أمامه و يعصرني على باب الحافلة بمنتهى الاتقان و التفاني! بينما امرأة أخرى تصرخ بما أتاها الله من دعوات صباحية مباركة أغدقتها على الجميع... ربّاه! هل أنا في الحافلة؟ كيف حدث هذا؟ أي سرّ بديع وراء هذا الالتحام البشري المهيب الذي يدخل به الناس الى الحافلة؟! هكذا من دون أن تحرك قدميك، تتلاقفك الأجساد بفعل الحبّ والعناق والقصور الذاتي إلى داخل الحافلة، فتجد نفسك في المكان الذي يجب أن تجلس فيه... أعني تقف فيه.

لم يكن المكان مختلفا جدا عن ما رسم بمخيلتي. صحيح أنني لا أرى الشمس، ولكن الحرارة متوفرة بكثافة. وصحيح أنني بعيد عن السائق ولكن صراخه يبلغ مسمعي. كما أنّني وإن لم أكن بمعزل عن الناس، فوضعيتي وسط كومة الأجساد ما كانت لتسمح بالاهتمام بهم... لا بأس، لن يفلّ عزمي، وسأقرأ هنا! أين يدي اليمنى؟ اه الكتاب في يدي اليسرى، رفعت الكتاب الى أقصى ما تسمح به المساحة، لم أرَ الغلاف، من الواضح أنه لم يرافقني في غمرة الدخول الثوري. لا بأس، لا تهم القشور، لأقرأ، لأقرأ، لأثبت لهؤلاء أن خير جليس (حتى وقوفا) في الزمان كتاب! أنه يمكننا أن نعيش كالألمان و السويديين و البريطانيين، وأننا لا نفوقهم تحضرا لو قررنا ذلك!
لم أكن محتاجا للاعتماد على عمود ما لاجد توازني، فكومة الأجساد لا تسمح بالسقوووووووووووووووووووط.. "بالشوية!" صرخ بها أحدهم و قد وجدت نفسي ملقيّأ عليه... إنه منعرج أحب السائق أن يمتعنا به. اِعتذرت وأخفيتُ الكتاب عن ناظريه. كنتُ أبحث مرّة أخرى عن العمود الذي حدّثونا عنه في الأساطير، حينما عرجت الحافلة يسارا وفي هذه المرة، كانت امرأة بين ذراعيّ... نظرت إليّ في استنكار وخيّل إليّ أن الكارثة ستحدث، لكنّها أشاحت بعينيها في استسلام لقدرها البائس وحاولت أن تجد لها مكانا بعيدا عن المتحرّشين أمثالي. أردتُ أن أخبرها أنها هي من ارتمت عليّ وليس العكس، أردتُ أن أخبرها أنّ آخر ما أرغبُ فيه هو التحرّش بوحش لوخ نس في ظروف كهذه، لكنني أعرف "شهامة" الرجل التونسي. لو أعجبتْ أحدَهم هنا، فلن يترك لي فرصة شرح ما حدث، وسيبدي لها من البطولات ما يحرّر القدس... سأقرأ، سأقرأ! 

"خويا تونس؟"
كان هذا مراقب التذاكر! كيف وصل إلى مكاني؟ ربُّك الجبار أعلم! هو الشخص الوحيد الذي يرى الحافلة بشكل كنيسة، المؤمنون الفرحون يمينا يسارا والبساط الأحمر بينهما يخطو عليه ويسأل الناس في تودد و حنان... "تي نكلم فيك! ما تسمعش؟!"
"اه سامحني، تونس تونس!"
لكن المشكلة بالنسبة لي، كانت البحث عن طريقة أخرج بها المال من جيبي... أين أنت يا توم كروز! كيف تفعل مثل هذه المستحيلات؟! أين جيبي؟ أين جيبي؟ "تي هيا!" هاهو الجيب! ولكنّ أحدهم صرخ بصاحبه المستند إلى كتفي : "صاحبي، باش ينشلك!" اِستدار الرجل إليّ مذعورا وهمّ بالمسك بقميصي حينما صرخ المراقب "تي جيبُه هو موش جيبك! دور أخطانا مالمشاكل!"
"وين تعرف على البلاء؟ قداش مقرين؟"

نجوت من مشكلة جديــــــــــــــــــــــــــــــــــ... عفوا ... ــدة.. توقفت الحافلة، و بدأ صراع الطّلوع و الهبوط، تماما كما في كرة القدم التونسية، كلُّ السبل متاحة حينما يفتح الجحيم أبوابه، و مع الغبار المتصاعد، خلتُ أنّ هناك من ألقى بالشماريخ بالفعل! لكنني سأقرأ! دفعني أحدهم وسط محاولاته البائسة بلوغ الباب قبل أن يغلق، و رمقني آخرُ بنظرة فيها صبر كثير وتجلّد وقد وطأتُ قدمه، و لكنّني سأقرأ... وعاد المراقب إليّ وهو يصرخ " باش تخلص توة و الا نهبطك؟" أنزل قبل أن أقرأ في الحافلة؟ هذا محال! مرة أخرى تمتدّ إلى جيبي وعيناي ترقبان لألّا أخطئ الجيب فتحدث الكارثة. قدّمت له ما تيسر من المال، فأعاد إليّ ما تعسّر على جيبي من العملات: رجّة أخرى، وفتًى يرتطم بيدي فتنتثر العملات ضاحكة برنّتها الساخرة على قاعة الحافلة... و تذكّرت عنوان الفليم الشهير "Catch me if you can."  
لا أقدر طبعا، و قلت، ربما في المحطات القادمة ستخف الوطأة، ويمكنني التقاط العملات... ناولني المرقب تذكرتي، فحاولت أن أضعها بين صفحات الكتاب، وأقرا... كان الكتاب قد استحال إلى كومة أوراق بائسة، و اكتساه العرق من كل عابر سبيل التصق به، لا يهم، إني لقارئه!
 

"يا ولدي مشني مخلص، بالسيف؟ ثورة قامت والكيران ما حبتش تتصلح؟ الى متى؟!"
"مالي و مال الثورة يا ولدي؟ برة اعتصم هاوكة الوزارة قدامك، تدخل لكار أنا فيها، تخلص يا ولدي."
"مشني مخلص، هاو حومة موشنا مخلصين، باهي؟"
"يا حمادي دور للمركز دور!"


وتعالى صراخ الناس مطالبة بالتجاوز، لكن من الواضح أن الأمر لن يمر بسلام! وتدخل بعضهم يحاول الحسم، بل إنّ أحدهم اقترح أن يدفع من جيبه فقط كي تستمر الحافلة في طريقها لأنه تأخر كثيرا عن العمل. لكن بدا أنّ الخصمين رجلا مبادئ، ولن يحيد أحدهما عن رأيه، وارتفع الصراخ من هنا وهناك، والحافلة تعرج إلى قسم الشرطة... كنت أحب أن أقول إنّ الفوضى عمّت المكان، وإنّ الهرج والمرج صارا طاغيين، لكنّي للاسف لم ألاحظ تغييرا فالفوضى حاصلة والهرج والمرج هما طبيعة الأشياء هنا...

"أيا اهبط!" 

إذا ما أنا بقارئ فعلا! تماما كما قال لي والداي... ما أنا بقارئ والفوضى تعمّ الثورة، ما أنا بقارئ والحافلة الصفراء تحاول جاهدة الانتحار يسارا أو يمينا، ما أنا بقارئ مادام بعضنا يركب هذه الحافلة و يرفض مدها بمال الوقود، ومادامت هي تأخذ منا أكثر مما تقدم لنا... في هذه الحافلة تُفتك المقاعد، و يتحرش الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ويشتمك من دفعك، ويسحب الناس بعضهم بعضا سحبا إلى اليمين، ثم يدفعونهم دفعا إلى اليسار... في هذه الحافلة الركوب للاقوى، والنزول لمن يحسن المراوغة، والمال للنشال والمراقب، والمصير بيد السائق وحده... مادامت الحافلة صفراء معلولة، ومادامت الرحلة بهذه الفوضى، فما أنا بقارئ أبدا... وعليّ المراوغة و النزول...
 

وقبل وصول الحافلة الى المركز، اِنفتحت الأبواب لنزول بعضهم، و نزلنا. لم أجد بقية مالي، فابتسمت ساخرا "يا للمفاجأة!" و تأملت ما بقي من "عودة الروح" فصمتت في حزن، والتساؤل يكبر فيّ "متى تعود الروح؟" هنا رأيت فتاة تدخل إلى الحافلة وكتاب في يدها. ملت برأسي لأرى العنوان. وابتسمت و أنا أقرأ :"عصفور من الشرق." .. فقلت في نفسي مبتعدا : عسى ذلك يوما...



Tuesday, April 24, 2012

غزوة تونس .. 7 (حكاية صباحية، ما قبل النوم..)

----------------------------------------
 1
(لو كنت ملولا بطبعك، و لا أمل فيك فانتقل إلى القسم الثاني مباشرة.. )
----------------------------------------

ـ صابروا، صابروا فالنصر قريب!


صرخ بها أحد المعتصمين أمام مبنى التلفزة الشامخ عن ربوة المنار، فردد الناس وراءه "الله أكبر! الله أكبر!"
لم يكن واثقا من النصر و الحق يقال، فالمطالب صعبة المنال و الناس داخل المبنى أثبتوا فشلهم و عمالتهم و قلة حيلتهم لتطوير المشهد الإعلامي حتى يوافق المسار الثوري. الاخبار لا تزال كما هي، نفس الموسيقى، نفس المقدمين تقريبا، و نفس الرتابة، ضيق استوديو التصوير ينتقل إلى صدره، و يخنقه كلما شاهد أنباء الثامنة مساء، و شبكة المراسلين لا تأتي إلا بأخبار الشؤم.

ـ تونس 7 يا حقيرة! أين أنت مالجزيرة؟!

أين هي من الجزيرة؟ حيث تكتسب موسيقى بداية النشرة سحرا فريدا تعدّل عليه مواعيد الناس و لقاءاتهم! أين هم من شبكة مراسليها الضخمة التي تغطي بكل حماس نشاط الحكومة! هؤلاء اناس مخلصون يتفانون في خدمة المشاهد العربي أيا كان، كنا نتابعهم وقت بن علي فلم يبخلوا على المعارضة بمساحة للحرية، في وقت كان هؤلاء يتسابقون ككائنات المني الدقيقة لارضاء ربهم المخلوع.. 

ـ الشعب يريد، تطهير الإعلام!

لقد صرخ الشعب بهذا أيام الثورة* و سيظل يصرخ حتى يطهر الأعلام تماما من الرجس النوفمبري، و يتقهقر أبناء عبد الوهاب عبد الله ليتركوا الة القمرة أو الكاميرا لـ... 

كان تائها يبحث عن بقية لخواطره حينما نادى مناد : لقد انسحبوا ! انسحبوا!
هاج الناس و ماجوا، و اندفعوا إلى داخل الاسوار، و قد تراجع الأمن و قد بدا مستسلما فجأة.. ما الذي يحصل؟


ـ أوامر قالوا لنا خلوهم على راحتهم..
ـ و صحافة العار؟
ـ غادروا من الجهة الخلفية.
ـ الله أكبر!

و عانق الشرطيَ في حرارة على هذا الخبر الخرافيّ، و اندفع مع الناس إلى داخل المبنى و قد بدأت الأحلام تغزل القصص في اركان مخيلته.. 

ـ شوفوا لنا شكون يقل لنا شنوة نعملو.

سمعها فأسرع يجمع الناس و يخاطبهم :
ـ الواضح أنه تركوها لنا و هي الآن ملكنا، و نحن، الشعب، سنقدر ما يجب فعله لادارتها. سنقدم اعلاما يستحق أن يدفع له المواطن الضريبة. الاعلام هو مشكلة المشا..
ـ شنوة نعملو؟


كان السؤال واضحا  و لا يحتاج إلى كلام ثوري بهذا الحماس. و بدأ يستوعب أن الكلام الثوري لا يسمع إلا خارج أسوار السلطة. هنا، من الواضح أن الناس لا تسمع إلا ما تقوله الأيدي.. و لو أراد الحفاظ على سلطته و أحلامه، فعليه أن يقول شيئا أكثر عملية و وضوحا..


ـ خليل! أعلن من أستوديو الانباء أن التلفزة تحررت و انها اليوم ثورية تماما، و انها ستعود للبث حالما تتشكل هيئة وقتية للاعلام العمومي!

كان كلامه بداية جيدة، تهلل لها الجميع و قد أحسوا أن بينهم رجلا يعرف جيدا ما يجب فعله، كان هذا مهما كي يطوق الجميع إلى مجلسه فيظلوا عقدا واحدا لا ينفرط.. الآن عليه أن يصنع التاريخ!

----------------------------------------
2
(كلام ثقيل، و افكار تثير الصداع، لو كنت قليل التركيز فانتقل إلى القسم الثالث..)
----------------------------------------

بماذا نبدأ؟ باستدعاء الصحفيين الشرفاء طبعا، فهو لم يأت ليعمل صحفيا، بل يرشد الصحفيين إلى ما ينبغي فعله! هاتوا لي زهير مخلوف، و سهام بن سدرين، لقد كانا مناضلين زمن بن عليّ و يمكن التعويل عليهما، لا يصلحان للتقديم؟ هناك سمير الوافي، إنه صحفيّ متمرس، لم يدرس الصحافة؟ لتذهب الدراسة إلى الجحيم ما الذي قدمته لنا؟ كان تجمعيا؟ لكنه محايد اليوم و يقول كلمة الحق.. لا بأس به لا بأس به! لا تنسو المراسلين، نريد مغامرين من طينة خميس بوبطان، نريد أناسا يحسنون العمل على الميدان. و قال قائل : 
ـ مجالس الثورة! 
ـ أجل يمكن الاعتماد على تقاريرهم كمراسلين قارين للقناة.
ـ و يمكن أن يتكفل أدمينات صفحات الثورة بالتحرير.
ـ ها قد بدأ شلال الأفكار! دونوا ! دونوا!

ثم هرش برأسه و قد تذكر أمرا ثم قال : هناك ذلك الفتى الفذ، الذي أشعل النار على مدوني العار في القصر الرئاسي، أتذكرونه؟ ماذا لو يعيّن مقدما لبرنامج حواري؟
ـ و ماذا نترك لأمان الله اذا؟
ـ لا، أمان الله يمكننا اعتماده كمستشار صحفيّ مثلا
ـ و ماذا عن المؤهلات؟
بصق الفتى تأففا و صرخ محنقا

ـ أي مؤهلات يا رجل؟ و هل يملكها سفيان بن حميدة؟
انفجروا ضاحكين للملاحظة، بينما واصل هو أسئلته ..

خط التحرير؟ كيف يكون خط التحرير؟ يجب أن نعجل بهذا قبل أن يأتي موعد الأخبار! هل جاء الصحفيون الذين طلبناهم؟ بعضهم؟ لا بأس، حسن عمّ نتحدث في الانباء؟ لا نريد انحيازا يا سادة، نحن نريد كلمة الحق فحسب يا سادة، شيئا من العدل و ليأخذ كل حقه. لا نريد صحافة بن علي، و لا نريد صحافة كل همها هو التقريع، التوازن التوازن هو كل ما نحتاج إليه!
ـ أقترح أن نراوح بين خبر مع الحكومة و خبر ضدها.
رمق بعضهم صاحب الاقتراح العبقريّ، بينما واصل هو قطار أفكاره... يجب أن نذكر انجازات الحكومة تباعا مع المشاكل الموجودة، هذا يطمئن المواطن، و يجعله يحس أن هناك نظاما في هذه البلاد و أن رجالا يسهرون عليه فعلا..
ـ ماذا عن نشرة اليوم؟ عن اي الانجازات سنتحدث؟
هرش رأسه مرة أخرى و قال :
ـ عن التشغيل مثلا، كم عاطلا عن العمل تم تشغيله الى اليوم؟
نظر الجميع بعضهم إلى بعض في حيرة باحثين عن جواب..
ـ حسن ماذا عن المشاريع المنجزة؟ هناك مشاريع حتما..
صمت مطبق قطعه صوت ضعيف :
ـ المصفاة قيل إنها ستجهز قريبا..
ـ هممم، و ماذا عن القتلة؟ ألم تصدر أحكام بعد؟
ـ صدرت في حق بعض المخربين الذين حرقوا مراكز الشرطة..
ـ ليس سيئا، لنبحث أكثر، ماذا عن جرحى الثورة؟ ما رأيكم لو قمنا بتقرير عن الذين ارسلوا للعلاج في قطر؟
ـ جيد جدا، سيتعاون القطريون معا، و نعد تقريرا باحترافية الجزيرة!
ـ هذا ما نريده فعلا. اهتم بالأمر، و لا تنس أن تطلب منهم أن يشكروا الحكومة، لا تسمح لهم بذكر الجبالي، لا نريد الشخصنة أرجوكم، نريد كلمة الحق فحسب!
و أطرق قليلا و قال : ربما علينا البحث عن احد الجرحى الذين لم يتلقو علاجا بعد، هذا سيجعل الأمر اكثر توازنا.
ـ لا بأس عددهم يفوق الثلاث مائة، لذلك لن يمثل العثور على أحدهم مشكلة كبيرة..
ـ ماذا فعلت الحكومة أيضا؟ رموز الفساد؟ هل حوكم أحدهم؟ 

ـ كلا
ـ رجال الاعمال المتورطين؟
ـ كلا
ـ ماذا عن القناصة؟
ـ لا خبر

ـ الاموال المنهوبة؟
ـ يقولون إن الابحاث سرية
ـ عمّ سنتحدث اذا؟ لا نريد الاكتفاء بالمشاكل!
ـ يمكن متابعة النشاط الرئاسي، لا أسرار هناك!
ـ فكرة جيدة، النشاط الرئاسي هو دوما تبدأ به نشرات الأخبار عادة!
ـ اذا، النشاط الرئاسي، ثم بعض مشاكل النقل او السكن، اشياء لا نضغط بها على الحكومة، و انما من باب التذكير بأن النقائص موجودة، ثم ذلك التقرير عن جرحى قطر، بعض المشاكل بخصوص ارتفاع الاسعار و نختم بنشرة رياضية و ثقافية.. لماذا الاطالة و النيل من ضغط دم المواطن؟؟!

ـ و ماذا عن شارة البداية؟ لقد سئمت تلك الشارة النوفمبرية!
فضحك و التمعت عيناه و هو يدندن في حماس موسيقى Requiem for a dream الشهيرة!


------------------------------------------------
3
(بصراحة لا يختلف كثيرا عن الفصل السابق في ثقله، و ان لم تملك الفضول لمتابعة ما حصل، فمرّ مباشرة للفصل الاخير..)
------------------------------------------------
برامج يوم الثلاثاء ..
ـ قرآن كريم بصوت الشيخ سعود الشريم

ـ أدعية الصباح
ـ برامج معادة
ـ صباح الخير يا تونس (بعض الاغاني، طبخ، حظك اليوم، قراءة الصحف، قراءة صفحات الثورة، صور متحركة)
ـ مسلسل تاريخيّ : سقوط الأندلس
ـ تونس منتصف النهار (اخبار)

ـ نشرة جوية
ـ اعادة برامج
ـ الشريعة و الحياة
ـ مسلسل مصري : الحاج متولي
ـ النشرة الجهوية
ـ صور متحركة
ـ برنامج سياسي
ـ أخبار الثامنة
ـ النشرة الجوية
ـ برنامج حوار في العمق مسلسل باب الحارة
ـ برنامج حوار في العمق
ـ برنامج دنيا الثقافة 
ـ اعادة برامج
ـ قرآن كريم و ختم الارسال



تأمل البرنامج و امتلأت نفسه فخرا بما أنجز! لقد صارت القناة ثورية فعلا! التحول واضح و كبير بمجرد تأمل البرنامج، لقد صارت القناة ملكا للثورة أخيرا، و غدا سيسمع المواطن ما يحب، و سيرضى حتما عن المال الذي يدفعه لها، و لتذهب صحافتهم للجحيم!
و لكن الثورة لم تنته أيضا يا اعداء البلاد! فهناك ميادين لم تتطهر بعد، و القضاء حتما ساحة المعركة القادمة! ليفتح الفايسبوك و ينتظر الاشارة فحسب.. لينتظر الاشارة...


------------------------------------------------
4
(بالله عليك، ملول و فاقد للتركيز و الفضول، كيف تريد أن تقرأ شيئا؟ ماذا تفعل في هذه المدونة؟!)
------------------------------------------------

Saturday, March 24, 2012

في الخلافة...

يقول التقويم الميلادي، أن اليوم يوافق الذكرى الثالثة بعد المائتين و ألف (1203 لمن ترعبهم طريقة القول السالفة) لوفاة هارون الرشيد خامس الخلفاء العباسيين، و خليفة العصر الذهبي للدولة الإسلامية. و هو أمر لا يمكن أن يمر دون تفكّر فيه و نحن نشهد ما نشهد من أفكار بعضها ألفناه و بعضه قد لا يمكن أن نستسيغ مسمعه قط.

و الحق أن مجالستي لبعض النقليين (السلفية لو شئتم التسمية) يوم الاستقلال، و استماعي إليهم، ما دفعني إلى التفكر في أمر هارون الرشيد. كانت بداية جدالي مع أحدهم، أنه راح يتحدث عن هارون الرشيد خليفة المسلمين، البطل العظيم الذي يغزو سنة و يحج سنة، التقوى و الفروسية، كل ما يتمنى أن يكونه شاب مثل محاوري. و طبعا لم يفته أن يحدثني عن احدى الحكايا التي أخذ بعضها عن الطبري فجمّلت و حيكت كما فعل الناس من قبله في ألف ليلة و ليلة.. فأخبرني بأمر الرسالة الشهيرة التي أرسلها هارون إلى نقفور (Nicepor) ملك الروم (بيزنطة) يجيب فيها تهديداته بقوله :"من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام". و ختمها طبعا بقوله إن هارون الرشيد غزا روما حينئذ!

و بعيدا عن الفوضى التاريخية التي كانت تعتمل في ذهنه، فقد كان على يقين أن هارون الرشيد ما بلغ من المجد إلا لقوته السياسية و العسكرية، و أن الدولة الاسلامية حينئذ بلغت مداها و أوج وحدتها. و أن ذلك سبب العصر الذهبي. و هذا التفكير بنظري يلخص تقريبا الحلم السلفيّ الذي لن يتحقق بنظرهم إلى بإعادة تحقيق المسببات (خليفة، دولة اسلامية، غزو، شريعة الخ) في محاولة لتطبيق القاعدة الفيزيائية الشهيرة.

لا أحب أن أناقش هذا الفكر المرتكز أساسا على الأراجيف التاريخية التي تكتب على المنتديات الشعبية، و صفحات الشبكات الاجتماعية المضحكة، و لكن أعتقد أن من المهم العودة إلى هذا الخليفة الذي قد يعتبر الاشهر بين كل الخلفاء، و قد تجد من لا يعرف أن عليّا كرم الله وجهه كان خليفة للمسلمين، لكن الخلافة اقترنت بهارون كما لم يفعل رجل مثله. فما الذي فعله و لم يفعله غيره؟
فقط للتذكير فالدولة البيزنطية تعتبر الجزء الشرقي من الامبراطورية الرومانية القديمة، و توجد أساسا في تركيا و ما جاورها، بينما وجدت في أوروبا الغربية ممالك أخرى أهمها مملكة الفرنجة و صاحبها شارلمان. و الدولة البيزنطية كان يائسة تحاول الصمود في وجه المد الاسلامي،و الحق أنها منعت القسطنطينية عن المسلمين مئات السنين، قبل أن يدخلها محمد الفاتح العثماني. أما روما فكانت تتبع البابا و الامبراطورية الرومانية الغربية، التي أصبحت فيما بعد الامبراطورية الرومانية المقدسة، و يروى أن علاقة شارلمان بهارون الرشيد كانت ودية جدا !

اذا غزوات هارون الرشيد كانت تقتصر على الدولة البيزنطية المحاذية له، و هي غزوات مظفرة لكنها لم تبلغ أبدا منال المسلمين الأول : القسطنطينية. و لا يمكن بأية حال من الأحوال ان نصنف هارون مع الخلفاء الذين نشروا الإسلام كعثمان بن عفان و عمر بن الخطاب، و محمد الفاتح، و غيرهم من الفاتحين الكبار.كما أن الجبهة الداخلية لم تكن بذلك الاستقرار الذي نخاله، فهارون الرشيد لم يكن يوما سيد الأندلس، التي ظلت أموية في زمن الحكم العباسي بفضل عبد الرحمان الداخل. و في المغرب أقام الأدارسة مملكتهم المستقلة، و عمت الاضطرابات في افريقية و مصر بسبب هرثمة بن الاعين، فخير هارون الرشيد مساعدة إبراهيم بن الأغلب على اقامة دولة الأغالبة (المستقلة بالقرار) بالقيروان فيستتب الأمر و ترسل له الجزية. و في اليمن كان عليه أن يواجه ثورات لا تنتهي، بينما لم تتخلص دمشق من ولائها التام للأمويين، دون أن ننسى آلاف الأخبار التي تحدثنا عن مطارداته المستمرة للشيعة، و دعاتها..
ما الذي جعل من عصر هارون عصرا ذهبيا اذا؟ ألأن الناس عرفت معه رغد العيش؟ لا نخال ذلك صحيحا فالاخبار تحدثنا عن مجتمع طبقي جدا فيه العبيد و الحرفيون الصغار و التجار و العلماء و العسكر و الساسة الخ.. و أبو العتاهية يحدثنا في قصيد شهير قاله للخليفة المهدي شقيق هارون الرشيد عن احوال الرعيةفي ذلك العهد فلم يذكر فيها ما يسر و ما يمدح. فلم يضرب المثل بعصر الرشيد و لا يعرف أحد شيئا عن عصر عمر بن عبد العزيز الذي لم يترك جائعا الا وفاه حاجته؟

لكن مهلا، من هو ابو العتاهية؟ و ما دخله بخلافة الرشيد؟ انه احد كبار شعراء عصره و احد اغزر الشعراء العرب، و ان كان فارسي الاصل. اما علاقته بالرشيد، فهي علاقة الفرزدق بعبد الملك بن مروان مثلا. ابو العتاهية علامة مضيئة في الادب العربي اشعت زمن الرشيد. و لئن كان ابو العتاهية شاعرا "جادا" فإن زمن الرشيد عرف ايضا سيد الخمريات و احد عباقرة الشعر اطلاقا و نعني هنا أبا نواس. و تواجد كلي الرجلين جعل من الصعب تصنيف هارون الرشيد في خانة الخلفاء الجادين الزاهدين او العابثين المبذرين.
لقد شهد زمن هارون اكثر من هذين الشاعرين. فبيت الحكمة البغذادي الشهير تاسس على يديه. و ايضا سطوع نجم ابراهيم الموصلي العازف العظيم.

كما ان هارون من اكثر الخلفاء الذين تحدثت عنهم كتب الاخبار. احاديث متناقضة حتما تذهب من قمة المجون الى الورع الشديد. و تبقى اهمها حكايات الف ليلة و ليلة التي استهلكت الخليفة دون غيره حى الثمالة.
ان هذه الاعمال الفنية هي بالفعل من صنع هارون الرشيد. و ان ما فعله الرجل هو حركة الترجمة الضخمة التي واصلها ابنه المامون في بيت الحكمة. فانتقلت معارف الفرس و الروم و الاغريق و الهنود الى بوتقة واحدة اسمها الحضارة العربية الاسلامية. لقد قام هارون الرشيد بما هو اعظم من الفتح و السبي فصارت بغداد عاصمة العالم و قبلة طالب العلم و الحكمة. و حلم الفنان و الشاعر.

اليوم من يريد لمجد هارون الرشيد أن يعود، يجب ان يعلم جيدا ان هذا المجد لا يستقيم بحد السيف. بل بحرية الفن في التخبط بين ابي نواس و ابي العتاهية.
صورة لهارون الرشيد مع شارلمان ملك الفرنجة

Translate