Tuesday, July 13, 2021

البطلُ ضدّ خالقه

وهكذا فإنّ فِِلمَ تينيت ليس بهذا السّوء الّذي يريد أن يقنعنا بهِ المنكوبون في كبريائهم والعاجزون عن المشاهدات المتعدّدة. إذ أراه ساحة صراعٍ طريفةٍ يواجهُ فيها البطلُ كاتبَهُ. هل تحرِّرُ الدّراما أبطالَها من أقلامِ كاتبيها، فيمرقون على ما كان مخطّطا مسبقا، أم يظلّون بيادق بين أصابع الخالق، يقدّر لها الأدوار كيفما يشاء، ويُخضعها لحتميّته الخاصّةِ؟
 
يَفترِضُ البدءُ بهذا السؤالِ، أن أعود بأفكاري إلى الوراءِ تسلسلاً مقلوبا حتّى أنتهيَ بالبداياتِ، أُسوةً بأحداثِ الفلمِ وبساحةِ الصّراعِ الّتي وضعَها نولَنْ لبطلِه ها هنا. لكنّني أشفق على نفسي من مشقّةِ كذا كتابةٍ، وعلى القارئِ من تكبّد عناء قراءتها. فلنعد للبداياتِ.
 
تينيت Tenet، هو آخر أفلام البريطانيِّ كريستُفر نولَنْ، وهو طريقتُه الكلاسيكيّةُ في استقبالِ العقدِ الجديدِ. فقد سبق أن استقبل العقد الأوّل من الألفيّة بفلمِ Memento. وبعد عشر سنين، ملأَ الدنيا وشغل النّاس بفلمِ Inception. تينيت إذا، ليس أوّل فلمٍ-أحجيةٍ ينجزُه ولكنّه بلا شكّ أعقدُها. ورأيي أنّه يحتلّ مرتبة متقدّمة في قائمةِ أعقد قصص الأفلام على الإطلاق. وليس يزيدُ ذلك من قيمتِه أو ينقصُ. فلا هو راجعٌ إلى ضُعفٍ في الكتابةِ أو الشّرحِ، ولا هو علامةٌ على ثراءِ الصّورة أو عُمقِ معانيها. إنّه تجربةٌ أسلوبيّةٌ في ذاتِها يمكن أن تنجح أو أن تفشل انطلاقا من الأدواتِ السينمائيّة الّتي ترافِقُها.
 
لا أفضّل الأفلام الّتي ترتهنُها قصصُها، فلا تقومُ إلاّ على الإخبارِ بأحداثِها. إنّها أفلامٌ لا تُشاهدُ وإنّما يُستمعُ إليها أو تُقرأ. وليس غريبا أن يكون أغلبها تراجمَ سينمائيّةً لرواياتٍ معروفةٍ، وأن توصمَ بتلك العبارةِ الشّهيرةِ: الكتاب خير من الفلمِ. يأخذ الحدثُ القصصيُّ فيها وأداءُ الممثّلين جوهرَ المشهدِ وتتراجعُ عناصرُ الصّورةِ وسيميائيّتُها إلى خلفيّةٍ باهتةٍ تُسهّل التغافلَ عنها. هنا حين يأكلُ أحدُهم فهو فقط ينقل إليك خبرَ الأكلِ. أمّا حين تعود السينما إلى جوهرِها كوسيط بصريٍّ، ينقلُ الأكلُ حالةَ الآكلِ النفسيّةَ (مشهد الأكل في فلمِ قصّة شبح A ghost story)، أو غرائزه الجنسية (مشهد المطبخ في فلم تسعة أسابيع ونصف

9½ Weeks)، أو طبيعة العلاقة العموديّة بين شخصيْن (مشهد البرغر في Pulp Fiction)...


والأكلُ في تينيت، ساحةُ حربٍ وخديعةٍ. حين جلست كاثرين بارتُن إلى مائدةِ الفطور، كانت تظنُّ أنّها قد نجحت في خداعِ زوجها، أندري ساتور تاجر الأسلحة الّذي تظنُّ، لكنُّه فاجأها بطبقِ طعامٍ خاصٍّ أعلن لها به كشفَه لخطَطِها.
 
قبل ذلك، اِحتاجَ البطلُ إلى الجلوس إلى ثلاثِ موائد عشاءٍ مختلفةٍ ليتمكّن من جمعِ المعلومات اللازمةِ والتّوصّلِ إلى استدراجِ أندري ساتور إلى ما كان يظنُّ أنّها خطَّتُه: مائدةُ السِّير كروسبي في بريطانيا، ثمّ مائدةُ كاثرين بارتُن وأخيرا العشاءُ في يختِ زوجِها. وبينما كان البطلُ يرتقي الدّرجاتِ إلى عدوِّه، مرَّ كلُّ شيءٍ بخفّةٍ وسرعةٍ مريبتيْن، كأنّما كان يُستدرجُ إلى الفخّ الّذي يُعدُّه. يتحوّلُ الأكلُ في تينيت إلى طُعمٍ، ويأخذُ التشبيهُ معناه أكثر من أيّ وقتٍ مضى على حافَّةِ اليختِ في المرحلةِ الأخيرةِ. فهل سيقع البطلُ فريسةَ الخديعةِ؟ تجيبُنا مشاهدُ الأكلِ البسيطةُ بحقيقةِ أنّه لم يأكل في أيٍّ منها!
 
ليس هذا إلاّ مثالا بسيطا. والأهمُّ أنّ تينيت، على تمحوُرِه حول الحدثِ القصصيِّ على عادةِ أفلامِ نولَنْ، لا يغفلُ قطُّ عن حقيقةِ أنّ السينما وسيط بصريٌّ قبل أيّ شيءٍ. فاستعمل مثلا تركيبة بصريّة من الأزرق والأحمر، لفكّ شفرةِ المشاهدِ المعقّدة. وأجرى ذلك على ألبسة شخصيّاتِه كفستان كاثرن الأحمرِ. وفي مشهد القطارِ، كان صريرُ السّكك الحديديّةِ يصفُ ببلاغةٍ ما كان يحدثُ داخل فمِ البطلِ المعذَّبِ. وكان اتّجاهُ حركةِ القطاريْنِ يُنبئُ بمحوريّةِ تلكَ اللحظةِ بين اتَجاهيْ الزمن المتقابليْنِ…

لا يهتمُّ الفلمُ بمناقشةِ فكرةِ السّيرِ عكس اتّجاهِ الزّمنِ، وإنّما بعرضِ التجربةِ فعليّا، بحيث يمكنُ للمشاهدِ أن يخوض غمارَها، أو على الأقلِّ أن يشعُرَ بتأثيراتِها: حياةٌ تسيرُ بشكلٍ عكسيٍّ من حولِك، ونهاياتٌ تعترِضُك لبداياتٍ لم تأتِ بعدُ، ودعوةٌ للتفكيرِ خارجَ منطقِ السّببيّةِ الطبيعيِّ. يرى بعض النّقّادِ أنّ تجربةَ السيرورةِ الزمنية المعكوسة ليس مثيرا بما يكفي ولا عميقا بما يشفي، ولا يستحقّ استثمارا فنيّا بهذا الحجم. مشكلةُ هؤلاءِ أنّهم يُقصرون التّجربةَ على تلك الفصولِ الفُرجَويَّةِ الّتي يتحرّك فيها بعضهم بشكلٍ معكوسٍ. لكنّ التجربةَ الّتي أرادَها نولَن أرحبُ وأثرى. فحين يضعُ مشاهِدَه على مسارِ رحلةِ البطلِ، يفرِضُ عليهِ أن يفكّر طبقا لقوانين اللعبة الجديدةِ، وبالتّالي يجعلُه يعيش تجربةً افتراضيّةً مكتملةَ الأركانِ.

ولئن كانت السينما عند نولَن تجربةً بالأساسِ، فإنّها لا تقصُر عن أبعادٍ فكريّة تتجاوزُ التّجربةَ وجماليّاتِها، لتتساءل عن السّينما نفسِها كآلةٍ لتشذيب الزّمنِ وإعادةِ تحديد ماهيّتِه. لعلّكم تذكرون مشهدَ التقاطِ الرّصاصةِ المعكوسةِ من على الطّاولةِ، وكيف أنّ عميلةَ المخابراتِ الشّقراءِ عرضت عليهِ تسجيلَ فيديو لعملية الالتقاطِ، فعكست سيرَ الفيديو فأصبحَ عمليّةَ إسقاطٍ. ألا تروْن في قلب المفاهيمِ هذا آفاقا مثيرةً وخطيرةً؟ ألا يخبّرُ عن سعةَ قُدُراتِ السينما، وأدواتِها؟ ثمَّ، ماهي طبيعةُ القَلبِ Inversion؟ هل هي تقويضٌ للحقيقةِ أم إنّها إثراءٌ لها؟ وبعبارةٍ أخرى، ألا تسمحُ لنا السّينما من خلالِ ما يبدو أنّهُ تقويضٌ للطبيعةِ، بالتّركيب، والخِدع، والتلاعب بخطّ السّردِ، بفهمٍ أدقَّ لهذه الطبيعةِ؟ ألا تسمحُ بتجاوزِ حدودِ حواسِّنا القَاصرةِ وطرقِ تفكيرِنا الاعتياديّةِ والبسيطةِ؟ ألا تسمحُ كضربٍ من الفنّ بتجلٍّ أدقَّ للحقيقةِ؟

هو ذاك التساؤل الّذي يعاودُنا كلّما شعرنا إزاء عملٍ فنيّ بلحظة كشفٍ. لكنّ التساؤلاتِ تستمرُّ مع تينيت، وتحديدا مع عنصره المحوريِّ، أي قصّته. أفلا تُرانا أمام أكثر من قصّةِ صراعٍ بين بطلٍ أمريكيٍّ ومجرمٍ روسيٍّ لإنقاذِ العالمِ؟

للتّذكيرِ، فنولنْ يعملُ هنا على صنفٍ genre سينمائيٍّ واضحِ المعالمِ، هو الخيال الجاسوسيِّ Spy-fi، وهو مزج بين الخيال العلميّ والجاسوسيّة. ولا شكّ أنّ سلسلة جيمس بوند هي أشهرُ أمثلةِ هذا الصنف: خطّةٌ لتصفية العالم أو السيطرة عليه، وبطلٌ ذكيّ، وشرير عدميّ، وتقنية متطوّرة، ومشاهدُ حركةٍ فرجوية بالجملة أبرزُها المطاردة المألوفة بالسيارات… لم يَغفل نولَن عن أهمّ عناصرِ الصّنف، مع إضافةٍ معتبرةٍ في جانب الخيال العلميّ الّذي يُهمَل عادةً ويُتركُ سخيفا. إنّني أجدُ في ذلك إجراءً تعديليّا مهمّا يُعيدُ هذا الصّنف الفرعيَّ إلى حظيرة الخيال العلميِّ.

ولا يكتفي نولَن بإعادةِ إخراج الخيال الجاسوسيِّ في ثوبٍ جديدٍ، بل يحاول أن يُخرجَه من خطابِه المألوفِ: خطاب الحربِ الباردةِ سياسيّا، وخطابِ الخوفِ الذّكوريِّ من امرأةِ ما بعدَ الحربِ العالميةِ. ففي تينيت، يُطلُّ الشريرُ الروسيُّ من نافذةٍ رأسماليّةٍ محضة: أعمال، يخوت، فنّ تشكيليّ، العملُ بشكلٍ فرديٍّ، النزعة العدمية الخ. في حين يعملُ البطلُ في إطارٍ جماعيٍّ يكادُ يكونُ أفقيّ العلائقِ.

كما غيّرت شخصيّةُ كاثرِن بارتُن من وجهِ المرأةِ في أفلام الجاسوسيّةِ. فلم نعد إزاءَ تلك الفاتنة الغامضةِ المخادِعةِ الّتي تستدرجُ البطلَ إلى الفخّ القاتلِ. ولم نعد إزاء ذلك الجسد الّذي لا يكاد البطلُ يظفر منه ببعض الوصلِ حتّى تتمَّ تصفيتُه/معاقبته بقسوةٍ. على العكس، كانت كاثرن مفتاح الوصولِ إلى العدوِّ، وكانت قد سُلبت حرّيّتها واستقلاليّتها ولم يبق منها إلا عنصرُ الأمومةِ الّذي كان مهدّدا. كانت كاثرن تحلمُ بنموذجِ المرأةِ في الأفلام الجاسوسيّةِ. ولم تدرِ أنّها ستحقّقه في النهاية. سار تينيت بالتّالي عكس أفلام الجاسوسيّة الّتي تعاقب المرأة على انفلاتِها من الطوع وتخلّص المشاهد الرّجلَ من شعور التّهديد. فانتصر للمرأةِ المستقلّةِ وانتصرَ لبطلٍ جديدٍ لا يقع تحت طائل فتنتها.

لا أحد يعرف اسم هذا البطلِ، ولا تاريخَه ولا مأساتِه الشخصيّةِ. يعرّف على أنّه البطلُ القصصيُّ Protagonist بإلحاح يدعو إلى الانتباه، ولا يملك أيّ مسارٍ دراميٍّ داخل الفلمِ كما هو بادٍ. وقد وجد النقاد في هذا التوجّه عيبا كبيرا. بل لم يجدوا من عيب حقيقيٍّ للفلمِ غير هذا. مشكلةُ أفلام نولَن أنّها تصنع مسافة بين المشاهدِ والشخصيات، بحيث لا نتعاطفُ معها. هكذا يقولون، كأنّهم لم يروا علاقة مرفي بأبيها في "بين النجوم" Interstellar، أو شخصية جوكر في فارس الظلام The Dark Knight، أو محنة دوم كوب في فلم استهلال Inception… إنّ الرّبط بين تأطير الشخصية وتعريفها وبين القدرة على التعاطف معها أو تقبّل مسارها الدّراميِّ هو أشبه بالرّبط بين صلصة الطماطم وعجين السپاغيتي Spaghetti، أي قائم على وهم التعوّدِ ليس إلا، ولنا في أفلام سرجيو ليوني العظيمةِ، وشخصيّةِ كلينت استوود Clint Eastwood الغامضة فيها خيرُ مثالٍ.

لقد كان من المهمّ تجريدُ البطلِ من كلِّ تخصيصٍ، والاكتفاء بتعريفِه بهذه الصّفةِ، لأنّنا إزاءَ صراعٍ يتجاوز لعبةَ الجاسوسيّةِ إلى لعبة الكتابة ذاتِها، حيث يقف البطلُ القصصيُّ في مواجهةٍ غير مألوفةٍ ضدَّ كاتبِه. يحاول أن يكون كلاسيكيّا قدر الإمكانِ: مخلصا ومتفانيا ومؤثِرًا وعامرا بتلك القيمِ الإنسانيّةِ المُثلى الّتي لا يكتسبُها المرءُ الطبيعيُّ بقدرما يكتسبُها الأبطالُ. لكنَّه يجدُ نفسَه في أرضٍ قصصيّةٍ متحرّكة كدوّامةِ رملٍ مخيفةٍ لا تُفهم قواعدها. يعابثه كاتبُه، فينقلُه من شخصية إلى أخرى، ويزوّدُه في كلّ محطّةٍ بالمعلومات الكافية للانتقال إلى المحطّةِ الأخرى: رجل المخابرات الأمريكيّ، سائق السيارة في الميناء، عاملةُ المخبرِ، نيل، تاجرةُ السلاح الهنديّةُ، السير كروسبي العميل البريطانيُّ، كاثرن بارتُن خبيرة الفنونِ، زوجُها الروسيّ أندري ساتور… في كلِّ مرّة، يعدّل البطلُ من منظورِه للعبةِ، ويحاولُ أن يبدأ بالتّحرّك وفقا للقواعدِ الجديدةِ، لكنّه يفاجَأ بتغييرِها. وفي كلِّ مرّةٍ يظنُّ نفسَه قد أحكمَ الخطّةَ، يجدُ أن خطّته مفضوحةٌ أو أخطأتِ الهدفَ. أحيانا بشكلٍ سخيفٍ كما حدث مع پريــا تاجرة السلاح الهنديّة الّتي هاجم البطلُ زوجها ظنّا أنّه هو المسؤولُ عن نشاطاتِها. نلمسُ في كلّ مرّة عبثا من الكاتبِ ببطلِه لأنّ الخديعةَ لا تغيّر شيئا من مسار الأحداثِ، ولا تمنحُ البطلَ إلاّ إحساسا مهينا بأنّه لا يسيطرُ على شيءٍ. هكذا، فقد أعصابه مع إصابةِ كاثرِن القاتلةِ. إنّها الفتاة الجميلةُ الّتي عليه أن يضمنَ سلامتَها كأيِّ بطلٍ قصصيٍّ محترمٍ، ولكنّ المفاهيمَ تتجاوزُه مرّة أخرى، فهاجم نيل، لأنّه كان يشعر أنّه يعرفُ أكثر ممّا يقولُ. والحقيقةُ أنّ نيل، يبدو أقرب إلى التجلّي القصصيِّ لكاتبِه. ينزل من علياءِ قلمِه كيسوعٍ داخلَ روايتِه ويتقمّص أحد شخصيّاتِه. ربما ليساعد بطلَه وربّما ليزيد من معابثتِه، وربّما ليعلن له في النّهايةِ انتصارَه عليه: اُنظروا إليه في نهاية القتالِ وهو يأتي في لحظة اليأسِ الأخيرةِ ليضحّيَ بجسدِه الفاني (جسد نيل الّذي يتقمّصه) ويُنقذَ بطلَه وينقذَ العالمَ! أيّة نرجسيّةٍ فاضت بها قمرته؟!

في لحظةٍ ما، بدا أنّ البطلَ قد انتصرَ في صراعِه مع كاتبِه: فهم قواعدَ اللعبة المعقّدةِ، وبدأ يعدّ خططه. استطاع خداع عدوّه الرّوسيَّ، ثمّ استطاع أن يسبق پريـا ويقتلها قبل أن تغدر بحسنائه. لكنْ كما سبق وأن ذكرتُ، فهو لم يتمكّن تماما من التخلّص من براثن كاتبِه. ورغم تصريح نيل في النهاية بأنّ "البطل" هو مدبّر العمليّةِ بأكملِها، فإننا نعلم أنّ الأحداث تجاوزته في النهاية وأنّ كلمة الفصل كانت له (أي نيل/الكاتب).

ربّما تعج أدبيات ما بعد الحداثةِ بهذا النّوعِ من الصّراعاتِ. لكنّ نولَن منحه الكثير من الطرافةِ والذّاتيةِ. تينيت هو سؤال الكتابة عن ذاتِها، وهو سؤال السّينما الكلاسيكيّةِ عن مستقبلِها في عالمٍ لم يعد يرضى بأكثر من ساعتين من العرضِ. لقد أرسى نولن نسقا مجنونا للفلمِ حتى يوضع في إطار الساعتين ونصف، والحقيقةُ أنّه كان يمكن أن يبلغ الساعات الثلاثِ دون أن يكون النسق مملاّ للمشاهدِ العاديِّ. وقد كان سيتخلّص حينئذ من حنقِ أولئك الّذين أصيبوا في كبريائهم من تعقيد الفلم وعدم تقبّلهم لحاجتهم إلى مشاهداتٍ أخرى لفهم دقائقِ القصّةِ وتفاصيلها.

وعلى أية حال، فتينيت ليس أفضل أفلامِ نولن وليس أسوأها أيضا. إنّه تجربةٌ فريدةٌ تنتمي إلى زمنٍ قد نتحسّر عليه قريبا.
 

 

Monday, May 24, 2021

نازلة دار الأكابر: شهادة في ميلاد امرأة الحدّاد

مازالت الرّواية التّاريخيّة مصدرا للجدالِ وعرضةً لسوء الفهمِ في الأدبِ العربيِّ. إذ مازال الكثيرون يعتبرونها امتدادا طبيعيّا لكتبِ التّاريخ والسيرة، لما كان لهذه الكتبِ من استنادٍ إلى الأسلوب القصصيِّ الّذي لم يقطع معهُ تماما. ها نحن نقرأ لأولئكَ الّذين يدّعون كتابةَ التّاريخ للعامّةِ ـ مثل راغب السارجاني ـ أو الّذين يقرأُ العامّة لهم كأنّهم مؤرّخون ـ مثل طارق السويدان ـ فإذا تاريخهم قصصٌ محكيّةٌ فيها ما فيها من ألوان الدّراما والأبطال. وإذا القصّةُ والتّاريخُ جسمٌ وروحٌ لذاتٍ واحدةٍ. فليس غريبا إذا أن تُعاملَ الرّوايةُ الأدبيّةُ التّاريخيّةُ من بابِ دقّتها التاريخيّةِ، وأن يتساءل القرّاءُ أوّل ما يتساءلون: هل حدثت وقائعُ نازلةِ دار الأكابر بالفعل؟

ولئن كانت الإجابةُ عن هذا السؤالِ لا تعنينا في شيءٍ، فإنّ ذلك لا يجعلُ الرّوايةَ التّاريخيّةَ في حِلٍّ من الدّقّةِ التّاريخيّةِ. فكما أنّها ليست دراسةً علميّةً تجعلُ من الحقيقةِ التّاريخيّةِ أو تحليلِ الوقائع التاريخيّةِ مبحثها، فليست أيضا فانتازيا تاريخيّةً تستعملُ السّياقَ التّاريخيَّ مَطيَّةً استيطيقيّةً لقَصصٍ متعالٍ عن كلِّ عاملٍ زمنيٍّ.

 توجدُ الرّوايةُ التاريخيّةُ في منطقةٍ وُسطى بين هذين. فهي إذ تُلقي بالأحداثِ في لجَّةِ بيئة زمنيّةٍ معلومةٍ، مُطالبَةٌ باحترامِ هذه البيئةِ وتفاصيلِها وعناصرِها. وفي الآن ذاتِه، تُطالبُها طبيعتُها الرّوائيّةُ بعدمِ التّوقّفِ عند الحقيقةِ المعلومةِ، والاندفاعِ نحو تلك الأركان المُظلمةِ الّتي تغافلت عنها الوثائقُ، أو عجز المؤرّخ عن تسجيلِها لطبيعتِها المتعاليةِ عن القياسِ: فلئن أكّد لنا التّاريخُ حقيقةَ وجودِ الطّاهر الحدّادِ، وحقيقةَ محنتِه، فهو لم يحدّثنا عن مشاعِره تجاه ما حدث معه حديثا مستفيضا، ولم يحدّثنا عمّا اعتملَ في صدره، وعمّا دفعه للكتابةِ الخ.

في مثل هذا المجالِ، يمكنُ أن يجدَ الرّوائيُّ قوتَه. ويمكن أن يمنحَ السّرديّةَ التّاريخيّةَ الحياةَ بخيالهِ، ورُبَّ خيالٍ ينسجُ لبَّ الحقيقةِ.

إنّ روايةَ نازلة دار الأكابر تاريخيّةٌ بامتيازٍ، لا تكادُ تمنحُ القارئَ المتفحّص ثغرةً تاريخيّةً واحدةً، لا في التّواريخِ (فحين تحدّثك عن حكومة الهادي الأخوة، فأنت حتما في زمن سردٍ يقابل زمن نشاط تلك الحكومة)، ولا في الأعلام، ولا في الأحداثِ السّياسيّةِ، ولا في المواقفِ، ولا في تفاصيل الحياةِ اليوميّةِ. لكنّها في المقابلِ، تصولُ بجرأةٍ وحرّيّةٍ وسط كلِّ هذا لتنسجَ أحداثا دراميّةً كثيفةً خياليّةً، كأنّها ضربٌ من "الواقعِ المُعزَّزِ" Augmented Reality.

تبنِي أميرة غنيم نازلتَها على وتديْنِ تاريخيَّين، حفل صدورِ كتاب امرأتُنا في الشريعة والمجتمع في الكازينو البلدي بحديقة البلفدير سنة 1930، ثمَّ وفاةُ صاحب الكتابِ في السابع من ديسمبر سنة 1935. فتعزّزُهما بوتديْن دراميَّين متخيّليْن يرافقُ كلُّ واحدٍ منهما وتدًا تاريخيّا في الزّمن. فالأوّلُ زواجُ زبيدة بنتُ آلِ الرّصّاعِ بمحسنِ بن آل النّيفر. والثّاني هو النّازلةُ الّتي حدثت في دار "الأكابر" إثر وفاة الحدّاد. وهي مرافقةٌ لها دلالاتُها بدون شكٍّ. فقد قابلت زبيدةُ قرارَ أبيها المتعلّم "الحداثيِّ" بتزويجِها من رجلٍ لا تعرفُه، بصمتِ المغدورِ. إنّه ذاتُ الغدر الّذي تعرّضت لهُ "امرأة الحدّادِ" في حادثةِ الكازينو من قبل رجال الحزب الدستوريِّ ومثقّفي البلادِ المضطلعين بمهمّة تنوير التّونسيّين وقيادتِهم في حربِ التّحرير والاستقلالِ. ومع موتِ الحدّادِ منفيّا ومعزولا ومكفَّرًا، قُضيَ على "امرأتِه" أن تُوصَمَ وتُشلَّ وتُعزَلَ هي الأخرى، وتتعرَّض لذات المظلمةِ من ذات الطبقةِ تقريبا.

هكذا، فقد سارتْ روايةُ نازلة دار الأكابر في توازٍ خفيٍّ مع علاقةِ الطّاهر الحدّاد المحتدَّةِ مع النُّخبة التّونسيّةِ. إذ تمَّ تمثيلُها عبر عائلتَيْنِ بَلْدِيَّتَيْن متبايِنَتيْنِ بل مُتكامِلتَيْنِ. فأمّا عائلةُ آل النّيفر فتمثّلُ الأرستقراطيّةَ الدِّينيَّةَ المحافظةَ (قاضي الإسلام عثمان النِّيفر)، وأمّا عائلةُ آل الرّصّاع فتمثّلُ أرستقراطيّةَ المخزن أو رجال الدولةِ البَيْلَكِيَّةِ (الموظَّف الكبيرُ عليّ الرّصّاع وصهره الوزير الأكبر محمد الطيب الجلولي) ونسبت إليها قِيم الحداثَة والانفتاح بما أنّ أغلب المصلحين الّذين دفعوا إلى ذلك قبيل الاحتلالِ كانوا من هذه الفئة (الجنرال حسين، خير الدين، الخ).

لم تكن أميرة غنيم إذا تبحث من خلالِ العائلتَيْن عن الاكتفاءِ بنقل تفاصيلِ الحياةِ الارستقراطيّة البَلْدِيَّةِ، وإنّما سعت إلى تفكيكِ بِنيَتِها الاجتماعيّةِ والثقافيّةِ. كان من المُدهشِ أن تكشف الكاتبةُ عن تقاربِ هذيْن الشقّيْن رغم تنافُرِهما الظَّاهر. فهاهو عليّ الرّصّاع على ما كان يُبديه من تحرّر واندفاع نحو قِيمِ الحداثةِ والعقلانيّةِ، لم يكن قادرا على التَّملُّصِ من عنصريّتِه الاجتماعيّةِ، وهاهو في عدائِه الجِهويّ والاجتماعيِّ يُنشدُ السّندَ والحلَّ عند من يبدو نقيضَه، عثمان النّيفر المحافظ "الرّجعيَّ". وهاهي زُبيدةُ على ما تُبديه من تعلّقٍ بصفيّتِها "لويزة" ورفضٍ لمعاملتِها معاملةً دونيّةً، تعودُ في أوّل تشنّج يخرجُ بها عن طورِها لتصِمَ خدّوج الخادمة السّوداء بكلِّ ما يمكن أن تصمَ بِه امرأةٌ بَلْدِيّةٌ امرأةً سوداءَ فقيرةً.

صحيحٌ أنّنا إزاءَ رُؤيتيْنِ مختلفتيْنِ للعالمِ، رؤيةٌ كلاسيكيّةٌ محافظةٌ وأخرى حداثيّةٌ متحرّرةٌ، لكنّهما في النّهاية رؤيتان متكاملتانِ، تؤلّفان في جدليّتِهما غلافا اديولوجيّا مزركشا لطبقة اجتماعيّةٍ واحدةٍ ذهبَ الحدّادُ ضحيّتَها.

إنّ مشروعَ الطّاهر الحدّاد على ما أبداهُ عليّ الرصّاع ومحسن النّيفر من حماسٍ تجاهه، هو مشروعٌ مغايرٌ لرؤيتِهما، هو مشروعٌ أكثر اتّصالا بمحمّد عليّ الحامّي (الثوريِّ) وعبد العزيز الثعالبي (الإصلاحيِّ المحافظ) على السواءِ (وهي قراءةٌ أختلفُ فيها مع الكاتبةِ فلئن كان الطّاهر الحداد تلميذ الثعالبي، فإنّ الثاني ربّما لم يكن موقفه ليختلف كثيرا مع من خلفوه في الحزب الدستوريِّ وله مواقفُ طبقيّةٌ موثّقة).

تنتصرُ أميرة غنيم لرؤية الطاهر الحداد، رؤية التحرّر الحقيقيِّ العابر للطبقات، رابطةً بينها وبين الرؤيةِ البورڤيبيّةِ الّتي تبنّتها منذ بداية الاستقلالِ. فالخصمُ واحدٌ لكليهما: نخبة الزيتونة، ونخبة الحزب الدستوريّ القديمِ. فهل كانت الرؤيةُ البورڤيبيّةُ امتدادا حقيقيّا لمشروع الطاهر الحداد؟ وهل كان المدُّ التحريريُّ الّذي أراده الزعيمُ التّونسيُّ، عابرا للطبقات والجهاتِ؟ لا أتّفق مع المؤلّفةِ في ذلك ـ وإن لم تذكر ذلك صراحةً. وعلى كلِّ حالٍ فليس في ذلك ما يعيبُ الرّواية في فنّها.

كتبت أميرة غنيم نازلة دار الأكابر بأسلوب جديدٍ على المدوّنة التّونسيّةِ ومألوفٍ في المدوّنة العربية، فنحن نجده عند جبرا إبراهيم جبرا في رائعته "البحث عن وليد مسعود"، وفي "افراح القبّة" لنجيب محفوظ، وكثيرا ما استخدمه أحمد خالد توفيق في رواياتِه القصيرة. فتنقلُ كلَّ فصلٍ على لسانِ إحدى الشخصيات، تخاطبُ بهِ شخصيّة أخرى أو تناجي به وليّا صالحا كما في فصل فوزيّة. وعلى عكس ما تتميّز به حكاياتُ أحمد خالد توفيق مثلا من حِرفيّةٍ في انتقاء الشخصيّة صاحبةِ الخطابِ وانسجامِها مع نمطِ الخطابِ والمخاطَبِ وطبيعةِ الخطابِ، لا تكادُ كاتبتُنا التّونسيّةُ تُلقي بالا لكلِّ هذا، فكثيرا ما لا نعلمُ محمل الخطابِ هل هو مكتوب أم شفويٌّ، مسجَّلٌ أم مباشرٌ، وكيف انتقل إلى هندٍ حديثُ فوزيّة الأميّة الّتي ناجت سيدي محرز في ليلةٍ مخيفةٍ. كما لم تنشغل كثيرا بمقام الخطابِ، فاختيارُ المخاطَبِ يبدو عشوائيّا، اللهمّ إن تجاوزني منطقُ اختيارِه. وكأنّ ذلك تسبّب في فتور في انسجامِه. فهلاّ رأيتَ كيف يُسرُّ العجوزُ امحمّد النّيفر المحافظُ لابن أخيه، الشخص الوحيد الّذي يُبدي له شيئا من التّقدير، بكلِّ يسرٍ وسلاسةٍ قصصا يراها تُشينُه فدأب على إخفائها؟ وحتى إن لم يرَها كذلك، ففيها الكثيرُ من الحميميِّ الّذي يجد المتحرّرُ صعوبة في حكايتِها لابنه، فما بالكَ بالمتزمّتِ؟

على أنّ الروائيّة سعت في أسلوبِها السّرديِّ أن تحترمَ منظورَ الشخصيّةِ المخاطِبة على الأقلَّ، بل كان ذلك دافعا رئيسيّا لاختيار هذا الشّكل السرّديِّ. فنتجت عنه فسيفساءٌ سرديّة بديعةٌ متشابكةٌ ثريّةُ الألوانِ، كثيرة التفاصيلِ، متنوّعة الآراءِ، تنقلُ الحقيقةَ في اختلافِ أوجهها ونسبيّتِها. يكتب التاريخَ عادةً المنتصرون، وتستثني روايةُ نازلة دار الأكابر نفسها من القاعدةِ، فتعطي صوتا للجميع تقريبا، ابتداء بأصحاب الأصوات الضخمة من رجالٍ مثقفين (محسن، المهدي، عثمان، عليّ)، إلى بناتِ الطبقة الارستقراطية (بشيرة، جنينة، فوزية ربما) انتهاء ببناتِ الطبقة الدنيا (لويزة وخدّوج). وذهب شكري المبخوت في تقديمِه إلى أنّ التاريخ في النّازلة، تحفظه النساء. وهذا ليس صحيحا، فمن بين الناقلين الإحدى عشر للأحداث، نجدُ خمسة رجال. وإذا ما اسثنينا هندا وهي النّاقلةُ الّتي لا دخل لها في الأحداث بأيِّ شكلٍ، فسنجد مساواةً تامّة بين الجنسيْنِ. بل إنّنا لو تمعّنّا في متحوى خطابِ كلِّ شخصيّةٍ، سنكتشفُ أنّ أبرز الأحداثِ نُقلتْ عبر الشخصيات الرجاليّةِ. استثنت الكاتبةُ مهدي الرصاع وامحمّد النيفر من سرد بعض أحداث الليلةِ، وكذلك فوزية وخدّوج. نقلت لويزة إلينا بداية الحادثة، ونقلت جنينة جزءا هامّا من خصام محسن وأخيه، ولم تنقل لنا بشيرة أكثر ممّا حدث بينها وبين جنينة بكثير. في الأثناء، يصف عليّ وعثمان حادثة لقائهما في تلك الليلة، ويسرد عثمان جزءا مهمّا متعلّقا بقتال زبيدة وامحمّد النيفر. أما محسن، فنجد عنده أهم أجزاء السرديّة، فنعلم ما آلت إليه الليلةُ، ونعلم نتائجها على زبيدة، بل نعلم أيضا نصّ الرسالة الّتي فجّرت كلَّ ذلك... 

وأكثر ما يلاحظ في اختيار الشخصيّات الرّاويةِ، أنّه لم يمنح صوتًا للحدّاد نفسِه ولا لامرأتِه. وهو خيار متعمّدٌ لسببيْن، أوّلهما أنّ الصّوتيْن سيحجبان بلا شكّ بقيّة الأصواتِ في ما يخصّ الواقعة. فإذا علمها المرءُ من مصدرها، لم يعد بحاجة إلى سماعها من غيره. أما الثانية، فهي الإلحاح على الفصل بين التاريخيِّ (الطاهر الحداد شخصيّة تاريخيّة واقعية) والمتخيّل (بقية الشخصيات الفاعلة). ليس الطاهر الحداد شخصيّة رئيسيّةً في الرواية، ولكنّه محورُها أي موضوعُها، وبالتالي فمن الأفضل أن يتمّ الحديثُ عنه كموضوع لا كشخصيّةٍ. سنرى مواقف الشخصيات منه، ونراها تقريبا أمامَ أفعاله التاريخيّة الموثقة، شاهدةً أكثر منها مشاركةً (حفل الكازينو، موقفه من الحزب القديم، الخ). هذا أسلوب مألوف في الكتابةِ، يمكن أن نجده في روايات شهيرةٍ وفي أعمال دراميّة أخرى (غاتسبي العظيم، المواطن كين، الخ). ولقد أرادت أميرة غنيم لشخصيّتها المتخيّلَة الرئيسية زبيدة أن تكون محورا وموضوعا ربّما أكثر أهمّيّة من الطاهر الحداد نفسه. تمثّل زبيدة امرأة الحدّاد، مشروعه الّذي نحته. كيف لا وقد كانت تلميذته؟ ليس موضوع الروايةِ الطاهر الحداد، وإنما امرأة الحدّاد. أما النازلة، فكانت رفض هذه المرأة ووصمها بالعارِ.

اِعتنت الكاتبةُ كثيرا بتباين شخصيّاتها لما لكلٍّ منهم من دلالةٍ، ولكنّها لم تنجح في إسقاط ذلك على مستوى الأسلوب. لا شكّ أننا نجدُ في الخطابِ النّسائيِّ حضورا أكبر للبيتِ وللفولكلورِ وللعناصر الماديّةِ (الأكل، النظافة) مع بعض المقاطع الفكريّة ذات الطابع التعليميِّ (لويزة وفوزية وخدّوج يتلقّين معارف مختلفة أو يكتشفن أفكارا جديدة، وكذلك الشأن مع جنينة في حديثها عن المرسح) أمّا الخطاب الرجاليُّ فتغلب عليه الأفكارُ السياسيّةُ والاديولوجيّةُ. في حين يشملُ الخطابُ العاطفيُّ الجميع على السواءِ. لكنّ كلّ هذا الاختلافَ يُحمَلُ على أسلوب لُغويٍّ واحدٍ لا يتغيّرُ، فلا نكاد نجدُ فروقا كبيرة في الخطابِ بين قاضي الإسلام عثمان النّيفر، وخدّوج الخادمةِ الأُمّيّةِ. ولا يملك أحدهما تشبيهاتِه الخاصّةِ ولا مرجعيّاتِه الّتي تميّزُه. ولئن حاولت أميرة غنيم أن تُثبِّتَ ذلك، في بداية نصوصها إلاّ أنها ارتكست سريعا.

لا اختلاف في جمالية لغةِ نازلة دار الأكابر، ولكنّه جمالٌ رتيبٌ لا يحيدُ عن نفسِه، لا متى اختلفت الشخصيات، بل متى اختلفت طبيعةُ الخطابِ أيضا. فلحظات التوتّر كلحظات الدّعةِ، ولحظاتُ الاكتشافِ كلحظات التأمّلِ تقريبا. وما ينوّه به في لغةِ النصّ، سلاستُه وسلامتُه وفصاحتُه المُبينةُ.

أمّا على مستوى القصِّ، فقد عبّر اختيارُ نمط السّرد عن تمكّن كبيرٍ افضى إلى بناءٍ قصصيٍّ شديد التماسك والانسجامِ رغم تفرّعه إلى قصص جانبيّةٍ كثيرةٍ، وإلى تشظّ على مستوى زمن السّرد عبر نحو أكثر من نصف قرن (بين 1949 و2013) بدون أيّ ترتيب. نلحظ بسبب ذلك بعض فتورٍ في السيناريو لا مناص من ذكرِه لقيمته. فقد تردّت علاقةُ محسن وزبيدة بُعيدَ الحادثةِ، وعرفنا ذلك منذ البداية تقريبا. لكنّنا لم نعرف عن شلل زبيدة إلا في منتصف النصّ، (بل الأقرب في نهايته). ورغم أهميّة الحادثة، فلم تبدُر أيّة إشارةٍ إلى إمكانيّةِ تأثيرها على العلاقةِ بينهما. وإن كان يمكنُ تفسير ذلك بالنّسبة إلى محسن الرّاوي، على أنّه يملك سببا آخر لاعتزال زوجته، فلا يمكن أن نفسّر جنوح زبيدة إلى تفسيره بانصراف الرّجلِ إلى خدّوج، ولم يدر بخُلدِها مثلا أنّ الأمر عائدٌ إلى شللِها. لقد بدا شللُ زُبيدة طارئا على النّصّ ليس أصيلا فيه، لم يُقرأ له حساب في البدايةِ، فخلت الإشارةُ إليه وجنينة تروي لنا تفاصيل زيارتهم إلى دار الرّصاع سنة 1949، فكانت زبيدة تسلم على أمّها قبل أن تهرع إلى أبيها رفقة محسن وأمّيْهما، كأنّ ليس بها علّةً أو مرضا. ولم يهتمَّ أحدٌ من عائلتِها بشللها هذا حتّى إنّهم لم يزوروها وواصلوا مقاطعتها طوال السنين الثلاثة عشر. أمّا زبيدة، فيبدو أنّ الشلل لم يُثنها عن إعدادِ نفسها لزوجها وإغرائه باللبس والحرقوس والشموع، وقد تكون لويزة مساعدتها في ذلك، ولكنّ من الغريب أن تُشرك زبيدة صديقتَها في هذه المسألة الحميميّة لرِفعة النّفس والكتمان الّتي تميّز شخصيّتها. بل من الغريب أن لا تشعر منذ شللها بالعجز والحاجة إلى العزلة وربما عقدة الذنب إزاء فكرة كونها لم تعد امرأة مكتملة الصحّة ممّا يغري الرّجالَ… وحتى امحمّد النيفر الّذي تحدّث قبل فوزيّة أي قبل الكشف عن شلل زبيدة، فلم يبادر إلى تبرئة نفسِه أمام ابن أخيه وابن زبيدة من تهمةِ إيذائها. ممّا يعزّز نظريّة إضافتِها في ما بعدُ للنصّ. ربّما لدلالةٍ ما على وضعيّة المرأة التونسيّةِ الّتي مع إيذاء الحداد وبتر مشروعِه، ورغم انتصار بورڤيبة له، ظلّت مُقعدةً لا تطالُ كلَّ حقوقِها. وربما لدلالة أخرى لم ترد ببالي، على أنّها في كلّ حالٍ وردت في النص مهلهلةً فأقضّت تمساكه وانسجامه.

روايةُ نازلة دار الأكابر، عملٌ ضخمٌ جادٌّ ومسلٍّ يذهب بالقارئ إلى ثلاثينات القرن الماضي في تونس، فيجيد الرّحلةَ، ويعود به بتساؤلات متنوّعة. ويربط بشكل ذكيٍّ بين قضيّة المساواة وقضيّة الطبقيّةِ الاجتماعيّةِ. إنّه خطوة مهمّة للأدب في تونس، ينبغي أن تُدعمَ حتّى يرتفع المستوى الأدنى المقبول، وتقاطَع النّصوصُ الّتي لا ينحتُها أصحابُها بمثل هذه الجدّيّة والتفاني.


 


Wednesday, February 10, 2021

مناورةُ الملكة

 بسبع حلقات لا ثامن لها، يمكن اعتبار مسلسلِ مناورة الملكة The Queen's Gambit فلما أطول بقليل من "فاني وألكسندر" (إنڤمار برڤمان) وأقصر قليلا من فلم طَنڤو الشيطان (بيلا تار). وليس تراوحُ طولِه بين هذين التّحفتين مؤشّرا على قيمته وإنّما يمنحنا القدرةَ على التّعامل معه كأيّها الأفلام التلفزيّة الّتي باتت رغما عنّا شكل السّينما اليوم.


لقد بلغ رواج مناورة الملكة في نهاية السنة الماضية، أن دفع بمبيعات لعبة الشطرنج إلى ستّة أضعاف، وأعاد الاهتمام إلى إحدى أقدم الألعاب في تاريخ البشرية. لم أحظ مع ذلك بالحماس المتوقّع وأنا أتابع مباريات إليزابث ضدّ خصومِها المتنوّعين. صحيحٌ أنّها ـ المباريات ـ نُسخٌ عن مبارياتٍ تاريخيّةٍ شهيرةٍ تمّ اختيارُها بعنايةٍ وبمباركةِ أسطورة الشطرنج ڤاري كاسپَروف. ولكنّ المشهدَ لم يلقِ الضَّوءَ بشكلٍ كافٍ على الرّقعةِ، واكتفى بصورٍ خاطفةٍ لا يمكن أن يفكَّ شفرتَها في أغلب الوقتِ إلاّ المحترفون. ودُفع المشاهدُ الّذي لا يفقه شيئا من اللعبة إلى متابعةِ أطوارِها عبر التّأويل الّذي تقدّمه شخصيّات المسلسلِ. نعرف أنّ بيني Benny كان يندفعُ نحوها دون هوادة وكانت تشعرُ بفقدان مطلق للأمانِ (كانت الصّورةُ المرافقة لتعليقها تنقلُ لنا حركة يدها اليمنى البليغةِ على ذراعها اليسرى). ولكنّنا لا نعرفُ ما الّذي يحصلُ تحديدا على الرقعةِ. وبذات التّسليم نفهم أنّ كورپوف في مباراة المكسيك كان يتحرّك بمنتهى البيرقراطيّة والبداهة واللاخيالِ، لكنّنا لا نُمنَحُ أدواتِ الاشتراك في اللعبةِ والانغماس فيها. وهذا أيضا يُعمينا عن تفاصيل مهمّةٍ في السيناريو. يُخبرُنا بطل العالمِ في الشطرنج، العبقريُّ ماڤنوس كارلسن Magnus Carlsen في قناته على اليوتيوب عن تفاصيل المباراة الختاميّةِ. ولئن أثنى على الأداء الجميلِ لإليزبث إلا أنّه أكّد أنّ المباراة كانت شبه منتهيةٍ من قبل أن يعرضَ كوربوف على منافستِه التّعادلَ. ما يجعلُ من أمارات التّشويق الّتي تلت ذلك عبثا سخيفا وبلا معنى. كان المعلّق يبدي حماسا، وكان الحضور متوتّرين بذات السّخافة الّتي تجعل جمهور كرة قدم متوجّسا من نهاية مباراة يتقدّم فيها فريقه بستة أهداف لصفر. يبقى مع ذلك المسلسلُ/الفلمُ دراما رياضيّةً جيّدةً.


ليست الرّياضة التصنيف الوحيدَ لمناورةِ الملكةِ، فهو أيضا عملٌ تاريخيٌّ بامتيازٍ. وفضلا عن براعته في استعادة حقبة الخمسينات والسّتينات عبر الماكياج والديكور والملابس، فقد حاول إعادة تشكيل تلك الحقبة من منظور مختلفٍ والتوغّل في تفاصيل ملتبسة. صبيّة ذات أصول إفريقيّة في ملجإ يتامى من البيض؟ مسكّنات مخدّرة لأطفال دون العاشرة؟ ها نحن ننظرُ إلى ولاية كنتكي في الخمسينات والستينات بعينيْ أنثى في سياق غير ميلودراميٍّ. مؤسّسة التعليم، والزواج، والشّارع وموجة التحرّر… لكنّ العنصر الأهمّ من وجهة نظر تاريخيّة كان الحرب الباردة ولا شكّ. هل كان تدريس الرّوسيّة للعموم يتمّ بتلك البساطة في الستينات؟ يبدو ذلك مربِكا ونحن نستذكر سجلّ هوليود الستينيّ الغارق في بارانويا الخطرِ السوفييتيّ. تبنّى المسلسلُ وجهة نظرٍ هازئة من الحرب الباردةِ، لا مسفّهة إيّاها فحسب بل غير حافلةٍ بثقلِها وتأثيرها. فحين تتحدّث إليزبث عن حلم السّفر إلى موسكو، لا يتبعُها أيّ تساؤل عن الرّحلةِ سوى مشكلة التمويل. وفي المكسيك على الحدود الأمريكيّة تتواصلُ إليزبث مع البعثة الرّوسية بدون أية رقابة، ناهيك أنّ مرافقها الأمريكيّ إلى موسكو كان مسخرة حقيقيّة.

حاول المسلسلُ عبر مواقف إليزبث أن يعبّر عن سخافة الصّراع بين دفّتيْ الستار الحديديّ، فهاهي ترفض تبنّي فكرة الصّراع بين الكفر والإيمان، وهاهي أيضا ترفض الانصياع إلى بروباغندا الخوف الّتي انتهجتها الحكومة الأمريكيّةُ. بل إنها تمضي قدما لتنتصر بشكل ما للإديولوجيا الاشتراكيّة، خصوصا عبر شخصيّة بيني Benny. يقول بطل أمريكا إنّ لاعب الشطرنج السوفييتيّ يحظى بمكانة اجتماعيّة مرموقة ويلعب مبارياته في قاعات فخمة بتغطية إعلامية كبيرة وتتكفّل الدولة بمصاريفه عكس الأمريكيّ الّذي يطارد تمويلات بائسة مقابلة التذلّل. ولئن كان هذا الواقع نسبيّا إلى حدّ كبير، فإنّ الفكرة الثانية أكثر جديّة. وقد وردت أيضا عبر Benny الّذي أعزى تفوّق السّوفييت إلى خاصيّة التفكير الجماعيّ. يصنعون شبكة عقليّة جبّارة لا يمكن لأيّ عقل منفرد أن يواجهها، بينما يضيع العقل الأمريكيُّ مهما بلغ من العبقريّة في غياهبِ الفردانيّةِ. ويمضي المسلسلُ قدما ليمنح الفوزَ لبطلتِه بعد هزيمتيْن مُذلّتيْنِ بفضلِ تخلّص الأمريكيّين من فردانيّتهم و"اشتراكهم" في اللعبة. إذا رغم انتصار الأمريكيّ على الرّوسيّ في النهاية كالعادةِ، فالمسلسلُ ينتصرُ بشكلٍ غير مسبوقٍ للجانبِ الرّوسيِّ، وقد دعم ذلك بصورة إيجابيّة للغاية لموسكو لا نكاد نرى فيها أثرا للقمعِ أو الحقدِ أو العداءِ. يبقى التاريخ مع ذلك مبحثا ثانويا، فمناورةُ الملكة هو مسلسلٌ نسويّ بامتيازٍ.


دون الاستعانةِ بمواقف نضاليّةٍ، أو قصص معاناةٍ صارخةٍ، حوّل المخرجانِ والكاتبُ (وجميعهم رجال بالمناسبة) سيرةَ إليزبث هارمُن إلى خُرافةٍ نسويّةٍ مُظفَّرةٍ، وصنعوا منها مثالا نسائيّا أعلى. تتفوّق "بِث" على الرّجالِ في مجالٍ ذَكَريٍّ شديدِ الرّمزيّةِ. إذ يُنظرُ إلى الشطرنج كمجال بزوغ الذّكاء الخامِ الّذي لا يحتاجُ المرءُ فيه إلى المعارفِ الأخرى. ورغم تهافتِ هذه الفكرةِ فإنّها احتفظت بحضورها القويّ في المخيّلة الجماعيّة، وسمحت لإليزبث بأن تنقض من خلالِها، فكرة قروسطيّة تربطُ الذكاء بالجنسِ. لا يُفسَّر نبوغ إليزبث بالاجتهادِ أو العنادِ أو الرغبة الجامحة في إثباتِ شيء ما كما يحدثُ في أغلب قصص النساءِ المتفوّقاتِ، ولكنّها عبقريّة محضة تظهرُ مع الطّفولةِ. وما اجتهادُها في ما بعدُ إلا ضرورةٌ لا يمكن لأيّ عبقريٍّ تفاديها حين يقارعُ المستويات العليا، أيّا كان جنسُه.

لا نرافقُ بِث في مبارياتِها فحسب، بل أيضا في حياتِها الّتي تسير بتوازٍ دراميٍّ موقّعٍ مع حياتِها الرّياضيّةِ. إنّ هذا التوازي مهمٌّ جدا، لأنّ عبقريّةَ البطلةِ الّتي تظهرُ في الرياضةِ، تُستنتجُ في الباقي وتُحفّزُ على الاقتداءِ.

ليست تقنية التوازي حديثة عهدٍ ولا غريبةً على السّيرِ، ولكنّها عادةً ما تسيرُ باتّجاهٍ معاكسٍ من حياةِ البطلِ إلى إسقاطٍ سياسيٍّ أو تاريخيٍّ (فورست غمپ، وداعا يا خليلتي، قواعد اللعبة الخ)، أما في مناورةِ الملكة فالإسقاط يحدثُ على تجربةِ بِث الوجوديّةِ، ويمنحنا الأدواتِ للتأمّلِ فيها. تعلّمت البطلةُ أولى دروس الشطرنج القاسية حين أجبرها معلِّمُها شايبل على الانسحابِ، وتزامن ذلك مع أولى دروسِها الجنسيّةِ من عند رفيقتِها جولين. لقد كانت بث اللاعبةُ تتعلّمُ فنون الشطرنج، أما الطفلةُ فكانت تتعلّم دروسها الأولى كامرأة: التعرّف على جنسها وعلى الجنس الآخر.

في ما بعدُ، تبدأ اللاعبةُ مسيرتها الرياضيّة بالبطولةِ الأولى، وتزامنا مع انتصارِها المهمِّ على تونز Townes يقع الحدث المهمُّ للطفلةِ: لقد صارت امرأةً أخيرا!

كان تونز خفقة قلبها الأولى، وفي لقائهما الثاني لم تعد تلك الطفلةَ المشارفة على البلوغ، بل شابّة لافتة للأنظار، لذلك كانت حادثة الفندق خيبة كبيرةً لها لا تقلُّ في شيءٍ عن خيبة الهزيمةِ الأولى أمام Benny، في الحالتيْن كان الدّرسُ مهمّا للتخلّص من النظرة الطفولية الحالمةِ للعالمِ. إذا كانت تريدُ بطولةَ العالمِ فعليها تعلّم الرّوسيةِ، وإذا كانت تريد أن تكون امرأة بالغةً فعليها أن تجرّبَ الجنسَ. في الأثناءِ، كانت الحياةُ تخبّئُ لكليهما مفاجأتيْن أكثرَ قسوةً، وأشدَّ تزامنا: هكذا تنهزمُ هزيمةً مذلّةً أمام كورپوف وتفقد أمَّها في الآنِ نفسه. هذا هو العالمُ الحقيقيُّ، كرياضيّةٍ تعرّفت إلى معنى اللعب في مستوى عالميٍّ وكامرأة تعرّفت إلى معنى حياةِ البالغين: أن يكون المرءُ وحيدا.

يستمرّ نموُّ البطلةِ على المستويين بشكل متوازٍ حتّى تصلَ إلى لحظة النّصر النهائيّةِ، إذ تتوّجها بلحظة تصالحٍ مع مختلفِ الرّجال الّذين كانوا في حياتِها، وعلى رأسهم تونز. نوعٌ من اكتمالِ الرّحلةِ.


لا تتوقّف عناصرُ النسويّةِ في مسارِ رحلةِ البطلةِ ولا في رمزيّة اختصاصِها، بل تتناثرُ هنا وهناك في مشاهدَ عدّةٍ. حين تلقّت دميةً هديّة من رئيس نادي الشطرنج للأولاد، ألقت بها مباشرة في سلّة المهملاتِ. كانت بث تبدي مرارا وتكرارا رفضها أو تجاهُلها لكلِّ السلوكات الاجتماعيّة الّتي تريدُ قولبَتَها على النمط الكلاسيكيِّ، فهي تفضّل شراء الشطرنج والكتب على الألبسة والأحذية، وتكره الحديث المنمّط عن الرّجال والرومنسيّاتِ، علاوة على أنّ علاقاتِها الجنسيّة كانت باردةً إلى حدّ كبيرٍ. وحتّى في إدمانِها على الكحول والمسكّنات، فقد كانت تعبّر عن تمرّد على نظامٍ قائمٍ يتسامح مع إدمانِ الرجال، ويواجه إدمان النساءِ بتجاهلٍ حادٍّ وقاسٍ.

وحولَ بِثْ الموهوبةِ، ترتسمُ شخصيّاتٌ نسائيّةٌ أقلّ حظوةً لدى الأقدارِ، لتحكيَ على الهامشِ بعض المآسي النسويّةِ. جولين ذات الأصول الأفريقيّة الّتي تُلفظُ طفلةً حتّى تذبل طفولتُها. أمّها الّتي تذوق الهجرَ مرّة بعد أخرى حتّى تهلكَ. زميلةُ الدّراسةِ الّتي كان يمكن أن تصبح مثلها لو أذعنت لتربية المجتمعِ مثلها… توجد هذه الشخصيات على الهامش، لأنّ أيّ امرأةٍ يمكن أن تعيش قمعا اجتماعيّا أو طبقيا أو اقتصاديّا، ولكن يمكن لهنّ جميعا أن يكنَّ "بث"، بأن يحقّقن وجودهنّ كما يردن لأنفسهنّ.


ورغم هذا النفس التحرّريّ المتحمّسِ، لم يخلُ هذا البناءُ من تناقضاتٍ. ولو تجاوزنا بعض هنّات السيناريو الّتي يمكن تفسيرُها بشيء من الاستقواءِ على طبيعة الأشياءِ، مثلَ حدوث العادةِ الشهرية الأولى في سنّ السّادسة عشر تقريبا، أو كلّ ما تعلّق بالسّوفييت بشكل عامٍّ، فالإشكال الأساسيُّ يكمنُ في إليزبث نفسها، كشخصيّة موهوبة، إذ أنّها على عكسِ المرادِ تبدو كاستثناءٍ يؤكّد القاعدةَ. لا وجودَ لأخريات يلعبن الشطرنج لا لأنّ النساء ممنوعات من اللعبةِ فهاهي إليزبث ومنافستُها الأولى في كنتكي تبرهنان على العكس، ولكن لأنّ الأخريات لا يملكن الذّكاء الكافي لذلك. لم تكن "بث" طفلةً ذكيّة فحسب، بل كانت أيضا وحيدةً. ومن بين كلّ الشخصيّات النسائيّة في المسلسلِ، لم توجد أخرى بمثلِ ذكائها ربّما عدا أمّها الّتي انتحرت.


يبقى مناورةُ الملكة عملاً ناجحا على كلّ حالٍ وفكرةً مُلهمةً لصنف الكتابة النسويّةِ: اِنعتاق من سجن الصّراع الجندريِّ، وتوقٌ إلى أنموذجٍ أصيلٍ لا يشبه إلا نفسه.




Sunday, November 29, 2020

مارادونا والسّينما

في عصر أجهزة الـVHS العظيمة، كانت أشرطة الفيديو عن مسيرة مارادونا وإبداعاته عملةً نادرة، بمعنى قيّمة. لم يكن آنذاك مفهوم Jogo Bonito (اللعبة الجميلة) معروفا بالمعنى الّذي قدّمته نايكي بعد ذلك بسنوات: كرة القدم كفنّ استعراضيٍّ1. لكنّ مارادونا الّذي تُعتبر حركاتُه الإحمائيّةُ وحدها عرضا يستحقّ شراء تذكرة والدخول إلى ملعب ناپولي، سبق تطوّر كرة القدم بالفعل، وكوّنت لقطاتُه الفرجويّةُ العجيبةُ مادّة استعراضيّة ضخمةً نتهافت عليها في أشرطة الفيديو النّادرة. تكثيف بصريّ للكثير من الـ "واو" والـ"هاه؟!" والـ"ماذا؟" والـ"كيف؟" على مدى ساعة أو ساعتين. ظلّت هذه الأعمالُ ذات قالب صحافيّ إخباريّ بالأساس، يروي القليل من حياته ويعرض الكثير من إبداعاتِه. ويبدو أن الأفلام الفنّيّة الّتي أُخرجت عنه لم تأتِ إلا في وقت متأخر قليلا، خصوصا بعد تجاوز محنته مع المخدّرات. ولئن كانت مثل هذه الأعمال تهمّ أحبّاء كرة القدم بشكل خاصّ، فإن أغلبها يأخذ بُعدا إنسانيّا جديرا بخوض غماره والتّأمّل فيه. ها هنا اثنان من أشهر الأعمال السينمائية الّتي تصوّر پورتريه الأسطورة الأرجنتينيّة:


 

الفلمُ الأوّل من إنجاز الصّربيِّ أمير كُستُريتشا Emir Kusturiça سنة 2008. وهو وثائقيٌّ من الصّنف التّشاركي Participatory، إذ تمّ تصويره بين 2005 و2007 كجملةٍ من الزيارات المتبادلةِ بين المخرجِ واللّاعب الفذِّ، وبين منزلِ الأرجنتينيِّ في بوينُس آيرس، وملعب النجم الأحمر بالعاصمة الصّربيّة بلغراد. قدّم لنا كُستُريتشا مارادونا الظّاهرة، مارادونا الّذي يمثّل حالةً ثوريّة نادرة في عالم ترفيهيٍّ مدجَّنٍ، مارادونا كتواصُلٍ لراقصِ التّانغو الأسطوري كارلُس ڤارديل Carlos Gardel والزعيم الثّوريِّ إرنستو ڤيف⁩ارا. فصنع من مارادونا تعبيرةً عن عبقريّة الشعوب اللاتينيّةِ الفطريّة ونضالِها ضدّ الغربِ الامبرياليِّ المتغطرسِ، واختصر مسيرته الكرويّة في لحظات معدوداتٍ أبرزُها مباراة النصف النهائي ضدّ انكلترا ويد الله الشهيرة، وأبرز سياقها السّياسيَّ ورمزيّة انتصار التّانغو على فريق الملكة إليزبث. الـولد Pebe الفقيرُ ابن الرّجل الكادحِ الّذي يملك كنزا حقيقيّا في عبقريّته الفطرية وهو يلقّن درسا للرجل الأبيض المتغطرسِ خالق اللعبةِ وصاحب القوّة والمالِ. تتكرّر الصّورةُ على المستوى المحلّيِّ مع فريق البوكا جونيورز الّذي اصطفاه مارادونا على حساب غريمِه العاصميِّ ريفر پليت. ثمّ على مستوى عالميٍّ حينما ذهب إلى ناپولي، عاصمة الجنوب الإيطاليِّ المنبوذ والفقير والوضيعِ ليمنحه المجدَ والكبرياء أمام سادة اللّعبة الشّماليّين الأثرياء المتغطرسين.
 
لكن كوستُريتشا لا يقف عند رمزيّة الالتزام الكرويِّ عند مارادونا، بل يركّز طويلا على علاقاتِه بزعماء أمريكا اللاتينيّة، من فيدل كاسترو إلى هوغو شافيز، بل إلى تبجيلهم لهذا المخلَّدِ حتّى اعتبارِه زعيما لا يقلّ عنهم شأنا. نرى مارادونا المناضل، المعادي للامبريالية الأمريكيّة ومحاولات التدخّل السياديّ في المنطقةِ. فهل كان في المشهد مبالغةٌ؟ حين تستمع إلى اللاعب، لا شكّ أنّك تلحظ وعيا طبقيّا حادّا ربّما رسخ في ذهنه منذ رحلاته الأولى إلى أوروپا. ولكنّ العين لا يمكن أن تخطئ هذا التناقض الكبير بين خطابِه وطريقة عيشه الّتي لا تشبه في شيء تلك الطبقة الّتي يناضل من أجلها.

لقد عمد الفلمُ إلى تلميع صورتِه إلى حدّ لا يثيرُ الرّيبة ولكن يدعو للتساؤلِ. وكان أكثر ذكاءً في التّعامُل مع مآسي مسيرته من أمجادِها. فأبرز الإنسان الّذي خابَ ولم يوفّق مثلما وُفّق لاعبا، وابرز قُدرتَه على الإقرارِ بأخطائه الماضيةِ، وواقع تجاوزِه لمخلّفاتِها. والأكيد أن كوستُريتشا ما كان يرسم في مارادونا صورة هذا الثوريِّ الفذِّ والإنسان النقيِّ إلا ليحتفيَ ببطلٍ آخر هو كوستُريتشا نفسُه.

ولأنّ كوستُريتشا لا يملك من كاريزما البطلِ ولا مسيرته ما يؤهّله لتلك المنزليّة المؤلَّهةِ، فقد صاغها من خلال مقارباتِه المستمرّةِ والخبيثة بين مسيرتِه ومسيرةِ مارادونا. فهو أيضا كفنّانٍ صربيٍّ ثائرٍ ضدّ الغربِ المعتدي على بلده، يرى في أعمالِه المتوّجة في العواصمِ الأوروبيّةِ مثل "تحت الأرض" Underground، قصاصا فنّيّا من المعتدين على بلادِه. وما فتئ يسترجعُ لقطاتٍ من أعمالِه الشهيرةِ في كلّ لحظة تقاطُعٍ معه، حتّى كأنّ الفلمَ بات سيرة ذاتيّةً مقنّعةً.



على النّقيض من قراءة كُستُريتشا الّتي تحاول أن تعكس الواقع العالميَّ على مسيرةِ مارادونا وشخصيّته، عكسَ المخرج البريطانيُّ آسيف كپاديا شخصيّةَ اللاّعبِ-الموضوعِ على الواقعِ العالميِّ، أو بشكل أدقَّ: على لحظةٍ عالميّةٍ فارقةٍ. 
 
في عملِه الوثائقيِّ الأخير: دييڤو مارادونا Diego Maradona، وهو من الصّنف المُراقبيّ غالبا Observational إذ يغيبُ فيه صاحبُ العملِ، وحتّى البطلُ الموضوعُ كان حاضرا فقط عبر التسجيلات الكثيرة الّتي وثّقت لمسيرتِه.
 
يرى كپاديا أنّ هناك اختلافا ضخما بين دييڤو Diego وبين مارادونا Maradona. هُما شخصان مختلفان تماما نعجبُ بثانيهِما حدّ التّقديسِ، ونسيئُ فهم الأوّل حدّ الاحتقارِ. لذلك، ينطلقُ المخرج البريطانيُّ في رحلةِ الرّأبِ وإعادةِ قصِّ القصّةِ من أوَّلِها. تتحوّل مواسمُ مارادونا الكرويّةُ من الأرجنتين فإسبانيا وصولا إلى ناپولي ومرحلة الأمجادِ مع الفريق والمنتخب، ثمّ مرحلةِ الانحدار المأساويِّ، إلى ملحمةٍ حقيقيّةٍ، إلى قصّةٍ دراميّة مثيرةٍ ومشوّقةٍ ومُحزنةٍ. ولكنّها لا تغطّي بأيّةِ حالٍ من الأحوالِ على قصّة دييڤو الإنسانِ، أحدِ أكبرِ ضحايا العصرِ الجديدِ!

بينما كان مارادونا يواجُه صفوة اللاعبين على الميدان ويلقّنُهم الدّروس ويفاجئُهم بعبقريّة لا قِبلَ لهم بها، كان دييڤو في عالمه الجديدِ مضطرّا لمواجهةِ خصمٍ لم يختره ولم يتعلّم مطلقا كيفيّة التّعامل معه: إنه الإعلام.

في فلمِ "عَدَّاء المُقدّمة" The Front Runner ينبّهنا المخرجُ جيسون رايتمان إلى خطورةِ ما حدث مع المترشّح لرئاسة البيت الأبيض ڤاري هارت Gary Hart الّذي كان يمضي بثبات نحو الانتصار بفضل مشاريعه وجدّيّته وأفكاره، لولا أن حوّل الإعلامُ آنذاك وجهة النّقاش السياسيّ إلى فضيحة شبهة خيانة زوجية حاول المترشح (وزوجتُه) تجنّب الخوض فيها بكلّ السبل لكنّه رضخ واستسلم وانسحبَ معلن بدايةَ عصرٍ إعلاميٍّ جديدٍ تعويميٍّ يخلق حميميّةً افتراضيّة مفتعلة مع الشخصيّة العامّة ويجرّدُها من كلّ إنسانيّة بدعوى إكسابِها ملامح إنسانيّة. لقد خسرَ نائب الشعب الأمريكيّ حربَه في الثمانيناتِ مع هذا الغول الجديدِ، فما بالك بولدٍ في السادسة والعشرين من عمره قادما من حيّ فقير في بوينس أيرس؟

لم يكن التعويمُ هو الطّارئ الوحيد في عصر الإعلامِ الجديدِ، فقد كان مارادونا أوّل لاعب كرةٍ يحتلّ منزلة نجوم الفنّ المثيرةِ، وربما لم يسبقه من الرياضيّين إليها سوى الملاكم الأسطوريّ محمّد عليّ. وكان على دييڤو مرّة أخرى أن يواجه تلك المنزلة الّتي لم يسبقه إليها مُحيطُه. كان مارادونا عبقريّا لا يحتاج إلى أي شيء خارجيٍّ لينجحَ. حسبه النّور الّذي قذفه الله فيه ليواجه أيّ خصم مهما علا شأنُه. أمّا دييڤو فقد كان شخصا عاديّا في مواجهة آلةٍ مخيفةٍ لا يعرفُها أحدٌ من محيطِه بعدُ. وبينما تمارسُ النوادي اليوم إجراءات حمائيّةٍ للاعبيها وتؤطّرهم وتعلّمهم كيف يتحدّثون إلى الإعلام وكيف يواجهون محاولات التطفل، وكيف تمنعهم من التعبيرات الطائشة ومن كشف جوانب حيواتِهم الشخصيّة، لم يكن هناك أحدٌ مع دييڤو لأنه لم يكن هناك أحدٌ قد واجه هذا الشيء من قبل. وفي مشهدٍ مرعبٍ يجدُ دييڤو ابنه الّذي وُلد لتوّه حذو أمّه الّتي تتحدّث لإيطاليا عن علاقتِهما الحميميّةِ، ويجد نفسه مضطرّا لمشاركةِ حياتِه الشخصيّة مع العالمِ...

مع كپاديا يمكن أن نفهم أكثر النّهاية المأساويّة: فهذان الصّراعان اللّذان يخوضُهما اللاعبُ والإنسانُ لا يمكن أن ينتهيَا إلا بأن تؤثّر نتيجةُ أحدِهما على الآخر. ولقد كانت غلبةُ خسارةِ دييڤو واضحةً ولا شكَّ، فحتّى لو امتلك عبقريّة "مارادونا"، ما كان له مواجهةُ كلّ تلك الخصومِ: عصرٌ إعلاميٌّ جديدٌ، ومافيا لا ترحمُ، ومنزلةٌ فوق-بشرية لا تُحتملُ، وعالمُ مخدّراتٍ وجريمةٍ كان عليه وهو شابٌّ في السادسة والعشرين أن يواجهه بحكمة رجلٍ في الأربعين.

هذا هو دييڤو أرماندو مارادونا في مختلف تجلّياتِه، كما قدّمته السينما: فنّان عبقريٌّ، ونبوغٌ مثل الأنبياءِ لا يمكن تحصيلُه بمجرد العملِ الشّاقّ، وتعبيرةٌ محتجّةٌ على تحوّلات عالمية مخيفةٍِ في لحظةٍ فارقةٍ ربّما مرّت بنعومة أكثر ممّا ينبغي. ها نحن ذا ننعى الحنين إلى ما قبلها في عالمٍ يرزأ تحت أصدائها.

Friday, August 21, 2020

وفاءً يا خليلتي!


أتأمّل أصابع يديَّ الغليظة بحيرةٍ أخالُها تميّزني. أتساءل ماذا تراني أكونُ بأصابع أكثر رقّةً أو أقلَّ؟ لو اختلفَ ذلك الجينومُ العشوائيُّ المسؤولُ عن شكلِ بناني بقدرٍ تافهٍ، أكنتُ سأحتمل عصا المعلّم وأتجاوزُ فيما بعدُ مهوّنا ومنسّبا؟ أكنتُ سأبقى فاشلا في معاملةِ الفرشاةِ والألوانِ، أم أصبح مرهف الحسِّ انطوائيّا كأولئك الرّسامين العظام؟ كأنّ أصابعَك تكتبُ حياتَك قبل أن تعلِّمها الكتابة. وكأنّها من قبل أن تكونَ لك، أذعنت وفيّةً لذلك الكائنِ السّرمديّ الّذي تجلّى حضورُه وتعذّرت ملامِحُه ونسمّيه من جملة ما نسمّيه، قومًا. إنّها لحقيقةٌ مثيرةٌ تلك الجدليّة الواقعةُ بين الذاتِ المفردة والذات الجماعيّة، وإنّها في إثارتِها تستنهضُ خيالات الفنّانين وحواسَّهم، فيعبّروا عن هذه عبر تلكَ وعن تلك عبر هذه، فلا تلتئم تعبيراتهم إلا في قالب ملاحمٍ تاريخيّةٍ فارقةٍ سواء في الأدبِ أم في السينما. وليس فلمُنا، وداعا يا خليلتي Farewell My Concubine، إلاّ إحداها.

لا أعرف متى بدأ استعمالُ هذه العادةِ-التقنيةِ، وأعترفُ أنّني في بحثي لم أجد أيّ تأصيلٍ لها. لكنّها تتكرّر في الفنونِ الروائيّةِ بشكلٍ عامٍّ. ربّما منذ روايةِ الأمّ لمكسيم غوركي Макси́м Го́рький أو حتّى قبلها. وفيها يُختصرُ الوطنُ/القومُ في بطلٍ واحدٍ، وتأخذُ الأحداث التّاريخيّةُ الكبرى للوطنِ نفسًا شخصيّا فتصبح أحداثا فارقة في حياةِ بطلِ القصّةِ. وفي أغلب هذه القصصِ، يحضرُ كلاهما بتزامنٍ محبوكٍ، فكلُّ حدثٍ على مستوى الوطنِ يقابلُه حدثٌ مهمٌّ في حياةِ الشخصية البطلةِ. أتحدّث هنا عن أعمالٍ سينمائيّةٍ مثلَ دكتور جيفاغو Dr Zhivago أهمّ أدوارِ عمر الشّريف في مسيرته، أو طبل الصّفيح Die Blechtrommel أو الفلمِ الأكثر شهرةً من هذا النّوع، فورست ڤامپ Forrest Gump.
 
 
في كلِّ هذه الأعمال نتابع قصّة شيّقة عن شخصيّة استثنائية، تقع أحداثُها أمام خلفيّةٍ تاريخيّة عامرةٍ بالأحداثِ والتقلّباتِ في بلدٍ بعينهِ. فنعيدُ اكتشاف هذه الأحداث والتعرّف عليها من منظور بطلنا، الّذي وإن أبدى حيادا فهو لا يستطيع أن يخفي مواقفَ المخرجِ المؤلّفِ الّتي مرّرها عبره. هكذا يتيحُ هذا القالبُ فُرصتيْن: الأولى هي التعليق على الأحداث التّاريخيّة بشكل ضمنيٍّ أنيقٍ، والثانيةُ هي البحثُ في العلاقةِ بين الفردِ والجماعةِ. بل دفعُ المشاهدِ إلى العثورِ على الجزء الّذي يمثّله من بين الأجزاء المكوّنة للجماعةِ، وإسقاطِ ذاته عليهِ (الجزء) وتحقيق التّماهي Identification. لا شكّ أنّ أغلبَ هذه الأعمال لا يخلو من الدعاية السّياسيّة أو الشوفينيّةِ. هل حدث ذلك مع الفلمِ الصّينيِّ الشهيرِ "وداعا يا خليلتي
 
 
لمن لم يسمع عن الفلمِ Farewell My Concubine 霸王別姬، فهو دراما تاريخية شهيرة، أخرجه "تشن كَيكه" Chen Kaige سنة 1993 من جملة ما أخرج روّادُ الجيل الخامس منذ منتصف الثمانينات. ورغم الترحيب الّذي قوبلت به أعمالٌ أخرى سابقة في العالمِ الغربيّ، إلّا أنّ "وداعا يا خليلتي" هو أوّل فلم صينيّّ يظفر بسعفة كانّ Cannes الذهبيّة (والوحيد) وهو الأول في الترشّح إلى أوسكار الفلم الأجنبيِّ. لا شكّ أنّ احتفاء الغرب بفلمٍ قادم من بلاد يحكمها نظام شموليٌّ يثيرُ العجبَ والفضولَ، ولا يُفهم إلاّ انطلاقا من السّياق الّذي أنتج فيه. فقد انتهجت الصّينُ سياسة الانفتاح الاقتصادي منذ نهاية السّبعينات وسمحت بدخول المال الأجنبيِّ في قطاعات محدَّدة وتخرج الجيل الخامس من السّينمائيين مع بداية هذه السّياسة. إنّه أيضا جيلُ انفتاحٍ ثقافيٍّ لا يعادي الغربَ وإنّما يمدّ يدَه إليه (وأشياء أخرى). ولئن بقيت الصيّنُ دولةً مركزيّة مراقِبةً مشرِفةً بشكلٍ مباشر على الإنتاج الثقافيِّ، إلاّ أنّ حاجتها لمنح نزق من الحرية لمبدعيها بشكل غير رسميٍّ أفرز علاقة سينمائيّة ثلاثية فريدة بين الصّينِ الوطن الأمّ وبين هونغ كونغ وتايوان. لا ننسى أنّ هونغ كونغ كانت تحت إشراف بريطانيٍّ حتى 1997، وأنّ صناعتها السينمائية كانت بالفعل رائجة في أنحاء العالم. فكانت تتبنى مشاريع الأفلام الفنية Art Films الصينيّة وتوزّعُها، خصوصا في تايوان حيث تلقى رواجا كبيرا1. وعبرها يتخلّص الفنانون الصينيّون إلى حدّ ما من الرقابة. أو لنقل، تتخلّص الدولةُ إلى حدّ ما من الحرج. وُلدَ "وداعا يا خليلتي" في هذا السياقِ ومن الضروريّ أن يُقرأ انطلاقا منهُ.
 
وكما ذكرتُ في البدايةِ، فالفلمُ قصّتان متطابقتان لذاتيْن، ذاتٍ فردية في شخص البطلِ الظاهر تشنغ ديَيْ Cheng Dieyi، وذاتٍ جماعيّة هي الصينُ نفسُها. فعبرَ قصّةِ ديَيْ منذُ دخولِه طفلا إلى مسرح بيكين حتّى وفاته، نتعرّف أيضا على قصّة الصّين في القرن العشرين. هكذا بدأت حكايتُه، سنة 1924 حين تخلّت عنهُ أمُّه المومسُ عند مدرسةٍ لتعليمِ أوبرا بيكين (وهو صنفٌ مسرحيٌّ تقليديٌّ). إنّها نفسُ السّنةِ الّتي تخلّت فيها الصّينُ عن آخرِ اباطرَتِها، بويِي Puyi وطردته من المدينةِ المحرّمة في بيكين (紫禁城). شبَّ دييْ داخل أسوارِ مدينة محرّمةٍ أخرى هي مدرسةُ الأوبرا إذ يحرُم عليه تجاوزُ أسوارِها. ومثله مثلَ رفاقِه الأطفال، تعلّم أسرارَ مهنة التّمثيل بكثيرٍ من القسوةِ الأصيلةِ الّتي تبدو كأنّما تميّزُ الطّابع الكونفوشيوسيَّ للبلاد. في مرحلةٍ لاحقَةٍ من طفولتِه، يتعرّضُ ديي إلى خيانةٍ جديدةٍ، هذه المرّةَ من معلّمه الّذي أشاح بوجهه حين دعاهُ ثريٌّ مسنّ إلى غرفته ليعتديَ عليه (وهو خصيّ). ناداه المعلّمُ باسم السيّد جانغ Zhang وهو الاسمُ المقترنُ بآخر أمراء الحربِ في بيكين قبل أن يتغلّب القوميّون الجمهوريّون ويسودون العاصمة. وبعد نحو عشر سنين، حين أصبح ديي ورفيقه شياولو Xiaolu نجميْ أوبرا ذائعيْ الصّيتِ، يفاجأُ الأوّلُ بظهورِ مومسٍ جديدةٍ في حياتِه. هذه المرّة لا تنفيه بعيدا، وإنّما تختطفُ قلبَ خليلِه ورفيق دربِه شياولو. وفي ليلةِ الزّفافِ، تدخل القوّاتُ اليابانيّةُ إلغازيَةُ مدينةَ بيكين. كان ذلك سنة 1937 تقريبا، واحتاج الأمرُ إلى انتظارِ استسلامِ اليابانِ سنة 1945 حتّى يعودَ القوميّون إلى استلامِ المدينةِ. وتزامن هذا الحدثُ التّاريخيُّ مع فراقٍ جديدٍ هو فراقُ المعلّمِ الّذي أسلم الروح. فكان تهليلُ الصّينيّين باستقبال القوميّين، أشبه بسير في جنازة المعلّم. لم تدم فترة القوميّين إلاّ ثلاثَ سنين، وعندما دخل الجيشُ الأحمرُ إلى المدينةِ وانتصب الحكم الشيوعيُّ فيها، كانت العبقريّةُ الفنيّةُ قد تخلّت عن ديي بسبب الأفيون، واحتاج لذلك وقتا لاستعادةِ نفسه. أما التّخلّي الأكبرُ، فبدأ بوشايةِ تلميذه شياوسر Xiao Si به للجان الحزب فجرَ الثّورة الثقافيّة، سنة 1966. وفي مشهد محاكمةٍ جليلٍ هو ذروة الفلمِ، يتخلّى الخِلّانُ بعضهم عن بعضٍ. أما التخلّي الأخيرُ، فكان عقب الثورة الثقافية، سنة 1977، حين تخلّى ديي عن جسدِه في حركة دراميّة مفاجئةٍ. ليس التّزامنُ بين الحلقات الدراميّةِ الكبرى في حياةِ ديَيْ وتاريخ الصّينِ لعبة مصادفاتٍ، وإنّما هي غُرزُ الخياطة الّتي تقود إلى موقفِ المخرجِ من تاريخِ بلاده الحديثِ أو ربّما موقفه من حاضرها... 
 
يقول المخرجُ كَيكه، أنّ الفلمَ قصّةٌ عن الخيانةِ. ولئن لم يحدّد طبيعة الخيانةِ، فإنّنا نجدها في مختلف أشكالها وصفاتها. فبعد أن تخلّى عنه والدُه قبل أن يولد، تخلّت عنه أمّه لعجزها عن التكفّل به وهي نزيلة الماخورِ. ليس سهلا على الطفلِ أن تتحقّق أكبرُ مخاوفِه النّفسيةِ وهي هجرانُ الوالديْنِ، ولكنّ الطفلَ الصغيرَ وجد في شياولو حاميًا وراعيا. من المثير هنا أن نتفطّن إلى تلك المقابلة الخفيّة الّتي حدثت بين الأمّ والصّديقِ. فقد مُثِّلت علاقةُ ديَيْ بأمّه عبر الدفءِ: إنّها تحميهِ وترعاهُ إذ تغطّي جسده وتغمره دفئا في المشهدِ الأوّلِ، وحين تخلّت عنه، أخرجته من ملاءتها وجمّدت يدَه حتّى تقطع إصبعه الزّائدَ. أمّا صديقُه، فقد تعرّض للتجمّد بردا من أجله، فما كان منه إلاّ أن غمرَه بدفئه الطفلِ، كأنّما يمنحه ما افتقده.
 
لم يدر بخلده، وهو يكبر عاما بعد عامٍ إلى جوارِه، متقمّصا دورَ خليلتِه، خليلةِ الملكِ في المسرحيّة العريقةِ وداعا يا خليلتي Farewell my concubine، أنّه هو الآخرُ سيخونه. ربّما لم تحدث أيّة خيانةٍ من منظور شياولو، فالرّجل لا ينظرُ إلى علاقته برفيقه بذات الشكلِ. وزواجُه من الغانيةِ جوشان Juxian لا يتعارضُ مع التزامه بعملهما الثنائيّ على المسرحِ. لكنّ ديَيْ يستعيد ذكرى أمّه في محظيّةِ رفيقه. ستحرمه جوشان من الدفء كما حدث له صغيرا. وهو ما حدث حرفيّا بعد سنوات حين كان يسترق النظر إلى منزل الزوجين. إذ كانا يوقدان النّار من أي شيء ويتدفّئان قبل أن يمارسا الجنس. تلك هي خيانة شياولو الأليمةُ. وهي حتما أقسى من خيانةِ معلّمه الّذي رعاه وكوّنه وصقل موهبته وإن بإفراط في العنف. وأقسى أيضا من خيانةِ تلميذه شياوسر الّذي لفظ تعاليمه واحتقرها، واحتضن أفكارَ الحزب الشيوعيِّ ثمَّ وشى به وبرفيقه وزوجته ليكونوا جميعا ضحايا الثورة الثقافيّة. لكنّ الخيانة لم تكن تدور حولَ ديي وحدَه. فقد تنكّر شياولو لزوجته أمام نار الثورةِ ودفعها إلى الانتحارِ. ومن قبل ذلك تنكّر أهل بيكين لأرستقراطييها الّذين كانوا يموّلون مسارحهم وحياتهم الثقافيةَ. وتنكّرت جوشان لربّة بيت الدعارة الّذي اقتات منهُ، ولحقيقتِها الماضيةِ. ولم يكن ديَيْ عفيفا عن الخيانةِ، فقد اتُّهم بها منذ أن ذهب للغناء بين يدَي الغزاةِ اليابانيّين. ولئن فعل ذلك من أجل إطلاق سراح رفيقه، فإنّه ما كان ليمانعَ دون اضطرارٍ. وهو أمرٌ لم يفهمه الآخرون وأوّلهم رفيقُه الّذي بصق في وجهه. وفي مقابلِ وفائه المطلق لـشياولو، عاملَ عاشقَه الثريَّ يُووان شيقنغ Yuan Shiqing بالجحود، متخلّيا عن هديّته الثمينةِ (سيفٌ مرصّع أصيلٌ) لفائده رفيقه إذ وعده بها منذ كانا غلاميْنِ. كما لم يلقِ بالا لشهادة يووان لصالحه في المحكمةِ وكذّبه علانيّةً. على أنّ خيانته الأكبر كانت في النهاية، حين خان نفسَه وانتحرَ بذات السيف. فهل كان انتحارُه محضَ خيانةٍ للذّات؟ أم هو على العكسِ تماما تجلٍّ للوفاءِ في ضروبه القصوى؟
 
نحن بحاجةٍ إلى الاقترابِ أكثرَ من ذاتِ ديَيْ، حتّى نتبيّن الوفاء من الخيانةِ. سيطالعُنا مستويان متداخلان: مستوى فنّيٌّ وآخر جنسيٌّ. فأمّا الفنيُّ فيتعلّق بتصوّره الخاصّ لفنّ الأوبرا. إنّها كما يشهدُ شياولو على الملإ، الشيءُ الوحيدُ الّذي يُخلِص له رفيقُه، ربّما إلى حدّ الهوسِ. فعندَ ديَيْ لا يقفُ الأداءُ على خشبةِ المسرحِ وإنّما يتواصلُ في الواقعِ. وربّما استمدَّ عبقريّته وأداءه الباهرَ من هذا التصوّرِ لأنّه… لم يكن يمثّل أصلا! لقد ظهر التباسُ الواقعِ والخيالِ عنده منذ البدايةِ حينَ عجزَ خلال أداء دور الخليلةِ أن يخبرَ أنّه بطبعه بنتٌ وليس ولدا. ولكنّه أضحى جليّا بعد سنواتٍ حينما طالب رفيقَه بأن يعاهده بأن لا يفارقه بقية حياتهما. يسأله ذلك كما تفعلُ الخليلةُ مع ملكِها في الأوبرا الّتي اشتهرا به. غير أنّ الملكَ/شياولو يحملُ فلسفةَ مغايرة. فالعهد عنده يعني الرفقة على المسرح فحسب، وهو ما أغضب ديَي إذ هتف: الحياة كلّها تعني كلّ لحظة!
 
لقد كان الملكُ في شخصِ شياولو (وهو الّذي يتعرّضُ لخيانةِ الجميعِ من حولِه إلا حصانَه وخليلته) نموذجا معاكسا لفكرةِ ديَي عن المسرحِ. فبينما كان الثاني يعيشُ دوره المسرحيَّ بجديّة الواقعِ، كان الأولُ يلعبُ في الواقعِ أدوارا مسرحيّةً. ولا أوضحَ في ذلك من حادثةِ زواجهِ بــجوشان الّتي بدأت بتمثيليّة مضحكة في الماخورِ ادّعى فيها أنّها خطيبَتُه وانتهت بها أمام غرفةِ الكواليس في الأوبرا تطالبه بأن يفيَ بوعدهِ. لقد ذكّر شياولو دائما بأنّ "وداعا يا خليلتي" مجرّد مسرحيّةٍ، وكان كثيرا ما يقدّم عليها الأمور الأخرى: إبداء معاداته للاحتلال اليابانيِّ، إيقاف العرض أمام تجاوزات المتفرّجين من القوميين، الإذعان لرؤى الشيوعيّين الثقافية. وحينما قبِل التمثيلَ مع شياو سر عوض رفيقِه في دور الخليلة، حاول أن يهوّن الأمر على ديي بقوله: إنّها مجرّد مسرحية! وما الحياة عند ديي إن لم تكن عرضا مسرحيّا؟! لقد عاش دْيَي ممتلئا بروحِ الخليلةِ Yu أكثر ممّا عاش نجما شهيرا لأوبرا بيكين. ولم يكن يتوقّف عن دورِه إلا في لحظة وحيدة في كلِّ مرّةٍ، وهي لحظةُ الانتحار، إذ تفيض روحُ Yu ويظلُّ هو حيّا يتلقّى تصفيق المشاهدين. لم نرَ في النّهاية ماذا فعل ديَيْ بسيف الملك الّذي اختطفه اختطافا، ولكن من المرجّح أن يكون قطعا مع لحظة القطع، توقّفا عن التّوقف، كأنما قرّر أن يكون الخليلة إلى الأبد. أليس هذا عكس ما يبدو، وفاء للذات بأعنف الصّور؟ ألا يكون دْيَي في وفائه لحقيقته الخاصّةِ فذّا أصيلا وسط عالمٍ مزيّف؟
 
يشجّعنا التساؤل على العودةِ إلى ازدواجيّة الصّورةِ بين الفرديّ والجماعيِّ، وبين البطلِ الدّراميِّ ودلالتِه السّياسيّةِ. إنّ دْيَيْ لا يرمزُ إلى الصّينِ فحسب، بل يرمزُ إلى الصّينِ الأصيلةِ، الصّين الّتي صقلتْ عبقريَّتَها بفضل تعاليمِ كونفوشيوس القاسية، وظلّت هناك تعرِضُ فتنتها أمام حُكّامِها المتعاقبين بمنتهى الإخلاصِ لجوهرها. لقد حوّل كيْكه مسرحَ بيكين إلى وجهٍ يختصرُ ملامِحَ الصّينِ. وهي استعارةٌ استعملها هو نفسُه على لسانِ شياولو حين عاتبه القوميّون على مواصلة تقديم العروض وبلادُه تتعرّض للغزو اليابانيّ، إذ هتف غاضبا: تمعّنوا في وجهيْنا! ألا ترون أنّنا صينيّان؟! ثمّ إنّه (كَيكه) انطلاقا من المسرحِ، رصدَ عبرَ تطوّرِ طبيعةِ المتفرّجينَ تبايُنَ مواقفِ الحكّامِ المتعاقبين على تاريخها طيلة القرنِ من المسرح/الصينِ، معبّرا عن تصوّرِه لحقبِهم من خلالِ ردودِ أفعالهم. تباينت ردود الأفعال بين الاحترام والانتهاك، لكنّها جميعا ردودٌ عَرَضيّةٌ لا تكادُ تقارنُ بالوقفة المطوّلة مع معاملةِ الشيوعيّين لمسرحِ بيكين. لقد طرق هؤلاء جوهر الهويّةِ الصّينيّة ودفعوا إلى تجاوزِها بأعنف السبلِ. فكانت الثورةُ الثقافيةُ محرقةً حقيقيّةً حوكم خلالَها جوهرُ الذّات الصّينيّةِ واتُّهم بخيانة مبادئ الثورةِ. من الغريب أن يخونَ التّليدُ الطّارفَ، والجوهرُ العَرَضَ، والمتأصّلُ المستحدثَ. بل ذهب كيكه لتصوير الموقف بصورة أبشع حينما جعلَ الخيانة بين التلميذ ومعلّمه، وبين الابنِ وأبيه. كذلك كان الأمرُ بين ديَيْ وشياو سر ذلك الطّفلِ الّذي انتشله الأوّلُ واستقدمَه للمدرسةِ، وعلّمه بعد موت المعلِّم الأوّلِ، فإذا به ينضمُّ إلى الشيوعيّين حالما شبَّ ودفع صاحبَ المسرحِ دفعا لتبنّي الواقعيّة الاشتراكيّة والتخلّي عن مظاهر التّرف الّذي تمثّله أوبرا بيكين. 
 
كأنّما كان الفلمُ يمضي منذ البداية نحو مشهدِ المحاكمة الكبير، حتّى يُقيمَ محاكمةً للمحاكمةِ، وحتّى يعيد الحقَّ لآلاف الفنّانين الصّينيّين الّذين اضطُهدوا خلال تلك العشريّة الثقافيّة السوداء. من المؤكّد أنّ الصّين كدأبها حين تريد التّراجع عن سياسةٍ ما، تشيح بوجه الرّقابة عن الفنّانين حتّى يقولوا في تلك السياسة المتروكة ما قال مالك في الخمرة (وهذا ما حدث مؤخّرا مع سياسة الطفل الواحد). لكنّنا لا يمكن أن نشكّك في قيمة شهادةِ مخرجٍ مثل تشن كيكه، وهو الّذي لعبَ دور شياو سر في شبابِه، ووشى بأبيه الفنّان المسرحيِّ للحرسِ الأحمرِ بالفعل! لقد كانت محنةُ دْيَيْ محنةً شخصيّةً، ولقد كان هو الشخصَ الآثمَ فيها. حين ندمَ على ما اقترفه، كان تشن كيكه ـ ربما دون أن يدري ـ يستجيبُ لسياسة الحزبِ الجديدة، من انفتاحٍ على الغربِ، ونكرانٍ للتّجارب الشيوعيّة القاسية، واستعادةٍ لروحِ القوميّةِ. عادت الصّين مع كيكه، كونفوشيوسيّةً امبراطوريّةً ذاتِ قيمٍ إنسانيّة أقربَ إلى الغربِ الرّأسماليِّ منها عندما كانت ماويّةً، وذاتِ خصائصَ ثقافيّةٍ عاليةِ القيمةِ في السّوق العالمية! أليس مثيرا للمشاهدِ الغربيِّ أن يرى كيف كانت الصّينُ الأصيلةُ متسامحةً مع المثليّين والكويريّين قبل أن تصبح شيوعيّةً؟ أليس مثيرا أن نتعرّف كيف مارسَ الكويريّون الصينيّون حياتهم الحقيقيّةَ عبر خشبة المسرحِ، حيث يؤدّون وظيفة الـدّان Dan أي الدّور الأنثويِّ في الأوبرا؟
 
يأخذنا التّساؤل إلى المستوى الثّاني الّذي تنبني عليه شخصيّة دْيَيْ، وأعني المستوى الجنسيِّ. لقد أدّى الفنّان الصينيُّ العظيمُ لسلي تشونغ Leslie Cheung شخصيّة دْيَي بشكل آسرٍ يستحيل تكرار مثله، وقد يكون أهمّ شخصيّة كويريّة في تاريخ السينما. وهو بلا شكّ أحد أهمّ الشخصيات الّتي قدّمتها الشاشةُ الفضيّةُ. مردُّ ذلك هو تلك الدّقّة المتناهية الّتي فصلَ بها تشونغ بين الرّقةِ والميوعةِ، وبين الأنوثةِ والهستيريا. كانت شخصيّةُ ديَيْ حدثا مدويّا من الشرق الأقصى ومن رقابته الصّارمةِ، ومن المؤكّد أنّ للدّويِّ أثرَه في فوزِ الفلمِ بسعفةِ كانّ الذهبيّةِ. لكن من الظّلمِ أن نتوقّف ها هنا، ولا نرى فيها أبعدَ من طعمٍ ناجح لاصطياد الجوائز العالمية. لقد بينّنا أنّ الصّراعَ الحقيقيَّ في "وداعا يا خليلتي" هو صراعُ الخيانةِ للذّاتِ والوفاءِ لها. وإن كنّا قد بيّنّا ذلك من خلالِ تأصيل الذّات الجماعيّة بالفنِّ، فإنّه بإمكاننا البحثُ في تأصيل الّذاتِ الفرديّة بالجنسِ.
 
من هو ديَيْ؟ هو الطّفلُ دوزي Douzi المهجورُ من والديْهِ وتلميذُ الأوبرا الخائفُ. هو الشّابُّ دْيَيْ نجمُ الأوبرا الصّاعدُ والعبقريُّ في أداء أدوار الدّان بمنتهى الحرفيّةِ والإخلاصِ. وأخيرا هو الخليلةُ يو Yu المحبّةُ الوفيّةُ حتّى الموتِ لملكها ورفيقها. هو ثلاثتهم في آنٍ، وإنّ من العبقريِّ أن يحملَ كلٌّ منهم اسما يميّزُه. لقد منحَت الأوبرا لـدْيَي فرصةً عظيمةً ليعبّر عن جزءٍ مهمٍّ من ذاتِه المركّبة، إذ تمثّلُ وظيفةُ الدّان ـ أي اضطلاع الرّجل بتقمص الدور النسائي ـ ممرَّ تهوئةً في حضرة تضييق مجتمعيّ. وبعبارة أخرى، فإنّ المخنَّث يُعامل باحترامٍ وإجلالٍ طالما كان في موقعِه من خشبةِ المسرحِ، تماما كما تعاملُ المومِسُ باحترامٍ داخل بيت الدعارةِ. وكما يحدثُ مع المومساتِ، يأتي أفاضلُ القومِ ويستحسنون أداءَ الدّان، ويطلبونه. لقد تشكّلت علاقةُ مطابقةٍ مثيرةٍ منذ البدايةِ بين بيتِ الأوبرا وبيت الدّعارةِ، وبين عاملِ المسرحِ وعاملةِ الجنسِ. فالثانيةُ تمنحُ المسرحَ ممثّليهِ، والأوّلُ يمنحُ الماخورَ روّاده. وهذا ما جعلَ من جوشان بائعة الهوى وزوجة شياولو، غريما حقيقيّا لـدْيَيْ. لقد فهمته جوشان أكثر من أي شخصٍ آخر، وأدركت أنّه بتفانيه المطلقِ يمثّل التهديد الأكبرَ لعلاقتها بـشياولو أي لخلاصها. ولم يخيّب ديَي ظنّها فكان أفضل خصمٍ ممكنٍ. علاقةُ ديَيْ بـجوشان شيءٌ معقّدٌ وعظيمٌ كعلاقة أيّ امرأتيْن تخلصان في محبّة رجلٍ واحدٍ. تتبادلان الكرهَ والفهمَ والاحترامَ. فحين اعتُقلَ دْيَيْ بتهمةِ التطبيع مع اليابانيّين، كانت جوشان الأقدرَ على إقناعِ النبيلِ يوان شيقنق Yuan Chiqing بمساعدته. وحينما ألقي سيفُ ديَيْ في نيران الثورةِ الغاضبةِ، رمت جوشان يدها في الجحيم لتنقذه. كأنّها الوحيدةُ الّتي تعرف قيمته. وحين انتحرت، لم يبكها أحدٌ مثل ديَيْ. الحقيقةُ أنّ بطلنا، لم يحقّق أنوثته بقدر ما فعلَ بفضل خصامِه مع جوشان. وقبلها، أزهرت (أنوثته) ببطء منذ كان صغيرا يحيطُ بجسدهِ الضّئيلِ والدافئِ جسدَ رفيقه شياولو (كان اسمه شيتو Shitou) المعاقبِ. بل قبل ذلك، حين قطعت أمُّه إصبع يدهِ السّادس حتّى يصبحَ شخصا عاديًّا لا يثير ذعر المتفرّجين. هل قطعت إصبع يدٍ أم قطعت علاقته بالذّكورة الكلاسيكيّةِ؟ وعدتْ كلّ هذه التّفاصيلُ بشيء لاحقٍ، سرعانما أخذ في التبلور حينما التبس الأمرُ على الفتى وهو يتلو عبارة "وأنا بطبيعتي بنتٌ ولستُ ولدًا" وبات جليّا أنّه يعاني من إشكالٍ في استيعابِ حقيقةِ ذاته، وتقبُّلها. لم يكن سهلا أن يقلبَ ديَي الآيةَ، فيصبح بطبعه امرأة لا ولدا، لكنّه حالما فعلَ، تحوّلَ إلى امتدادٍ لشخصيّة الخليلةِ يو في عالمِ الواقعِ، وصار إخلاصُه لدورِه إخلاصا لجوهرِه، لهويّته الّتي أرادها لنفسه، أو تراهُ لم يفعل… 
 
 
  
الحقيقةُ أنّ البحثَ عن جوهرِ ديَيْ وسط كلِّ هذه الأحداثِ والوسائطِ أمرٌ شائكٌ ومعقّد. وبينما نحاولُ أن نبحثَ عن إرادةٍ حرّةٍ أصيلةٍ حقّق بها ديي ذاتَه وأخلصَ لها حتّى الانتحارِ، تطالعُنا ذاتُ الصّور بقراءةٍ مناقضةٍ. وإذا بـديَيْ يُدفَعُ دفعًا إلى أن يُصبحَ "امرأةً بطبيعتها لا رجلا". بل أكثر من الدّفعِ، كان يتعرّض لانتهاك جسديٍّ فمويٍّ من رفيقهِ لا تخفى على أحدٍ طبيعتُه الجنسيّةُ حتّى يتمكّن من قول "الحقيقةِ المسرحيّةِ". فهل أرغِم بطلُنا إرغاما على إرادتِه الحرّةِ؟ نعود في هذه اللحظة بذاكرتنا إلى مشهد القطع/الخصي حين أزالت أمُّه إصبعَه الإضافيّة حتّى يتمكّن من دخول المدرسة، فنكتشف أنّه مرّة أخرى كان مُرغَمًا. ولئن لم أشكَّ في كويريّة ديَيْ فإنّني أشكُّ في نسبتها الخالصة إليهِ. إنّها مثلُ المسرحِ سليلةُ مجتمعٍ كاملٍ أسرَّها إليه، فتلقّفها مكرها ثمَّ متقبّلا ثمَّ مناضلا. فإذا هو في محاولةِ الإخلاصِ لحقيقتِه، إنّما يخلصُ لحقيقةٍ جماعيّة أشملَ وأعمقَ وأعرقَ. حقيقةٍ لا تنكرُ الهويّة الفرديّةَ ولكنّها لا تخلّصُها من أثرِ الجماعةِ. ألا نلمسُ في هذا مرّة أخرى صوتا قوميّا يحاول أن يتأسّس على أنقاضِ جماعيّة اشتراكيّةٍ "متهوّرة" وجب تجاوزُ خيباتها؟ المقارنة حاصلةٌ بالفعلِ من خلالِ ديَيْ وتلميذِه شياو سر، خصوصا في مشهدِ الخليلتيْنِ والملكِ في الكواليسِ. وهو مشهدٌ عظيمٌ آخرُ في تفاصيلِه وجماليّته. نرى خلالَه الممثلين وقد تضاعف عددهم بشكل غير مسبوق يُجرون زينتهم على وجوههم في ممارسةٍ عُمّاليّة للفنِّ، وبمثل ذلك تناقلت الأيدي البروليتاريّةُ خوذة الملكِ حتى وصولِها إلى ديَيْ. لقد كانت نتيجةُ الصّراع بين الخليلتيْن محسومة سلفا بفضلِ هذا التناقلِ. وهي نتيجة تراجيديّة دون شكٍّ، انهزمت فيها الفكرةُ الأصيلةُ أمام نسخة سخيفةٍ يمثّلها شياو سر، ذلك اليتيمُ الّذي لم يُنهِ تكوينه، واندفع بصبيانية وجهل نحو أفكارٍ لا يكادُ يفهمها ونحو مشروعٍ لا يعرفُ مغبّته. يصوّرُ المخرجُ كَيكه في شياو سر، خيبَتَه الأولى الّتي اقترفها شابّا وندمَ عليها. وهو ندمٌ صادقٌ في ما يبدو وإن كان موافقا للسّياسات العامّة للدّولةِ. 
 
وداعا يا خليلتي، هو قصّةُ الخليلةِ يُو وملِكها المهزومِ. وهو قصّةُ دْيَيْ ورفيق دربه شياو لو وغريمته جوشان. وهو أيضا قصّةُ بلدٍ يخلعُ بدلةً فشلَ في تقمّصها ويحاول أن يستعيدَ بدلته القديمةَ، عسى أن تشفع له أمام الآخرين، فيروْنه بغير صورتِه المكروهةِ. لقد حاولَ الفلمُ أن يعيدَ الاعتبار إلى الفردِ دون تجاوزِ الجماعةِ فاستنبط صورةً أقرب إلى القوميّةِ الأوروبيّةِ ذات القيمِ الكونيّةِ. ومن خلالِ مخرجِه بدا وكأنّ الصّين تروّج إلى عهدٍ من الحرّيات الجزئيةِ، يمكنُ فيها للفنّان أن ينتقدَ تجارب الحزبِ الواحدِ الفاشلةِ، أو أن يخوض في المواضيع الّتي تبدو محرّمةً أو جريئةً. لكنّنا نعرف أنّ الحزبَ ما كان ليسمح بهذا لو كان فيه تعارضٌ مع سياساته. ونحن نعرفُ أيضا، أنّ ذلك يحدث في فترةٍ وُصمتْ فيها الصّينُ بمجزرة تيانانمان الشهيرة (1989). لا يقلّلُ كلُّ ذلك من جماليّة الفلمِ ولا من بديع تركيبه أو جمالِ تفاصيله، ويكفيه قيمةً أنّه قدّم لنا أحد أجمل الشخصيات في تاريخ السينما، وأنّه عرض علينا وإن بإيجازٍ ملحمةَ شعبٍ يحاول أن يخلصَ لذاتِه.

------

العنوان: وداعا يا خليلتي (الملكُ المهيْمنُ يودّعُ خليلتَه) 

المُخرج: تشن كَيْكَه Chen Kaige

البلد: الصّين

السنة: 1993

المدّة: 171 دقيقة

البطولة: لسلي تشونغ Leslie Cheung، جانغ فنغ-يي Zhang Fengyi، غونغ لي Gong li

 

ملاحظات:


1 جيني كْوُكْ واه لاَو Jenny Kwok Wah Lau - وداعا يا خليلتي : التاريخ والميلودراما والإديولوجيا في السينما النّاطقة بالصّينيّة. Farewell My Concubine: History, Melodrama, and Ideology in Contemporary Pan-Chinese Cinema

2 اِهتمَّ فلمٌ شهيرٌ آخر بقصّة Puyi وهو رائعةُ برتولوتشي "الامبراطور الأخير" The last emperor 1987

Translate