Sunday, July 6, 2014

نشيدي أنا

أُقَاسِمُ طَــيْرًا فُتَاتَ المَدَى،
وَأَرْسُمُ سِرًّا مَسَارَ الهَرَبْ.
وأذبحُ خَوْفِي إِذَا مَا بـَـــدَا،
وَأُرْسِلُ كَفِّي وَرَاءَ السُّحُبْ.

أَأَسْمَعُ صَوْتِيََ خَلْفَ الجِبَالْ؟
أَأَقْرَأُ حَرْفِي بُعَيْدَ الزَّمــَـــنْ؟
وَفِيمَ يُفِيدُكَ فُرْطُ النَّـــــوَالْ؟
إذَا مَا اصْطَفَاكَ بَيَاضُ الكَفَنْ

لِي أَمَلٌ مَاجِنٌ مُسْتَحِيـــــــلُ،
عزمُ بــاقٍ وَمُهْجَةٌ لَا تُطِيــعْ
وَالمِدَادُ المَارِقُ والخَلِــــــيلُ
لِي رَقْصَةُ طِـــــــفْلٍ رَضِيعْ

دُرُوبِي؟ لَسْتُ أَعْرِفُ مَا دُرُوبِي
وَوَاحَتِي، حِينَ يُرْهِقُنِي المَسِيرُ
مَتَى سَافَرْتُ قَدْ يَمَّمْتُ صَوْبِي
وَأَرْضِيَ حِينَمَا الحِلُّ الأخِـــيرُ

آوي حُرُوفًا فَتأويني،
أسحبُ روحي من تليدي
أعيدُ ملامحي و تكويني
و الحيّ يولد من رمادِ

أُقَاسِمُ طَيْرًا فُتَاتَ المَــــــدَى،
وَأَرْسُمُ سِرًّا مَسَــــارَ الهَرَبْ
وَإِنْ سَأَلُوا أَيْنَ يَمْضِي الفَتَـى
فَقُولُوا أَبْعَدَ مِــــــــــمَّا كَـتَبْ

"قضية".. تراجيديا الدراما التونسية (مقال هادف)

حينما تسمع حديثا عن مسلسل تونسيّ، فكن على يقين من أنّك في رمضان. يبدو أننا ننتج المسلسلات التلفزية لسببين : لا بدّ من مسلسلات تونسية في رمضان فهكذا جرت العادة، و لا بدّ لأهل الدراما من عمل يحصلون بموجبه ما يمكنهم من العيش (عيشة النجوم طبعا، لأنه يجب أن يكون في كل بلد نجوم تلفاز).
و قد جرت العادة الكريمة أن ينجز مسلسلان قصيران في رمضان، كلٌّ لفترة أسبوعين، لحكمة لا بأس بها في نظري، فنحن لا نملك ثقافة الكتابة أصلا، و من يكتب خمسة عشر حلقة يمكن له أن يفتخر بإنجازه لسنين طوال. و لم يشذّ عن ذلك إلا كتبة قلائل، خابوا في بعض الأعمال، و نجحوا في أعمال أخرى. كما أن انجاز عملين يبقي الانتاج الدرامي في مرحلة تجريبية تجعل من كل عمل جديد أشبه بمخاطرة، خصوصا مع جمهور مزاجيّ و عسير الإرضاء كالمتفرّج التونسيّ. لذلك عوض أن ينتج عمل واحد قد يخيب، ينتج عملان قد يخيب أحدهما و ينجح الآخر.

إحدى تلك الخيبات التي أحدثت لغطا طويلا بعدها، أو ربما شرخا ظلّ هناك إلى اليوم.. عرضت في رمضان 2003، أعني بها دروب المواجهة، و هو إسم لا يوحي بشيء تقريبا، لكن شخصيات المسلسل قد يذكرها بعضهم : مصطفى العدواني صاحب المصنع الطيب، الساذج، لطفي الدزيري المحتال الطماع الذئب، فريال قراجة الصحفية اللامعة صاحبة المبادئ و الجمال و الأخلاق و كل تلك الأشياء الجميلة و زهير الرايس حبيبها و الذي لا يصلح لشيء إلا لأنه ابن مصطفى العدواني صاحب القضية.. لمن لم يذكر المسلسل فأعتقد أن ما دار بمخيلاتكم هو كل المسلسل تقريبا.
المسلسل بسيط، تلك البساطة المبتذلة، التي لا تصلح للارتقاء بالذوق بقدر ما تصلح للتعرف على مدى هبوط الذوق. صور تتكرر تقريبا مع بعض الاجتهادات المحتشمة، كأداء لطفي الدزيري مثلا. كان هناك شبه اتفاق على فشل المسلسل، لكن الحيرة كانت في تشخيص الفشل. لم يجد الإعلاميون (لأن كلمة النقاد لا تليق بالمرة) سوى اعتبار العمل "خياليا" و لا علاقة له بالواقع. أحدهم قال إن صحافة الاستقصاء غير موجودة في تونس، و أن هذا الأمر غريب عنا. و كانت إجابة أحد الممثلين أن من يريد الواقع، فليفتح النافذة صباحا. أما اللوم الأكبر الذي حاصروا به العمل، فهو خلوّه من "قضايا كبيرة".. 

طبعا أنا لا ألوم الممثل على نظرته المغرقة في العمق للواقع و الخيال، و لا ألوم الإعلاميين على العته التحليليّ الذي يلملمونه، لكنّ الأكيد أن هذه الكلمات البسيطة مثلت حجر الأساس الذي تقوم عليه الأعمال الدرامية أساسا، و أعتقد أن الأعمال التي شذت عن هذه الضوابط هي الأعمال التي نجحت، و هي أعمال نادرة جدا.
عمل هادف، فن ملتزم، قضايا كبيرة، جرأة شديدة، هي كل الصفات التي بتنا نقيس بها جودة الدراما. و صار الكتاب و المخرجون في سباق محموم أيهم يحشو عمله بأكثر عدد ممكن من القضايا، أيهم يتجرأ أكثر. أذكر قولة شهيرة للممثلة "الجريئة" فريال قراجة : أنا أول من ظهرت عارية الكمّين في التلفزة التونسية. أعتقد أن الجرأة الفنية نحت نحو هذا تماما. لم يعد الفن يتعلّق بالكيف، و إنما يتعلق بالكمّ. لا يهمّ كيف تجرّأت و لكن المهم أن تتجرأ. لا يهم كيف صورت رؤيتك للقضية، المهم أن تصور الكثير منها.

ما زاد من انحراف المشهد، هو التفاعل الشعبيّ. في بلد تمارس فيه الجريمة بالسترة، لا إعلام، و لا دولة، فإن الخلط بين العمل الفنيّ و البرنامج الاجتماعيّ أو السياسيّ، أمر وارد جدا، بل و عاديّ. تجاوب الناس مع برنامج اجتماعيّ يروي لهم ما خفيَ من الفضائح، مثلما تفاعلوا مع المسلسل الذي قدّم في السنة نفسها، و أعني به صيد الريم. مع العمل الكبير الذي قدمه الممثلون (عدا شقيقة البطلة التي اختفت تقريبا بعد ذلك) فإن أغلب الناس تعاملوا مع المسلسل كما تعاملوا مع قصص "سي عبد الرزاق"، و لا لوم هناك.. لكن المثير حقا، هو ردّة فعل منظمة الأعراف حينئذ. ثار مديرو مصانع النسيج و اعتبروا العمل اهانة لهم و لسمعتهم، ربما كان هناك مبرّر اقتصاديّ وراء رد الفعل، ذلك أن الصحافة تحدثت في تلك الفترة عن هجر الكثير من الفتيات لمصانع النسيج.
دور الدراما أن تؤثر فعلا على الواقع، دورها أن تفضح، و تصور ما يحدث، و حينما نقول تصور ما يحدث، فلا يعني هذا صورة النافذة التي تحدث عنها الممثل، فتصوير الواقع ممكن بعين الخيال، أو بريشة الخيال، أو بألوان الخيال، هو ذاك الفنّ اساسا. لكنّ حادثة صيد الريم، عبرت عن مشكل آخر تماما، مشكل تعامل التونسيّ مع العمل الفنيّ، إذ دائما ما تظهر صورة برنامج "المنظار" في الأذهان و نحن نشاهد أي شيء تقريبا. أي مسلسل يجب أن يحشر بالقضايا، لمتابعتها، هوس شديد بالفضائح و المشاكل، ثم التفاعل الشعبيّ و غير الشعبيّ مع عمل دراميّ كأنها قضية رأي عام حصلت بالفعل. هل يصدق التونسيون ما يحصل في المسلسلات بالفعل، أم إنهم لا يصدقون ما يحصل في البرامج الاجتماعية؟ 
و لو أن المسألة توقفت عند التفاعل الشعبيّ لهان الأمر. رمضان لهذه السنة، جاءنا بطرفة جديدة أبطالها أعوان السجون، حيث ثاروا على ما اعتبروه اهانة لهم و تزييفا للحقائق و تشويها لمهنتهم في مسلسل "مكتوب" (الجزء الستون على ما أظن). و لو أنني لم أشاهد ما صور المسلسل تحديدا، إلا أنني على يقين أنه لم يصور ما يحدث حقا في السجون، و لن يفعل لأن مجرد فعل ذلك يستوجب قطع الصوت و تشويش أجزاء من الصورة قد تتجاوز 50% منها.. و حينما نفذ أعوان السجون إضرابهم احتجاجا، تساءلت في دهشة إلى متى؟

إلى أن نتوقف عن اعتبار الفنّ حكومة تكال له ملفات التونسيين الحارقة ليعالجها، و نكف عن ربطه بالقضايا كأنه لا يعمل إلا وفقا لذلك. إلى أن نتوقف عن حصر الفنّ الملتزم بالوطن، كأنّ الالتزام بأية فكرة أخرى هو ضرب من الانحلال أو الانحراف. هو أن نتوقف عن اعتبار الفن هادفا أو غير هادف. لقد أودت هذه الرؤية المبتذلة إلى تفضّل الفنانين علينا بالتزامهم.. "لقد غنيتُ للوطن"، "لقد قلتُ شعرا عن مشاكل الوطن"، "لقد كتبتُ مسلسلا عن القضية".. كأنهم يفعلون ذلك حتى لا يؤخذوا بانحلالهم.. تصبح أعمالهم تفضّلا، و مطيّة، لا خلقا حقيقيّا منبعه ذات الفنان، و روحه القلقة. تصبح قضاياهم، تسجيل حضور حتى يترك و شأنه و يسكت الحاقدون.. 
ما "القضايا"؟ ماهو السؤال الذي لا يعتبر "قضية" و متى يسمح للسؤال بارتداء ثوب القضية؟ حينما يحب شاب ما فتاة مثلا، ألا تعتبر "قضية"؟ حينما يحلم طفل أن يطير، أليست قضية؟ بعضهم قضيته الوحيدة في حياته، أن يغيّر بيت الاستحمام، و أعتقد أن مسلسلا مصريّا صوّر ذلك بالفعل، و بكيفيّة ستعجز عنها القمرة (الكاميرا) التونسية لسنوات عديدة أخرى...
ما القضايا؟ و لماذا نسمّي فكرة ما قضية، و لا نسمّي أخرى كذلك؟ هل القضايا أيضا "بوجوهها"؟ هل للقضايا معارف يتكفلون بتقرير أيها الأهم و الأضخم؟ في الواقع، تحشر القضايا في الأعمال التلفزية كما هي، مادة خام متخشبة مهترئة، إنها حاضرة بوجودها لا بمضمونها، لذلك ينزع صاحب العمل، إلى الزجّ بشيء ضخم، شيء من الضخامة يمكن للناس أن يروه و يشهقوا، إن التفاصيل الصغيرة، تحتاج إلى عمق أكبر من أصحاب هذه الأعمال، و أحيانا أعمق من المشاهد التونسيّ، لذلك فهي نادرة الحدوث ككوكب الأرض، أو كشاعر تونسيّ.

حينما تأتي بقضية "ضخمة" و تلقي بها وسط المشهد، فلن تحتاج إلى تعديل العدسة، و تغيير زاوية الرؤية و المسافة، لن تحتاج إلى إخضاع المشاهد إلى تجربة مرئية مختلفة، أو إلى لمسة فنية شخصية جدا.. من منّا يحفظ أسماء مخرجي الأعمال الدرامية التونسية أو كتابها؟ لا أحد تقريبا، فكلهم متشابهون، كلهم يخضعون إلى كراس شروط ينقذهم من الحياد و الشخصنة. كلهم يبحثون عن الموضوعية في الفنّ، و هي جريمة يفترض أن يصادر بسببا العمل، حفاظا على صحة الأجيال القادمة. تصوروا، فنّا موضوعيا. هذا هو الخبل الذي تبثه الدراما التونسية، لاحظوا المواقف و الصور و الأفكار، و أمدّوني بموقف واحد يعكس اختلافا شديدا أو طرحا خاصا لا يتفق حوله الغالبية. جميعها مواقف يتبناها الرأي العام، حتى لكأن كتاب المسلسلات هم أقرب للصحافة من الأدب. هل تفرض الجهات المنتجة ذلك على اصحاب الأعمال؟ أم إن هؤلاء خوفا من المشاهد يحاولون كسب ود الجميع باللاموقف؟

حينما أتذكر مسلسل الخطاب على الباب، لا تتبادر إلى ذهني أية قضية جريئة، بل لا أذكر أية قضية (بالمفهوم المتعارف عليه) على الإطلاق. و كل ما أستحضره، هي مجموعة الشخصيات الفريدة و الفذة، و تطورها طوال العمل، و مشاكلها التي في غالبها مشاكل داخل الشخصية نفسها، و ليست مع شخصيات أخرى (سطيّش، عبودة، حفّة، الشيخ تحيفة..).. لم يقترن العمل قط بقضية ما، و لم يبد أن هدفه أصلا تذكيرنا بتلك المشاكل التي نعيشها و نراها كلّ يوم بالفعل، و مع ذلك فقد حقق العمل نجاحا لا يختلف فيه اثنان، و بات مرجعا للدراما التلفزية التونسية.
لماذا انقلب المشهد، و لماذا تغيرت المقاييس و الصيغ؟ ربما لأن عليّ اللواتي (كاتب الخطاب على الباب) كان فلتة مثلا، كان الاستثناء وسط كتابات هي أشبه بالتوثيق منها للخلق و الابتكار. و ربما لأن التيار غالب، تيار الرأي العام الذي لا أدري أيوجهه الإعلام أم يتوجّه به.. الأكيد أن الفنّ لن يتغير قبل أن تتغير العين التي تراه، و تقيّمه..



Friday, May 30, 2014

اللامعقول المعقول و اللامعقول اللامعقول

قد يحدث أن يقابل المرء خلال قراءة (أو مشاهدة) قصة ما (رواية، فيلم، مسرحية، أو أي عمل فني يصوّر حكاية ما) أمرا لا معقولا، أو لا ينسجم مع بقية السيناريو. أعتقد أن الحكم على هذا "اللامعقول" في العمل الفني يختلف بحسب طبيعة العمل، و بحسب تعامل المبدع (القاصّ، المخرج، المسرحي الخ) معه.
لا أتحدث هنا عن اللامعقول الذي يتبناه العمل أصلا، و يعتمد عليه، مثلا كإعادة الديناصورات في "الحديقة الجوراسية"، أو ثورة الآلة التي تتميز بالذكاء الصناعيّ في الكثير من أعمال الخيال العلميّ، أو مختلف المسائل العجائبية في روايات "هاري بوتر" .. هذا النوع من اللامعقول يؤسس للعمل نفسه و لا يمكن تقبل العمل بدونه، أحيانا ـ كما في نوعية قصص هاري بوتر ـ كلما زاد العامل العجائبيّ، كلما ازدادت متانة الرواية و تميزها. إنما أتحدث عن لامعقول في سياق العمل الفني نفسه، و في اطار قبولنا بافتراضات العمل و شروطه.
 
يكون حينها اللامعقول مقبولا، إما لأنّ العمل نفسه كوميديّ الشكل، أو يعتمد في أسلوبه على المبالغة أو الإفراط في اللامعقول، فهذا قد يثبت أن اللامعقول هنا مقصود و مراد و ليس عفويا.
أما حينما يكون عفويا، فيمكن تقبله حينما يُبدي المبدع وعيا بلامعقولية ما قدمه، إما بطريقة ضمنية و إما مصارحة. أما غير ذلك، فلا يمكن اعتباره إلا ضعفا في متانة العمل، خصوصا إذا قامت الأحداث فيما بعد على ذلك "اللامعقول"، إذ كلّما اعتمدت الحكاية عليه كلما وهنت.
الحكاية قالب العمل الفنيّ و متنه، فالرواية أو الفيلم ليسا مجرد حكايات و حسب، و هذا أمر مفروغ منه، لكن من قال إن الشكل أمر ثانويّ؟ و ما يفرق بين العمل الفنيّ و بين المقال الفكريّ أو الفلسفيّ الجاف غير "الشكل"؟

الأمثلة تحتاج إلى دراسة و جرد دقيق للكثير من الأعمال، سأحاول أن أستحضر بعض الأعمال المعروفة على الأقل و أغلبها من عالم السينما. سأبدأ بمثال عن اللامعقول المقصود المراد، أجل Kill Bill كما خمّنتم و سينما تارانتينو بشكل عام غنية بهذا النمط، في فيلم Kill Bill تقاتل The Bride عصابة الـ 88 بمفردها في مكان مفتوح تقريبا، لا اختباء، لا هروب، فقط بعض المناورة و الكثير من الدهاء، و كاتانا قاطع من إهداء الأخ هتّوري هنزو. أعتقد أن طلقة رصاص واحدة كانت كافية لانهاء الفيلم هنا، لكننا نعلم جيدا أن تصوير مشهد قتال على طريقة الساموراي و بهذا الحجم هو أصلا من غايات الفيلم، ثم إن سياق المشهد يجعله ايحاء للسينما اليابانية القديمة ما يجعل اللامعقول حقا هو أن لا يتمكن البطل من انهاء مبارزة مستحيلة لصالحه. في سياق كهذا، يصبح اللامعقول معقولا جدا، بل و أساسا للعمل الفنيّ.

في نفس الفيلم أيضا، أمر آخر لامعقول تجاوزه الكاتب عبر التصريح بلامعقوليته، و هو نجاة البطلة من طلقة مباشرة و قريبة في الرأس. و في الواقع يمكن أن يحدث ذلك في حالات شديدة الندرة، ربما ليس عبر اصابة مباشرة و قريبة بهذا الشكل، أهمية هذا الحدث في السيناريو، أنه الحدث الذي يقوم عليه العمل كله تقريبا، لكن الكاتب نوه جيدا بلامعقوليته عبر مختلف الشخصيات التي عبرت عن اندهاشها من نجاة البطلة، ما جعل اللامعقول ممكنا.

أما عن اللامعقول الذي يمكن أن يعبر عن وهن أو تهاون، فيمكن العودة إلى أخطاء "حرب النجوم" الكثيرة، و أهمها الانفجارات التي تصمّ الآذان في قلب الفضاء، و هي أمور يصعب غفرانها لعمل يصنف كخيال علميّ. فلا يوجد في سياق الحكاية ما يوحي بأننا نتحدث عن فضاء غير الفضاء الذي يسبح فيه درب اللبانة، أو أن فيزياءه غير فيزيائنا، و هو لامعقول ليست له انعكاسات سيئة على بقية الأحداث، لكن له انعكاس سيّئ في التقييم.

لو عدتُ إلى تحفة تارانتينو Kill Bill مرة أخرى، فسأذكر في "المجلد الثاني" قنص Budd للبطلة من وراء الباب، حيث أصابتها القذيفة في صدرها تماما، و ألقت بها عاجزة عن الحراك. المفروض أنها حينما دفنت، كانت بحالة صحية سيئة، تنزف على الأقل، لكن بدا أن تارانتينو نسيَ ذلك تماما، كما يفعلون في الصور المتحركة. حينما خرجت من التابوت (بقوة يحسدها عليها الأصحاء) لم يبد أنها تعرضت لطلقة بندقية أبدا!

أما اللامعقول الذي قد يعصف بالقصة تماما، فتستحضر ذاكرتي فيلم The Sting الشهير، بطولة Redford و Newman حيث تقوم كل القصة حول عملية تحيل ضخمة تستهدف أحد الأثرياء المقامرين. تقوم عملية التحيل على محل قمار وهميّ، كل شيء متقن، و كان هناك اتفاق مع الكثيرين لتحضير العملية، حضور وهميون، كتابة عامة، مقامرون، شرطة، الخ، الغريب في الأمر أن المقامر و هو شكاك بطبعه، لم يسأل عن الإذاعة التي تنقل سباقات الخيل من داخل المحل، جاؤوا بمذيع محترف يحفظ تماما ما يجب أن يقال لكن أيكفي ذلك ليصدق أن هناك سباقا لا ينقله غير ذاك الراديو، و لا توجد أخباره في الجرائد و الاذاعات؟ كان من الممكن تجاوز اللامعقول عبر التعبير عن استغراب البطلين من انطلاء اللعبة على الرجل. لكن ذلك لم يحدث.

فيلم The appartement الحائز أيضا على الأوسكار، يقوم أساسا على فكرة شقة موظف بسيط باتت مطمع جميع رؤسائه في العمل، و المسألة طبعا رمزية جدا، و تحمل معان كثيرة، لكنني أعتقد أن الأمثولة مهما بلغت درجة عمقها فهي تعتمد أساسا على متانتها الداخلية، و في أمثولة The Appartment نجد أن أيا من رؤساء البطل، كان قادرا على منح نفسه شقة كتلك، أو على الاقل شراء تلك الشقة نفسها، و اجبار البطل على العيش في مكان آخر. مرة أخرى كان بالامكان تفادي هذه المسألة عبر مبادرة البطل مثلا باقتراح بيع الشقة و ايجاد سبب مناسب للرفض.

فيلم Equilibrium يقوم أساسا على فكرة اختفاء المشاعر من الناس لأنها سبب مشاكل البشر. لا وجود للمشاعر تماما في هذا العالم، مع ذلك يرفع أحدهم صوته، بينما يتساءل الآخر حانقا، و يرتاب آخر في تصرفات البعض.. هذه مسائل تعصف بالفيلم تماما و تجعل من متابعته عبثا تقريبا.

اللامعقول اذا ليس ضعفا بحد ذاته، و إنما طبقا للسياق الذي جاء فيه، و مهما عظمت أفكار النص أو العمل، و مهما حضرت الرمزية في صوره و أحداثه، فإنّ للشكل قيمته، و إن للقصّ صنعته التي لا يجب أن يتهاون فيها. و التركيز عليها ليس سطحيا و لا اقتصارا على "القصة" كما قد يقول البعض و إنما تأكيد على قيمة الشكل في تبليغ المحتوى، و الا فلم اختيرت القصة شكلا للتعبير؟ 


Saturday, May 10, 2014

اللغة البسيطة

تلقى هذه الكلمة خلال تقديم "الخروج عن الخط" في بنزرت الذي استضافته ودادية قدماء معاهد بنزرت .

 
أحاول أن أستنبط تحية بحجم اللقاء، تحية تتجاوز جوعا سوسيولوجيا للسلام بما هو هاجس يتشكل عبره المجتمع و ينفرط، و بما هو معنى قاعديّ لا يفي بما ينتظره المرء من ودّ و شوق و حماس للقاء في عبارة مقتضبة، تحيّة تتجاوز أملا مبهما بالخير اطلاقا و تعميما، لا لتجاوز الصور النوعيّة أو النمطية للخير، حبيسة التاريخ و الجغرافيا، و لكن لقصور في رؤية الخير نفسه، و تكاسل يحول دون أن نعنيَ حقا ما نقول. أحاول أن أستنبط تحية بحجم اللقاء، و أن أسوق من ورائها حديثا ـ كهذا الحديث ـ معقد التركيب، مكثّف اللغة، متداخل العبارة، يشقّ على السامع و ينهك القارئ، حتّى إذا بلغ معناه، لم يجد غير تحيّة ضمنية تعبّر عن سعادة القائل و عجزه عن ايجاد قول بليغ.

لماذا تعقيد الأمور اذا؟ لماذا نجنح إلى أن نقول في خمسين سطرا ما يمكن أن يقال في عبارتين بسيطتين؟ قد تكون اللغة أداة للتورية بقدر ماهي أداة للتواصل، لكن هذا الضرب من التعبير (أعني الذي يعتمد أساسا على التعقيد و البهرجة) ليس فيه لا تورية و لا إخفاء. و إنما ـ كما بدا لي دائما ـ لا يعمل إلا عمل البدلة الأنيقة التي قد تخفي بساطة صاحبها. و المحتوى إذا كان بسيطا فلن تفلح في انقاذه البهرجة.
و حينما بدأتُ في إعداد "الخروج عن الخطّ" في 2012، كان تساؤل "بأية لغة سأكتبُ" يتردّد في ذهني كلما ازداد الكتيبُ سطرا جديدا. إن اللغة ـ لغتنا ـ لا تكاد تتغير في كتبنا، بينما الناس يتغيرون، القراء يتغيّرون، و العالم لا يكتفي بالتغير، بل كأنه يولد من جديد في كل مرّة ظننا أننا نسايره. و بينما رمّم الكاتب في المشرق طريقه إلى القراء من جديد، لا تزال هوّة لغويّة تفصل الكاتب في المغرب العربي عن قارئ يتذكر أنه عربيّ مرة كل عشرة كتب فرنسية أو عشرين.

الكتابة باللغة العربية في تونس باتت عملية ملغومة ـ في زمن الألغام ـ من كل جانب، أما كتابة القصة فبعضهم للأسف لا يزال يعتبرها عبثا، و مسألة ليس فيها الكثير من الجدّ، و هذه قضية شائكة أخرى. أذكر أن أحد الصحفيين علق ساخرا على صدور عمل روائيّ : "بعضهم يجهد نفسه في تحليل الخارطة السياسية، بينما لا يزال هؤلاء يتسلون بالقصص". تخيلوا إذا معنى أن يكتب أحدهم قصصا، و باللغة العربية.
و بعيدا عن قيمة أدب القصة، و ما سببه افتقارنا ـ كشعب ـ إليه و إلى مادته من رداءة نراها في كل مكان من حولنا تقريبا، فإن اللغة هي خطّ المواجهة. فأغلب القراء العازفين عن الكتابات العربية، تعاني علاقتهم بلغتهم الأم من سوء فهم تاريخيّ. و لقد لمستُ ذلك من خلال اندهاش بعضهم و هو يجد يسرا في قراءة الكتاب و ربما الاستمتاع به.

في زمن ظهر فيه المنادون باستقلال اللهجة التونسية كلغة قائمة بذاتها (و أنا أحترم آراءهم لكنني أحاربها بشراسة) من الضروريّ على اللغة أن تثبت قدرتها على احتواء لهجاتها المتعددة و المتنوعة. و العامية التونسية كلهجة عربية في نهاية الأمر، تحاول بفعل هذا العصر المريض أن تنحرف عن جذورها، لذلك كان تفاعل شخصيات الكتاب في ما بينها، تذكيرا بصلة الرحم هذه، و محاولة لرأب الصدع بين أم و ابنتها، أو بين أخت و أختها. و هو ليس ابتكارا بقدر ما هو اختيار، بما أن استعمال اللهجة العامية ليس جديدا على الكتابات العربية، لعلّ أشهرها أعمال يوسف إدريس أو رواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم.

إن تبسيط اللغة لا يعني تبسيط الشكل، فالمبنى و ان ارتبط بالمفردات المعتمدة، و العبارات المشكّلة، يتجاوز ذلك إلى بنية النصّ، أو ربما إلى النص نفسه. تتحول القصة إلى فضاء تتشكل فيه الأفكار، أو الأسئلة أو المعاني. لذلك لاحظتُ أن الخروج عن الخط كان أحيانا مراوغا قد يدّعي بساطة ليست فيه دائما. ممّا ينتج عنه سوء فهم كان يمكن تفاديه منذ البداية. إنني لا أدعي هنا إن هذا النص عميق موغل في العمق أو ثري بالغ الثراء، فقد يكون سوء الفهم منبعه قصور في التعبير أو خلل في التبليغ، لكن ملاحظتي المستمرّة لتفاعلات القراء مع النصّ، تدفعني إلى الاعتقاد أن بساطة اللغة تفهم أحيانا على أنها بساطة في النصّ نفسه، فيتهاون القارئ في قراءته و الحال أن الكاتب، شابّ، يافع، صغير، مبتدئ، قاصّ، يخطو خطوات الأولى في عالم الكتابة، إلى غير ذلك من الأوصاف.

الخروج عن الخط تجريب في اللغة، مثلما هو تجريب في القصّ، فالأقصوصات العشر التي ستواعدونها واحدة واحدة هنا، تختلف كلّ منها عن الأخرى تماما في نمط السرد و في أسلوب الكتابة، لذلك لا تقنطوا إن خاب أحد المواعيد، فلعلّ الموعد التالي هو ما كنتم تنتظرون.


Tuesday, April 8, 2014

أسلحة معاصرة

حينما التقينا في ساحة (سان ميشال) المتألّقة ليلا كالذهب، التقيتُ فيه ذكرياتنا الصاخبة، و روحينا المندفعتين بين جموع الطلبة الهادرة.. دعاني إلى مجلسه الصغير. توقف "السان" قريبا يتابع تدفّق الذاكرة من بين أعيننا. أما هو، فأشار إلى الحسناء الجالسة بجانبه، و قال :"راشيل، صديقتي." ابتسمتُ و أنا أسألها :"يهودية؟" فقالت بفرنسية أنيقة :"لم أعد كذلك. منذ غادرتُ تل أبيب تغيرت أشياء كثيرة." استدرتُ مندهشا إليه، فارتبك و لم يعرف كيف يرسم ابتسامته. و حينما سألت في استغراب "ماذا؟" استسمحها و هو يأخذني بعيدا، أو قريبا إلى النهر. قال لي في انفعال :

"ألا تتغير؟ لماذا كل هذه العداوة؟"
"هل غادرت تل أبيب نهائيا؟"
 ارتبك قليلا، لم يعرف ما يقول. نظر إلى النهر الصامت و قال "هي إسرائيلية، قد تعود ربما، أعني، قد يتوقف الأمر على علاقتنا. لكن ما لك و هذا؟ ما دخلها بالحروب؟"
"ألا تذكر تلك الشعارات التي هتفتَ بها صبيّا؟"
"صبيّا! ها قد قلتها! ألا تكبر يا رجل؟ لم تقتلنا إلا الشعارات، ماذا فعلنا بالشعارات هه؟ هل تريد أن تحاربهم؟ اذهب و احمل سلاحك، ماذا تفعل في هذا المكان الساحر؟"
ثمّ صمت و كأنّ كلامه لم يجد له صدى في قلبه الصدئ، فواصل حديثه متشنّجا "الحرب اليوم اختلفت، إذا أردتَ أن تحاربهم، فحاربهم بعلمك، بتقنيتك، بتأثيرك على المجتمع الدوليّ، أما العنتريات فلن تفيد شيئا."

"إذا أردتَ أن تحارب عدوّا، فعليك أن تذكرَ أولا أنه عدوّك. أهي باريس التي سلبت روح المقاتل فيك، أم هو أنت اتخذت شكلك النهائيّ؟ اِسمح لي، لكن السلاح سواء كان سيفا، أم قلما، لا يحمله إلا محارب. أما أنت فتثغو. حينما تمنحك الحياة عدوّا قويا، فالأجدى أن تشكر السماء، و أن تحارب. لكنّك تحبّ أن تحيا قطيعا، أن تأكل في سلام، و ترقد في سلام. علم؟ تقنية؟ تقدّم؟ تحضر؟ هذه تفاصيل ثانوية. أما ما يهمّ، فماذا ستفعل بالعلم و التقنية؟ هل ستحارب عدوّك؟ أم ستذعن له؟ أم ستقبّله في فمه، و تترشّف دم أخيك من شفتيْ سفّاحه؟
هل تسخر من أولئك الذين حملوا سلاحا رخيصا أمام أعدائهم؟ ربما كانوا حمقى، ربما كانوا يجهلون أن العوزيّ يصنعه أعداؤهم، و أنه لن يغير شيئا أمام ترسانة نووية. لكنّهم محاربون. إنهم يدافعون عن حقّ جيناتهم في البقاء، أما أنتَ فلا تملك شيئا من هذه الأنانية النبيلة. أنت وليمة تتلذّذ بما يقدّم إليها من كلإ في موائد السلام.
المحارب الحقيقيّ لا يتوقف عن القتال، حتى و إن بات عاجزا عن حمل سيفه، و حتى إن علا سيفه الصدأ، و حتّى إن صار زمن الليزر و الكمبيوتر. المحارب الحقيقيّ، لا ينسى، و سيكتب على جيناته حكاية معركته، و يرسم فيها صور المجازر، و أسماء الضحايا، و تواريخ المحارق، و خرائط الأرض.. المحارب الحقيقي و إن أقعده الزمن عن القتال، سيحارب الزمنَ في عيون أبنائه.


أنت تدعوني إلى أمر آخر. أنت تدعوني أن أنسى، أن لا أرى الدماء على وجه هذه الفتاة حتّى يمكنني تقبيلها. أنت تريدني أن أنسى، و ها إني سأحاول. من أجلك."
ثم صمتت قليلا، قبل أن أقول مندهشا :"عذرا من أنت؟ لا يبدو لي وجهك الغضّ مألوفا."

و حينما غادر المكان حانقا، استدرتُ إلى النهر المتوقّف عندنا، لكنّه لم يكن هناك أيضا..

مجزرة جنين نيسان ـ أفريل 2002

Translate