Friday, April 27, 2012

تونس تــ9ــرا .. في الكار الصفراء..

و خير جليس في الزمان كتابُ!
ردّدتها في حماس مرزوقيّ متفائل و انا اتأبط كتابي إلى خارج المنزل.. اليوم سنعلن عن وجودنا نحن اصحاب هذه العادة السرية المخجلة .. سنمارس اليوم شعيرتنا على الملأ بعدما اضطهدنا سنينا و سنين.. وداعا لاعوام المهانة و التهكم.. وداعا لايام الرعب و القراءة ليلا تحت اللحاف..  و اخفاء ما ملكت يميني من كتب عن الرفاق . اليوم سأعلنها و ليذهب الكافرون به إلى الجحيم...

أي موقف ذاك الذي وقفته أمام أبويّ و أنا اصارحهم بالحقيقة!
"أنا قارئ"
"ما أنت بقارئ!"
"أنا قارئ"
"ما أنت بقارئ! لم نر منك كتابا و لا صحيفة، و كنت دوما مطيعا لا تعرف غير كتب الدراسة"
و حينما رأوا "عودة الروح" بين يدي.. ذهبت الروح عن وجوههم .. و ضرب أبي بكفيه في أسى و مضى مكرّرا "ضاع ابنك يا امرأة.."

كنت قد قررت أن أمارس شعيرة طالما حلمت بها : أن أقرأ في الحافلة.أجل، تماما كما يفعل الناس في أوروبا واليابان! وما يضيرني أن أفعل ذلك؟ هي ذي الحافلة قادمة، وهو ذا كتابي في يدي. على بركة الله!
كنت أتخيّر في مخيّلتي أيَّ مقعد سأتخذه في الحافلة. وراء السائق، حيث يصطف كبار السن، عند نافذة مفتوحة، حتّى أنعم بشمس الفكر وشمس البلاد، أو في مقعد خلفي معزول عن الآخرين... الآخرين! الآخرون طرقوا باب مخيلتي في عنف و خلعوه، و اقتحموا الحافلة وأفكاري بنفس الحماس! "بالشوية! بالشوية!" كان من يصيح بها هو نفسه يدفع امرأة من أمامه و يعصرني على باب الحافلة بمنتهى الاتقان و التفاني! بينما امرأة أخرى تصرخ بما أتاها الله من دعوات صباحية مباركة أغدقتها على الجميع... ربّاه! هل أنا في الحافلة؟ كيف حدث هذا؟ أي سرّ بديع وراء هذا الالتحام البشري المهيب الذي يدخل به الناس الى الحافلة؟! هكذا من دون أن تحرك قدميك، تتلاقفك الأجساد بفعل الحبّ والعناق والقصور الذاتي إلى داخل الحافلة، فتجد نفسك في المكان الذي يجب أن تجلس فيه... أعني تقف فيه.

لم يكن المكان مختلفا جدا عن ما رسم بمخيلتي. صحيح أنني لا أرى الشمس، ولكن الحرارة متوفرة بكثافة. وصحيح أنني بعيد عن السائق ولكن صراخه يبلغ مسمعي. كما أنّني وإن لم أكن بمعزل عن الناس، فوضعيتي وسط كومة الأجساد ما كانت لتسمح بالاهتمام بهم... لا بأس، لن يفلّ عزمي، وسأقرأ هنا! أين يدي اليمنى؟ اه الكتاب في يدي اليسرى، رفعت الكتاب الى أقصى ما تسمح به المساحة، لم أرَ الغلاف، من الواضح أنه لم يرافقني في غمرة الدخول الثوري. لا بأس، لا تهم القشور، لأقرأ، لأقرأ، لأثبت لهؤلاء أن خير جليس (حتى وقوفا) في الزمان كتاب! أنه يمكننا أن نعيش كالألمان و السويديين و البريطانيين، وأننا لا نفوقهم تحضرا لو قررنا ذلك!
لم أكن محتاجا للاعتماد على عمود ما لاجد توازني، فكومة الأجساد لا تسمح بالسقوووووووووووووووووووط.. "بالشوية!" صرخ بها أحدهم و قد وجدت نفسي ملقيّأ عليه... إنه منعرج أحب السائق أن يمتعنا به. اِعتذرت وأخفيتُ الكتاب عن ناظريه. كنتُ أبحث مرّة أخرى عن العمود الذي حدّثونا عنه في الأساطير، حينما عرجت الحافلة يسارا وفي هذه المرة، كانت امرأة بين ذراعيّ... نظرت إليّ في استنكار وخيّل إليّ أن الكارثة ستحدث، لكنّها أشاحت بعينيها في استسلام لقدرها البائس وحاولت أن تجد لها مكانا بعيدا عن المتحرّشين أمثالي. أردتُ أن أخبرها أنها هي من ارتمت عليّ وليس العكس، أردتُ أن أخبرها أنّ آخر ما أرغبُ فيه هو التحرّش بوحش لوخ نس في ظروف كهذه، لكنني أعرف "شهامة" الرجل التونسي. لو أعجبتْ أحدَهم هنا، فلن يترك لي فرصة شرح ما حدث، وسيبدي لها من البطولات ما يحرّر القدس... سأقرأ، سأقرأ! 

"خويا تونس؟"
كان هذا مراقب التذاكر! كيف وصل إلى مكاني؟ ربُّك الجبار أعلم! هو الشخص الوحيد الذي يرى الحافلة بشكل كنيسة، المؤمنون الفرحون يمينا يسارا والبساط الأحمر بينهما يخطو عليه ويسأل الناس في تودد و حنان... "تي نكلم فيك! ما تسمعش؟!"
"اه سامحني، تونس تونس!"
لكن المشكلة بالنسبة لي، كانت البحث عن طريقة أخرج بها المال من جيبي... أين أنت يا توم كروز! كيف تفعل مثل هذه المستحيلات؟! أين جيبي؟ أين جيبي؟ "تي هيا!" هاهو الجيب! ولكنّ أحدهم صرخ بصاحبه المستند إلى كتفي : "صاحبي، باش ينشلك!" اِستدار الرجل إليّ مذعورا وهمّ بالمسك بقميصي حينما صرخ المراقب "تي جيبُه هو موش جيبك! دور أخطانا مالمشاكل!"
"وين تعرف على البلاء؟ قداش مقرين؟"

نجوت من مشكلة جديــــــــــــــــــــــــــــــــــ... عفوا ... ــدة.. توقفت الحافلة، و بدأ صراع الطّلوع و الهبوط، تماما كما في كرة القدم التونسية، كلُّ السبل متاحة حينما يفتح الجحيم أبوابه، و مع الغبار المتصاعد، خلتُ أنّ هناك من ألقى بالشماريخ بالفعل! لكنني سأقرأ! دفعني أحدهم وسط محاولاته البائسة بلوغ الباب قبل أن يغلق، و رمقني آخرُ بنظرة فيها صبر كثير وتجلّد وقد وطأتُ قدمه، و لكنّني سأقرأ... وعاد المراقب إليّ وهو يصرخ " باش تخلص توة و الا نهبطك؟" أنزل قبل أن أقرأ في الحافلة؟ هذا محال! مرة أخرى تمتدّ إلى جيبي وعيناي ترقبان لألّا أخطئ الجيب فتحدث الكارثة. قدّمت له ما تيسر من المال، فأعاد إليّ ما تعسّر على جيبي من العملات: رجّة أخرى، وفتًى يرتطم بيدي فتنتثر العملات ضاحكة برنّتها الساخرة على قاعة الحافلة... و تذكّرت عنوان الفليم الشهير "Catch me if you can."  
لا أقدر طبعا، و قلت، ربما في المحطات القادمة ستخف الوطأة، ويمكنني التقاط العملات... ناولني المرقب تذكرتي، فحاولت أن أضعها بين صفحات الكتاب، وأقرا... كان الكتاب قد استحال إلى كومة أوراق بائسة، و اكتساه العرق من كل عابر سبيل التصق به، لا يهم، إني لقارئه!
 

"يا ولدي مشني مخلص، بالسيف؟ ثورة قامت والكيران ما حبتش تتصلح؟ الى متى؟!"
"مالي و مال الثورة يا ولدي؟ برة اعتصم هاوكة الوزارة قدامك، تدخل لكار أنا فيها، تخلص يا ولدي."
"مشني مخلص، هاو حومة موشنا مخلصين، باهي؟"
"يا حمادي دور للمركز دور!"


وتعالى صراخ الناس مطالبة بالتجاوز، لكن من الواضح أن الأمر لن يمر بسلام! وتدخل بعضهم يحاول الحسم، بل إنّ أحدهم اقترح أن يدفع من جيبه فقط كي تستمر الحافلة في طريقها لأنه تأخر كثيرا عن العمل. لكن بدا أنّ الخصمين رجلا مبادئ، ولن يحيد أحدهما عن رأيه، وارتفع الصراخ من هنا وهناك، والحافلة تعرج إلى قسم الشرطة... كنت أحب أن أقول إنّ الفوضى عمّت المكان، وإنّ الهرج والمرج صارا طاغيين، لكنّي للاسف لم ألاحظ تغييرا فالفوضى حاصلة والهرج والمرج هما طبيعة الأشياء هنا...

"أيا اهبط!" 

إذا ما أنا بقارئ فعلا! تماما كما قال لي والداي... ما أنا بقارئ والفوضى تعمّ الثورة، ما أنا بقارئ والحافلة الصفراء تحاول جاهدة الانتحار يسارا أو يمينا، ما أنا بقارئ مادام بعضنا يركب هذه الحافلة و يرفض مدها بمال الوقود، ومادامت هي تأخذ منا أكثر مما تقدم لنا... في هذه الحافلة تُفتك المقاعد، و يتحرش الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ويشتمك من دفعك، ويسحب الناس بعضهم بعضا سحبا إلى اليمين، ثم يدفعونهم دفعا إلى اليسار... في هذه الحافلة الركوب للاقوى، والنزول لمن يحسن المراوغة، والمال للنشال والمراقب، والمصير بيد السائق وحده... مادامت الحافلة صفراء معلولة، ومادامت الرحلة بهذه الفوضى، فما أنا بقارئ أبدا... وعليّ المراوغة و النزول...
 

وقبل وصول الحافلة الى المركز، اِنفتحت الأبواب لنزول بعضهم، و نزلنا. لم أجد بقية مالي، فابتسمت ساخرا "يا للمفاجأة!" و تأملت ما بقي من "عودة الروح" فصمتت في حزن، والتساؤل يكبر فيّ "متى تعود الروح؟" هنا رأيت فتاة تدخل إلى الحافلة وكتاب في يدها. ملت برأسي لأرى العنوان. وابتسمت و أنا أقرأ :"عصفور من الشرق." .. فقلت في نفسي مبتعدا : عسى ذلك يوما...



Tuesday, April 24, 2012

غزوة تونس .. 7 (حكاية صباحية، ما قبل النوم..)

----------------------------------------
 1
(لو كنت ملولا بطبعك، و لا أمل فيك فانتقل إلى القسم الثاني مباشرة.. )
----------------------------------------

ـ صابروا، صابروا فالنصر قريب!


صرخ بها أحد المعتصمين أمام مبنى التلفزة الشامخ عن ربوة المنار، فردد الناس وراءه "الله أكبر! الله أكبر!"
لم يكن واثقا من النصر و الحق يقال، فالمطالب صعبة المنال و الناس داخل المبنى أثبتوا فشلهم و عمالتهم و قلة حيلتهم لتطوير المشهد الإعلامي حتى يوافق المسار الثوري. الاخبار لا تزال كما هي، نفس الموسيقى، نفس المقدمين تقريبا، و نفس الرتابة، ضيق استوديو التصوير ينتقل إلى صدره، و يخنقه كلما شاهد أنباء الثامنة مساء، و شبكة المراسلين لا تأتي إلا بأخبار الشؤم.

ـ تونس 7 يا حقيرة! أين أنت مالجزيرة؟!

أين هي من الجزيرة؟ حيث تكتسب موسيقى بداية النشرة سحرا فريدا تعدّل عليه مواعيد الناس و لقاءاتهم! أين هم من شبكة مراسليها الضخمة التي تغطي بكل حماس نشاط الحكومة! هؤلاء اناس مخلصون يتفانون في خدمة المشاهد العربي أيا كان، كنا نتابعهم وقت بن علي فلم يبخلوا على المعارضة بمساحة للحرية، في وقت كان هؤلاء يتسابقون ككائنات المني الدقيقة لارضاء ربهم المخلوع.. 

ـ الشعب يريد، تطهير الإعلام!

لقد صرخ الشعب بهذا أيام الثورة* و سيظل يصرخ حتى يطهر الأعلام تماما من الرجس النوفمبري، و يتقهقر أبناء عبد الوهاب عبد الله ليتركوا الة القمرة أو الكاميرا لـ... 

كان تائها يبحث عن بقية لخواطره حينما نادى مناد : لقد انسحبوا ! انسحبوا!
هاج الناس و ماجوا، و اندفعوا إلى داخل الاسوار، و قد تراجع الأمن و قد بدا مستسلما فجأة.. ما الذي يحصل؟


ـ أوامر قالوا لنا خلوهم على راحتهم..
ـ و صحافة العار؟
ـ غادروا من الجهة الخلفية.
ـ الله أكبر!

و عانق الشرطيَ في حرارة على هذا الخبر الخرافيّ، و اندفع مع الناس إلى داخل المبنى و قد بدأت الأحلام تغزل القصص في اركان مخيلته.. 

ـ شوفوا لنا شكون يقل لنا شنوة نعملو.

سمعها فأسرع يجمع الناس و يخاطبهم :
ـ الواضح أنه تركوها لنا و هي الآن ملكنا، و نحن، الشعب، سنقدر ما يجب فعله لادارتها. سنقدم اعلاما يستحق أن يدفع له المواطن الضريبة. الاعلام هو مشكلة المشا..
ـ شنوة نعملو؟


كان السؤال واضحا  و لا يحتاج إلى كلام ثوري بهذا الحماس. و بدأ يستوعب أن الكلام الثوري لا يسمع إلا خارج أسوار السلطة. هنا، من الواضح أن الناس لا تسمع إلا ما تقوله الأيدي.. و لو أراد الحفاظ على سلطته و أحلامه، فعليه أن يقول شيئا أكثر عملية و وضوحا..


ـ خليل! أعلن من أستوديو الانباء أن التلفزة تحررت و انها اليوم ثورية تماما، و انها ستعود للبث حالما تتشكل هيئة وقتية للاعلام العمومي!

كان كلامه بداية جيدة، تهلل لها الجميع و قد أحسوا أن بينهم رجلا يعرف جيدا ما يجب فعله، كان هذا مهما كي يطوق الجميع إلى مجلسه فيظلوا عقدا واحدا لا ينفرط.. الآن عليه أن يصنع التاريخ!

----------------------------------------
2
(كلام ثقيل، و افكار تثير الصداع، لو كنت قليل التركيز فانتقل إلى القسم الثالث..)
----------------------------------------

بماذا نبدأ؟ باستدعاء الصحفيين الشرفاء طبعا، فهو لم يأت ليعمل صحفيا، بل يرشد الصحفيين إلى ما ينبغي فعله! هاتوا لي زهير مخلوف، و سهام بن سدرين، لقد كانا مناضلين زمن بن عليّ و يمكن التعويل عليهما، لا يصلحان للتقديم؟ هناك سمير الوافي، إنه صحفيّ متمرس، لم يدرس الصحافة؟ لتذهب الدراسة إلى الجحيم ما الذي قدمته لنا؟ كان تجمعيا؟ لكنه محايد اليوم و يقول كلمة الحق.. لا بأس به لا بأس به! لا تنسو المراسلين، نريد مغامرين من طينة خميس بوبطان، نريد أناسا يحسنون العمل على الميدان. و قال قائل : 
ـ مجالس الثورة! 
ـ أجل يمكن الاعتماد على تقاريرهم كمراسلين قارين للقناة.
ـ و يمكن أن يتكفل أدمينات صفحات الثورة بالتحرير.
ـ ها قد بدأ شلال الأفكار! دونوا ! دونوا!

ثم هرش برأسه و قد تذكر أمرا ثم قال : هناك ذلك الفتى الفذ، الذي أشعل النار على مدوني العار في القصر الرئاسي، أتذكرونه؟ ماذا لو يعيّن مقدما لبرنامج حواري؟
ـ و ماذا نترك لأمان الله اذا؟
ـ لا، أمان الله يمكننا اعتماده كمستشار صحفيّ مثلا
ـ و ماذا عن المؤهلات؟
بصق الفتى تأففا و صرخ محنقا

ـ أي مؤهلات يا رجل؟ و هل يملكها سفيان بن حميدة؟
انفجروا ضاحكين للملاحظة، بينما واصل هو أسئلته ..

خط التحرير؟ كيف يكون خط التحرير؟ يجب أن نعجل بهذا قبل أن يأتي موعد الأخبار! هل جاء الصحفيون الذين طلبناهم؟ بعضهم؟ لا بأس، حسن عمّ نتحدث في الانباء؟ لا نريد انحيازا يا سادة، نحن نريد كلمة الحق فحسب يا سادة، شيئا من العدل و ليأخذ كل حقه. لا نريد صحافة بن علي، و لا نريد صحافة كل همها هو التقريع، التوازن التوازن هو كل ما نحتاج إليه!
ـ أقترح أن نراوح بين خبر مع الحكومة و خبر ضدها.
رمق بعضهم صاحب الاقتراح العبقريّ، بينما واصل هو قطار أفكاره... يجب أن نذكر انجازات الحكومة تباعا مع المشاكل الموجودة، هذا يطمئن المواطن، و يجعله يحس أن هناك نظاما في هذه البلاد و أن رجالا يسهرون عليه فعلا..
ـ ماذا عن نشرة اليوم؟ عن اي الانجازات سنتحدث؟
هرش رأسه مرة أخرى و قال :
ـ عن التشغيل مثلا، كم عاطلا عن العمل تم تشغيله الى اليوم؟
نظر الجميع بعضهم إلى بعض في حيرة باحثين عن جواب..
ـ حسن ماذا عن المشاريع المنجزة؟ هناك مشاريع حتما..
صمت مطبق قطعه صوت ضعيف :
ـ المصفاة قيل إنها ستجهز قريبا..
ـ هممم، و ماذا عن القتلة؟ ألم تصدر أحكام بعد؟
ـ صدرت في حق بعض المخربين الذين حرقوا مراكز الشرطة..
ـ ليس سيئا، لنبحث أكثر، ماذا عن جرحى الثورة؟ ما رأيكم لو قمنا بتقرير عن الذين ارسلوا للعلاج في قطر؟
ـ جيد جدا، سيتعاون القطريون معا، و نعد تقريرا باحترافية الجزيرة!
ـ هذا ما نريده فعلا. اهتم بالأمر، و لا تنس أن تطلب منهم أن يشكروا الحكومة، لا تسمح لهم بذكر الجبالي، لا نريد الشخصنة أرجوكم، نريد كلمة الحق فحسب!
و أطرق قليلا و قال : ربما علينا البحث عن احد الجرحى الذين لم يتلقو علاجا بعد، هذا سيجعل الأمر اكثر توازنا.
ـ لا بأس عددهم يفوق الثلاث مائة، لذلك لن يمثل العثور على أحدهم مشكلة كبيرة..
ـ ماذا فعلت الحكومة أيضا؟ رموز الفساد؟ هل حوكم أحدهم؟ 

ـ كلا
ـ رجال الاعمال المتورطين؟
ـ كلا
ـ ماذا عن القناصة؟
ـ لا خبر

ـ الاموال المنهوبة؟
ـ يقولون إن الابحاث سرية
ـ عمّ سنتحدث اذا؟ لا نريد الاكتفاء بالمشاكل!
ـ يمكن متابعة النشاط الرئاسي، لا أسرار هناك!
ـ فكرة جيدة، النشاط الرئاسي هو دوما تبدأ به نشرات الأخبار عادة!
ـ اذا، النشاط الرئاسي، ثم بعض مشاكل النقل او السكن، اشياء لا نضغط بها على الحكومة، و انما من باب التذكير بأن النقائص موجودة، ثم ذلك التقرير عن جرحى قطر، بعض المشاكل بخصوص ارتفاع الاسعار و نختم بنشرة رياضية و ثقافية.. لماذا الاطالة و النيل من ضغط دم المواطن؟؟!

ـ و ماذا عن شارة البداية؟ لقد سئمت تلك الشارة النوفمبرية!
فضحك و التمعت عيناه و هو يدندن في حماس موسيقى Requiem for a dream الشهيرة!


------------------------------------------------
3
(بصراحة لا يختلف كثيرا عن الفصل السابق في ثقله، و ان لم تملك الفضول لمتابعة ما حصل، فمرّ مباشرة للفصل الاخير..)
------------------------------------------------
برامج يوم الثلاثاء ..
ـ قرآن كريم بصوت الشيخ سعود الشريم

ـ أدعية الصباح
ـ برامج معادة
ـ صباح الخير يا تونس (بعض الاغاني، طبخ، حظك اليوم، قراءة الصحف، قراءة صفحات الثورة، صور متحركة)
ـ مسلسل تاريخيّ : سقوط الأندلس
ـ تونس منتصف النهار (اخبار)

ـ نشرة جوية
ـ اعادة برامج
ـ الشريعة و الحياة
ـ مسلسل مصري : الحاج متولي
ـ النشرة الجهوية
ـ صور متحركة
ـ برنامج سياسي
ـ أخبار الثامنة
ـ النشرة الجوية
ـ برنامج حوار في العمق مسلسل باب الحارة
ـ برنامج حوار في العمق
ـ برنامج دنيا الثقافة 
ـ اعادة برامج
ـ قرآن كريم و ختم الارسال



تأمل البرنامج و امتلأت نفسه فخرا بما أنجز! لقد صارت القناة ثورية فعلا! التحول واضح و كبير بمجرد تأمل البرنامج، لقد صارت القناة ملكا للثورة أخيرا، و غدا سيسمع المواطن ما يحب، و سيرضى حتما عن المال الذي يدفعه لها، و لتذهب صحافتهم للجحيم!
و لكن الثورة لم تنته أيضا يا اعداء البلاد! فهناك ميادين لم تتطهر بعد، و القضاء حتما ساحة المعركة القادمة! ليفتح الفايسبوك و ينتظر الاشارة فحسب.. لينتظر الاشارة...


------------------------------------------------
4
(بالله عليك، ملول و فاقد للتركيز و الفضول، كيف تريد أن تقرأ شيئا؟ ماذا تفعل في هذه المدونة؟!)
------------------------------------------------

Saturday, March 24, 2012

في الخلافة...

يقول التقويم الميلادي، أن اليوم يوافق الذكرى الثالثة بعد المائتين و ألف (1203 لمن ترعبهم طريقة القول السالفة) لوفاة هارون الرشيد خامس الخلفاء العباسيين، و خليفة العصر الذهبي للدولة الإسلامية. و هو أمر لا يمكن أن يمر دون تفكّر فيه و نحن نشهد ما نشهد من أفكار بعضها ألفناه و بعضه قد لا يمكن أن نستسيغ مسمعه قط.

و الحق أن مجالستي لبعض النقليين (السلفية لو شئتم التسمية) يوم الاستقلال، و استماعي إليهم، ما دفعني إلى التفكر في أمر هارون الرشيد. كانت بداية جدالي مع أحدهم، أنه راح يتحدث عن هارون الرشيد خليفة المسلمين، البطل العظيم الذي يغزو سنة و يحج سنة، التقوى و الفروسية، كل ما يتمنى أن يكونه شاب مثل محاوري. و طبعا لم يفته أن يحدثني عن احدى الحكايا التي أخذ بعضها عن الطبري فجمّلت و حيكت كما فعل الناس من قبله في ألف ليلة و ليلة.. فأخبرني بأمر الرسالة الشهيرة التي أرسلها هارون إلى نقفور (Nicepor) ملك الروم (بيزنطة) يجيب فيها تهديداته بقوله :"من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام". و ختمها طبعا بقوله إن هارون الرشيد غزا روما حينئذ!

و بعيدا عن الفوضى التاريخية التي كانت تعتمل في ذهنه، فقد كان على يقين أن هارون الرشيد ما بلغ من المجد إلا لقوته السياسية و العسكرية، و أن الدولة الاسلامية حينئذ بلغت مداها و أوج وحدتها. و أن ذلك سبب العصر الذهبي. و هذا التفكير بنظري يلخص تقريبا الحلم السلفيّ الذي لن يتحقق بنظرهم إلى بإعادة تحقيق المسببات (خليفة، دولة اسلامية، غزو، شريعة الخ) في محاولة لتطبيق القاعدة الفيزيائية الشهيرة.

لا أحب أن أناقش هذا الفكر المرتكز أساسا على الأراجيف التاريخية التي تكتب على المنتديات الشعبية، و صفحات الشبكات الاجتماعية المضحكة، و لكن أعتقد أن من المهم العودة إلى هذا الخليفة الذي قد يعتبر الاشهر بين كل الخلفاء، و قد تجد من لا يعرف أن عليّا كرم الله وجهه كان خليفة للمسلمين، لكن الخلافة اقترنت بهارون كما لم يفعل رجل مثله. فما الذي فعله و لم يفعله غيره؟
فقط للتذكير فالدولة البيزنطية تعتبر الجزء الشرقي من الامبراطورية الرومانية القديمة، و توجد أساسا في تركيا و ما جاورها، بينما وجدت في أوروبا الغربية ممالك أخرى أهمها مملكة الفرنجة و صاحبها شارلمان. و الدولة البيزنطية كان يائسة تحاول الصمود في وجه المد الاسلامي،و الحق أنها منعت القسطنطينية عن المسلمين مئات السنين، قبل أن يدخلها محمد الفاتح العثماني. أما روما فكانت تتبع البابا و الامبراطورية الرومانية الغربية، التي أصبحت فيما بعد الامبراطورية الرومانية المقدسة، و يروى أن علاقة شارلمان بهارون الرشيد كانت ودية جدا !

اذا غزوات هارون الرشيد كانت تقتصر على الدولة البيزنطية المحاذية له، و هي غزوات مظفرة لكنها لم تبلغ أبدا منال المسلمين الأول : القسطنطينية. و لا يمكن بأية حال من الأحوال ان نصنف هارون مع الخلفاء الذين نشروا الإسلام كعثمان بن عفان و عمر بن الخطاب، و محمد الفاتح، و غيرهم من الفاتحين الكبار.كما أن الجبهة الداخلية لم تكن بذلك الاستقرار الذي نخاله، فهارون الرشيد لم يكن يوما سيد الأندلس، التي ظلت أموية في زمن الحكم العباسي بفضل عبد الرحمان الداخل. و في المغرب أقام الأدارسة مملكتهم المستقلة، و عمت الاضطرابات في افريقية و مصر بسبب هرثمة بن الاعين، فخير هارون الرشيد مساعدة إبراهيم بن الأغلب على اقامة دولة الأغالبة (المستقلة بالقرار) بالقيروان فيستتب الأمر و ترسل له الجزية. و في اليمن كان عليه أن يواجه ثورات لا تنتهي، بينما لم تتخلص دمشق من ولائها التام للأمويين، دون أن ننسى آلاف الأخبار التي تحدثنا عن مطارداته المستمرة للشيعة، و دعاتها..
ما الذي جعل من عصر هارون عصرا ذهبيا اذا؟ ألأن الناس عرفت معه رغد العيش؟ لا نخال ذلك صحيحا فالاخبار تحدثنا عن مجتمع طبقي جدا فيه العبيد و الحرفيون الصغار و التجار و العلماء و العسكر و الساسة الخ.. و أبو العتاهية يحدثنا في قصيد شهير قاله للخليفة المهدي شقيق هارون الرشيد عن احوال الرعيةفي ذلك العهد فلم يذكر فيها ما يسر و ما يمدح. فلم يضرب المثل بعصر الرشيد و لا يعرف أحد شيئا عن عصر عمر بن عبد العزيز الذي لم يترك جائعا الا وفاه حاجته؟

لكن مهلا، من هو ابو العتاهية؟ و ما دخله بخلافة الرشيد؟ انه احد كبار شعراء عصره و احد اغزر الشعراء العرب، و ان كان فارسي الاصل. اما علاقته بالرشيد، فهي علاقة الفرزدق بعبد الملك بن مروان مثلا. ابو العتاهية علامة مضيئة في الادب العربي اشعت زمن الرشيد. و لئن كان ابو العتاهية شاعرا "جادا" فإن زمن الرشيد عرف ايضا سيد الخمريات و احد عباقرة الشعر اطلاقا و نعني هنا أبا نواس. و تواجد كلي الرجلين جعل من الصعب تصنيف هارون الرشيد في خانة الخلفاء الجادين الزاهدين او العابثين المبذرين.
لقد شهد زمن هارون اكثر من هذين الشاعرين. فبيت الحكمة البغذادي الشهير تاسس على يديه. و ايضا سطوع نجم ابراهيم الموصلي العازف العظيم.

كما ان هارون من اكثر الخلفاء الذين تحدثت عنهم كتب الاخبار. احاديث متناقضة حتما تذهب من قمة المجون الى الورع الشديد. و تبقى اهمها حكايات الف ليلة و ليلة التي استهلكت الخليفة دون غيره حى الثمالة.
ان هذه الاعمال الفنية هي بالفعل من صنع هارون الرشيد. و ان ما فعله الرجل هو حركة الترجمة الضخمة التي واصلها ابنه المامون في بيت الحكمة. فانتقلت معارف الفرس و الروم و الاغريق و الهنود الى بوتقة واحدة اسمها الحضارة العربية الاسلامية. لقد قام هارون الرشيد بما هو اعظم من الفتح و السبي فصارت بغداد عاصمة العالم و قبلة طالب العلم و الحكمة. و حلم الفنان و الشاعر.

اليوم من يريد لمجد هارون الرشيد أن يعود، يجب ان يعلم جيدا ان هذا المجد لا يستقيم بحد السيف. بل بحرية الفن في التخبط بين ابي نواس و ابي العتاهية.
صورة لهارون الرشيد مع شارلمان ملك الفرنجة

Friday, March 16, 2012

شريعة الله، و شريعة النهضة.

الشريعة؟
هي أن تدعو إلى حكومة وحدة وطنية، ثم تقترح مسودة قانون تستأثر بها على السلطة التنفيذية و التشريعية و القضائية أيضا.

الشريعة؟
هي أن تنادي بتطهير البلاد من الفساد، ثم لا ترى مانعا في الابقاء على أحد رموز الفساد على رأس الدولة.


الشريعة؟
هي أن تقول إن شباب بلدك "يمكن يبيعوا البلد" ـ في لحظة يأس ربما ـ ثم تقول على الملإ إنك لم تقل ذلك قط.


الشريعة؟
هي أن تطالب بتجريم التطبيع قبل الانتخابات، ثم لا ترى داعيا لذلك بعدها.


الشريعة؟
هي أن تدفع الناس لمعاداة مطبّع تونسي لأنه من حزب منافس (و يستحق ذلك)، و تطلب المساعدة من مطبّع عربي خليجي انقلب على أبيه.


الشريعة؟
هي أن يعيّنَ الوزيرُ وزيرا بقدر السنين التي قضاها في السجون لا السنين التي قضاها في البحث العلمي.


الشريعة؟
هي أن لا يعيّن وزير لم ترضَ عنه دول قد تمنحك العطايا و قد لا تمنحك.

الشريعة؟
هي أن تتظاهر كل يوم جمعة من أجل وجبات ايديولوجية جاهزة، فتعطل السير و العمل، ثم تدعو على من قطع الطريق لأنه جاع و لم يعلموه كيف يحتج، بأن تقطع أطرافه من خلاف.

الشريعة؟
هي أن تعد الناس بالقصاص العادل قبل الانتخابات، و بعد الانتخابات، تتنكر لوعدك من أجل حفنة من الاموال لم يتصدقوا بها بعد و لن يفعلوا.

الشريعة؟
هي أن تعلن أن تحرير القدس قادم قبل الانتخابات، و بعد الانتخابات تسكت على مجزرة الصهاينة في غزة.

الشريعة؟
هي أن تستقبل إسماعيل هنيّة بالأحضان، و بمثلها تستقبل زميم الصهيونية و حاميها.


الشريعة؟
هي أن تدعيَ الكرامة، و تحتضن زميم الصهيونية و حاميها.


الشريعة؟
هي أن تعلم تماما أن انصارك سوف يظلون أنصارك، سوف يجددون لك ألف مبرر و مبرر،و انت تحتضن زميم الصهيونية و حاميها.

الشريعة؟
هي أن تطلب قرض ربى من أكبر مطبع مع بني صهيون تفوق فائدته قروض دول أخرى.

الشريعة؟
هي أن تطالب الإعلام العمومي المعارض بأن يكون محايدا، بينما لا يزعجك أن تدعوَ مؤسسةٌ إعلامية عمومية أخرى بالتظاهر لنصرة خيار سياسي يختلف فيه التونسيون.

الشريعة ؟
هي أن لا تجد خطرا في أن يحوز غير الجيش سلاحا ناريا يهربونه فيما بينهم لنشر "دعوة" ما.


الشريعة؟
هي أن تسجن بسرعة الضوء صحفيا بسبب حماقة رأي اقترفها، بينما يمر أسبوع دون أن تعثر على أحمق أهان رمزا سياديا على الملإ و أمام الجميع.


الشريعة؟
هي أن تطلب المعونة من دول كالسعودية و أمريكا و تأمل لنفسك شيئا من السيادة و استقلالية القرار.


الشريعة؟
هي أن تسأل بلدا غارقا في الديون حتى التقشف، أن يقدم لك معونة ما.


الشريعة؟
هي أن تبحث عن الاستثمار أينما كان، لا يهمك مصدرها و لا صاحبها و لا ميوله و لا ما يبغي، هي أن ترهن ثروة الفسفاط لشركة بريطانية، و ترهن ثروة النفط لشركة قطرية، ثم تزعم السيادة الوطنية.

الشريعة؟
هي أن تعد الناس بما لا تملك، هي أن تخطط من دون خطط، و هي أن تشغل الناس عن حيرتك و شحاذتك بسلسلة لا تنتهي من القضايا التي لا معنى لها.

الشريعة؟
هي أن لا يجرّم الفقر و يجرّم الفكر. هي أن تطول يد السارق و تقصر يد رب العائلة. هي أن تعنّف كل من يغيظك قوله أو عمله، هي أن تستبيح دم من لا تفهم كلامه، و تكفّر من لم تقرأ كتابه.


الشريعة؟
هي أن تزعم طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم فتعصيه، و هي أن تزعم حبك لأثر الصحابة فتُخالفه، و هي أن تقرأ التاريخ فتجهله، هي أن تظن أن أقوال بن تيمية أو غيره امتدادا للقرآن لا تفكّرا فيه.

الشريعة؟
هي ما لم يحدده أحد و ما لم يتفق عليه اثنان. و عوض أن تدعوَ إلى العمل على فهمه و ايجاد كلمة سواء فيه، تفرض تطبيقه (رؤيتك له) يساندك في ذلك أناس لم يتساءلوا قط، بل يخشون حتى من مجرد التساؤل...


الشريعة؟
أهي شريعة الله ؟ أم شريعة النهضة؟




Wednesday, January 4, 2012

حلّ !

أتحدث عن كليهما، عن المعنى الفصيح الذي من أجله أقمنا الثورة، و عن المعنى العامّي الذي يجب أن تنتهيَ إليه كل ثورة ناجحة اعتمدت أساسا على المعلومة الحرة!
الجميع يكتب اليوم عن المعلومة الحرة، عن الحكومة المفتوحة، ستجدون مقالات متنوعة بعضها يخوض في التقنيات المتاحة، بعضها يقدم صورة شاعرية تلهب القلوب، بعضها يستعمل الفرنسية، و البعض الآخر يحاول أن يقرّب المفهوم للعامة بلهجة دارجة سلسة (و إن كتبها بطريقة الاس ام اس التي لا استظرفها).
عليّ أن أكتب أنا أيضا، و أن أضيف شيئا للمادة الموجودة. سأكتب ربما للجيل القديم، الجيل الذي لا تمثل لغته الأم عائقا أمامه، لكنه لا يستوعب أفكار الجيل الجديد و لعله يعتبر الحديث عن المعلومة الحرة و الحكومة المفتوحة ترفا لا يمكن الخوض فيه اليوم. لذلك سأحاول أن أفسر بطريقة براغماتية ما جدوى المعلومة الحرة.

لنتفق أولا ماذا نريد من الثورة :
ـ نريد شغلا.
ـ نريد كرامة.
ـ نريد حريّة.

كيف نحقق هذه الأشياء؟ 
ـ نقيم نظاما جديدا غير فاسد : الحرية.
ـ يقطع النظام الجديد مع الاساليب القديمة حتى يحقق فعلا مطالب الناس : الشغل.
ـ يمكن محاسبة النظام الجديد و تغييره دون الحاجة إلى ثورة جديدة لو فشل في أمره : الكرامة.

لنكن عمليين و لنقدم أهدافا ملموسة: 
ـ النظام ديمقراطي يستمع إلى كل الآراء، المعارضة تقدم حلولا عملية، و الأغلبية تبحث عن مصلحة البلاد لا عن مصلحتها.
ـ القضاء عادل يضمن كرامة الناس، و حقوقهم.
ـ في كل موقع قرار يوجد الشخص الأنسب و يتخذ القرارات الأفضل.
ـ الرقابة موجودة.
و بالفعل هذا ما حاولت الثورة في تونس أن تحققه، رغم بعض الهنات هنا و هناك، لا كمال في الدنيا. و اليوم، هناك مجلس تأسيسي، و حكومة، و مجتمع مدني، و إدارة، و القضاء الجديد أيضا لن يلبث أن يتكون، لكن المشاكل لا تنتهي، سببها الأول انعدام الثقة. انعدام الثقة بين المواطن و المسؤول، انعدام الثقة بين المواطن و الأمن، انعدام الثقة بين المواطن و الحكومة، انعدام الثقة بين المسؤول و المسؤول أيضا، بل و انعدام الثقة بين المواطـن و مرشحه الذي انتخبه للمجلس التأسيسي!

لماذا انعدمت الثقة؟
لأن هناك بالفعل مسؤولين يعملون في الخفاء، و لأن هناك بالفعل قرارات خاطئة لا يمكن أن نعلم ما في ضمائر أصحابها، و الأهم، لأن الشائعات أغرقت البلاد منذ الثورة.. اخبار زائفة، صور زائفة، اقتطاع للتسجيلات بطريقة تخدم أطرافا ما.. الاشاعات التي اغرقت البلاد تسببت في كوارث، و لو تذكرون ما حصل في احدى الجهات حينما بلغهم أن هناك من سيرسمون خفية عن الآخرين.. أو حينما أخبروهم أن أحد رجال الحرس قد ضرب احدى المواطنات.. انعدام الثقة، يدفع المواطن الى البحث عن المعلومة في أماكن موبوءة تماما، كما الحال في الفايسبوك، موقع التواصل التونسي الأول.

المعلومة اذا هي المفتاح!
ـ يعتصم الناس في جهة قفصة بسبب نتائج المناظرة المهزلة للدخول للكبّانية. من المتسبب في نتائج المناظرة؟ لا أحد يعلم. كيف ستسوى الأمور؟ لا أحد يعلم. ما هو رأي نواب المواطنين المعتصمين في المجلس التأسيسي؟ اللهم أعلم و هم لا يعلمون.
ـ لقد انتخبت شخصا أو أشخاصا يمثلونني في المجلس التأسيسي بمواقفهم و آرائهم، لا أعرف إلى اليوم ماذا تحدثوا باسمي، و ماذا قالوا بلساني. هل يمكنني أن أجدد ثقتي لهؤلاء؟ لا أعرف!!! لأن المعلومة تنقصني!
ـ يعتصم الناس في قابس مطالبين بحقهم في العمل في المصنع. بعضهم يقول إن طاقة الشركة لم تعد تتحمل المزيد، بعضهم يقول إنها بالفعل بحاجة الى المزيد لكن السرقة قلصت من حجم سعتها. كيف السبيل إلى معرفة الحقيقة؟ بالمعلومة. أين المعلومة؟ في ركن ما، في مكان ما لا يمكن بلوغها.
ـ السلط المحلية أو الجهوية تريد بالفعل أن تساعد قدر الإمكان، لكنها لا تستطيع أن تعرف كل ما يدور في كل شبر من الارض.. على المواطن أن يبلغ، و أن يقدم المعلومة أيضا، لكن كيف يفعل؟ إلى من يذهب؟ كيف يتصرف؟
ـ المعلومة ليست وثائق القرارات فحسب، هي أيضا تسجيلات ما قيل، و صور ما حدث بالفيديو حينما يكون الفيديو ضروريا. المعلومة هي أرقام احصائية، سجلات بنكية، خرائط، المعلومة هي أيضا انعدام المعلومة، فنحن لا نعرف مالذي لا نعرفه تحديدا!

ـ ما قيمة كل هذا و نحن نتحدث عن الخبز؟ الخبز يا صديقي له مقدار من الدعم، يجب أن نتأكد أن لا احد يسرق منه. يجب أن نتأكد أن قيمة دعمه ليست قيمة عشوائية و انما للمقرّر مبرراته بشأنها. الخبز يا صديقي نستورد قمحه من دول أخرى، لا نعلم تكوينه و لا في أية مختبرات تم تغيير تركيبته، الخبز يا صديقي له وحدات توزيع لا نعلم أصحابها و لا مدى تأثيرهم في انقطاعه احيانا، و لا طريقة توزيعه على المخابز... الخبز الذي نأكله يا صديقي لا نعرف عنه شيئا، و مادمنا لا نعرف شيئا، فلا يمكننا أن نفهم إن كان حقا يساوي الثمن الذي ندفعه من أجله أم لا. و لا يمكننا أن نفهم إن كنا نزيد من ثمنه باحتجاجنا أم نخفّض.. نحن بحاجة الى تحرير المعلومة، إلى أن يكون كل شيء متاحا للمواطن، و الصحافة. لذلك كله نقول للحكومة : حلّ!

حلّ! و لكن كيف؟
ـ الـOpenGov أو الحكومة المفتوحة، هو المصطلح الذي أطلق على الحكومة التي تعتمد على المعلومة الحرة للتواصل مع المواطن. الشفافية المطلقة، هذه المرة ليست شعارا بل واقعا حتميا. تعتمد الحكومة المفتوحة على تقنيات الاتصال الحديثة (الانترنت، الهواتف الذكية، الخ) للتواصل المباشر مع المواطن، على المستوى المحلي و الجهوي و الوطني، تلتزم الحكومة المفتوحة بتقديم كل المعلومات الممكنة للمواطن، حتى يمكنه أن يحكم على مردود ممثليه في مختلف أجهزة الحكم، و حتى يخضع الجميع لسلطة الرأي العام، و حتى لا يمكن لأحد أن يعمل في الظلام.

ـ تقدم المعلومة في الحين، فتنتفي الاشاعات تماما و لا يعود لها وجود. و تنتفي العشوائية و التمييز و الوساطة و الارتجال.. لقد ظلم نظام بن علي الناس كثيرا رغم أن كل شيء موثق، لكنه كان يعمل في الظلال، و كانت المعلومة في صندوق مغلق لا يراه أحد.
ـ يجب أن يتم بث كل مداولات المجلس التأسيسي أولا بأول، و لا تستثنى منها مداولات اللجان الجانبية. لا نريد لعبا تحت الطاولة، نريد لعبا مفتوحا تماما!
ـ يجب أن يعتمد التصويت الالكتروني في المجلس التأسيسي، ليسجل تصويت كل النواب، و يمكن الاطلاع عليه فيما بعد و معرفة مدى وفاء النواب لوعودهم الانتخابية.
ـ يجب أن يبدأ العمل على بوابة حكومة ضخمة تسمح بادراج كل المواقع الحكومة، بحيث تسهل وضع كل المعلومات الممكنة، و تمكن من التفاعل المباشر بين السلطة و المواطن.

عزيزي المواطن، المعلومة الحرة ليست ترفا، بل هي كما ترى، أساس "الخدمة على نظافة"، و هي ليست أقل قيمة من الشغل و الكرامة و الحرية.. بل هي من سيقدم إلى الجميع الشغل و الكرامة و الحرية، و لا مزية عربي.

عزيزي المواطن، ساند حملة "حلّ" و قلها دون مواربة "يا حكومة ! تي حلّ اللعب!"


Translate