Thursday, March 3, 2011

دولة اللادين بين التاريخ الأوروبي و المستقبل التونسي


صرت بحاجة إلى الكتابة. إن كل ما يحصل من حولي لا يمكن الا لقلم أن يطوّقه و يحتويه.. و حينما اعتقدنا أن النظام قد اتخذ له طريقا مرة أخرى بين شوارع الخضراء، عادت الاختلافات و التنديدات و الاحتجاجات، و عادت معها كل مظاهر الفوضى و خرق النظام، ربما بطريقة أكثر سوءا و روعا، ذلك أن الفوضى هذه المرة، قد غزت عقولنا أيضا، و بات السواد الاعظم من التونسيين لا يفهم أصلا أي جهة أحق بالاتباع من الأخرى..
و لأنني ككل التونسيين، حار دليل عقلي وسط كم المعلومات الرهيب الذي تمطرنا به صفحات الفايسبوك و شريط الاخبار الاحمر العابر بين الجزيرة و العربية و الوطنية، و لأنني عكس عامة التونسيين، احتاج لشيء من التدوين كي تنتظم أفكاري، فقد آثرت ترتيب جزء من "البيت الكبير" (و البيت الكبير هو ما أطلقه على رأسي الصغيرة في الواقع)، الجزء السياسي على الأقل، لعل ذلك يساهم أيضا في ترتيب أفكار الكثيرين ممّن هم بحالي.
إن ما أكتبه خلال هذه المقالات هو آراء شخصية و استنتاجات عن المعطيات التي أملكها. و لذلك فمن الوارد أن تحيّن الاستنتاجات كلما طرأ تحيين على المعطيات.


________________________________________________

تنامت قضية علاقة الدولة بالدين في تونس بشكل لافت مع جيل الثورة، ذلك أن هذا الجيل عموما هو وليد تيارين ايديولوجيين فشلت الدولة كبقية الدول العربية الأخرى في الجمع بينهما، و الأقرب أنها سعت إلى ذلك بابعاد الشباب عن الأنشطة الفكرية و عدم تشجيعه عليها، و التيار الأول أقرب إلى الثقافة الغربية متشبع بروح قوانين مونيسكيو، أو وجودية سارتر، أو ربما مادية ماركس الجدلية. أما التيار الثاني فهو إسلامي النزعة، اما انتماء حضاري لا أكثر، و إما انتماء دينيّ، و إما انتماء فكريّ يؤسس لخطاب سياسي أو فلسفي. و بعيدا عن تناول مسألة التطرف التي قد تطال كلي التيارين، بمختلف درجاتهما، فإن هذين التيارين يمثلان جوهرين شديدي التباعد رغم كل ما يظهره الشعب التونسي من انسجام كلي و توحّد ايديولوجيّ. و السبب يعود أساسا إلى تغييب كل فضاءات الحوار المتاحة للمسألة الايديولوجية. و التغييب يكون مقصودا في معظم وسائل الإعلام التي تمارس وظيفة تمييعية بالأساس، و يكون غير واع في فضاءات الحوار العفوية كالعائلة و المقهى. انعدام الحوار ساهم بشكل كبير في جهل بعضنا لبعض و من الطبيعي و الحال هكذا ان تحدث الصدمة حين تفتح أوّل بوّابة للحرية في وجهه. و يمكن اليوم تلخيص هذه الصدمة في ما حدث ذات أحد من شهر فيفري في مطار تونس قرطاج، حيث شهد المكان أضخم استقبال لشخص في تاريخه، و كان هذا الشخص هو السيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الاسلامية، لكن المكان شهد أيضا مجموعة مناوئة لحركة النهضة اتهمت الرجل بالارهابي و اعتبرت أن لا مكان للاسلام السياسي في تونس.
لقد كان قدوم الغنوشي منطلقا لسلسلة ضخمة من المجادلات الطويلة و الكثيرة و المتشعبة التي طالت معظم التونسيين و كانت تتمحور أساسا حول سؤال : أيجب أن تتبنى تونس اللائكية؟
و بعيدا عن حادثة الغنوشي، فإن السؤال حول اللائكية تفرضه تساؤلات حول هوية البلاد المنطلقة من جذور اسلامية، و المتلونة باللائكية البورقيبية. فمناصر اللائكية يعبّر دوما عن تخوفه من نظام شمولي على الطريقة الايرانية أو الأفغانية و يعتقد أن اللائكية هي الضامن الوحيد لحرية الأديان. اما معادوه، فيعتبرونه نظاما معاديا للاسلام و يهدف أساسا إلى طمس الهوية العربية الاسلامية أو لنقل مزيد طمسها.
و لا أزعم أنني أتخذ موقفا حياديا هنا، و لا أزعم أنني انظر إلى هذا أو لذلك نظرة من باب "المساكين ـ لاـ يعرفون ـ الحقيقة"، و لكنني لا أحب أن أسوق رأيا بدون التدرج المنطقي من المعطيات إلى النتيجة. و هكذا سأبدأ البحث بالتساؤل عن ماهية اللائكية.

اللائكية تعريف
توجد خلافات كثيرة حول ترجمة المصطلح إلى العربية، حيث يذكر أن أول من اعتمد مصطلح "العلمانية" كان يحاول أن يداري بها المدلول الأصليّ لكلمة "Secularisme" الانكليزية، و التي أتى بها فلاسفة الأنوار الانكليز و الاسكتلنديين كأول من دعا إليها كجون لوك و هيوم و سميث. و المدلول الأصلي يعني اللادين، و الدنيوية. و هو في الواقع مدلول معاد أساسا للكنيسة البروتستانتية. و مداراة هذا المفهوم وراء كلمة العلمانية بما تقرب إليه من العقلانية و المنطق و العلوم سببها لا يخفى على أحد في عالم يدين بالاسلام قبل كل شيء.
و هذه الازدواجية جعلت آخرين يحتجون على المصطلح و أكثرهم مغاربة فضلوا تعريب الكلمة الفرنسية بكل بساطة (بدون أوجاع رأس). و هي التي تعني الفصل التام بين "المدنيّ" و "الدينيّ" و هي معادية أساسا لكلمة "clérical" التي تحيل على قدرة القس أو رجل الدين على إدارة الحياة العامة.
لذلك كله سأعتمد في ما يلي مصطلحا أراه أقرب للمعنى و للغة العربية أيضا، و هو "الدنيوية".

و كما أشرت سابقا، فإن الدنيوية ظهرت مع فلاسفة التنوير في انكلترا و من بعدها فرنسا و ألمانيا و غيرها. و ذلك بين القرنين الثامن عشر و السابع عشر. فأي سبب حقق ذلك، و أي اشكال حتّمته الدعوة إليه؟ يذكر أن تركيبة المجتمع الأوروبي في تلك الفترة لم تكن هجينة كما الأمر اليوم، فتضم البروتستانت في بريطانيا و جيرانها و الكاثوليكيين في جهة فرنسا و جيرانها و أرثوذوكس في اوروبا الشرقية و جاليات يهودية معظمها فرّ من اسبانيا أو شبه جزيرة الإيبار بعد طرد المسلمين منها. و يروي التاريخ ان اليهود عاشوا في مجتمعات شديدة الانغلاق، لم يعرف التاريخ مثيلا لها، و لم تشأ الدولة الفرنسية مثلا الاعتراف بهم، و اعتبرتهم "المسيحيون الجدد" و حاولت استغلال نشاطهم الاقتصادي اللافت من خلال ضرائب خاصة. و كانت نظرة المسيحيين عموما لليهود دونية جدا، و يعتبرونهم أساسا المتسببين في صلب المسيح. كما أن لها أسسا تاريخية منذ عهد الدولة الرومانية المسيحية، حيث صدرت قوانين عنصرية كثيرة ضد اليهود منها قانون يجرم على المسيحيين التعامل مع اليهود ويدعوهم الى عدم التصادق معهم ، لانهم لا يؤتمنون على عهد ولا كلمة. و كثيرا ما تعرضوا إلى عمليات تطهير و ابادة عبر التنصير القهري أو القتل. و يمكن الاطلاع على ما ذكر فولتير بشأنهم، و هو الفيلسوف و الأديب المنادي بالتسامح و الانسانية، لادراك ما يمكن أن يكنّه رجل الشارع الفرنسي لهم. لكن فولتار يعتبر تقريبا الوحيد من بين فلاسفة التنوير الذي حافظ على معاداته لليهود، حيث نلحظ قطعا كبيرا لهؤلاء الفلاسفة مع هذه الفكرة. فمونتيسكيو يقرّ باضطهاد اليهود، و جان جاك روسو يهتم كثيرا بعبقرية موسى كرجل تشريع و رجل دولة، و ذهب دالامبار و ديديرو في موسوعتهما أبعد من ذلك باقرار حق اليهود في أرض فلسطين. و لا أعتقد أن هذا الاهتمام الفجئي بقضية اليهود جاء صدفة مع المطالبة بالدنيوية. كما لا أزعم ـ كما ذهب بعض الاذكياء بالسليقة ـ أن اليهود وراء المطالبة بالدنيوية. لكن أعتقد أن الاهتمام باليهود كان احدى الهجمات الكثيرة على الكنيسة. و هي في نظري المستهدف الأول من وراء المطلب "اللائكي". فالكنيسة كما نعلم نصبت نفسها وصيا وحيدا على المسيحية، تقدم للناس صكوك الغفران و تعزل الملوك إن شاءت و تنصبهم متى شاءت، في وقت اشتد سخط الناس على الكنيسة معتبرينها أبرز أسباب شقائهم، كان ضروريا المناداة بعزلها عن الدنيا و السياسة.
لقد ربح فلاسفة التنوير معركتهم على كل الجبهات التي ذكرتها، ففي سبتمبر عام 1791، منح البرلمان الفرنسي اليهود حقوق المواطنة، وحصل اليهود على عهد بالوفاء. ثم تم تحرير اليهود بعد ذلك في اليونان (في عام 1830)، وفي بريطانيا العظمى (في عام 1858)، وفي إيطاليا (في عام 1870)، وفي ألمانيا (في عام 1891). ورغم أن المساواة المدنية التي مُنحت لليهود كانت من قبل القانون، إلا أن يهود أوروبا ظلوا يلقون مضايقات من خلال معاداة السامية والتمييز الاجتماعي. لذلك جاء التحرير ممهدا مهما لتحييد الكنيسة تماما، و قد كان ذلك بالفعل اثر الثورات المتتابعة في بريطانيا و فرنسا و الولايات المتحدة، و بعد ذلك عند توحيد ايطاليا و ألمانيا في القرن التاسع عشر..
كل هذا يؤكد تماما أن الدنيوية كخصوصية للانظمة السياسية الجديدة، كانت تهدف أساسا إلى التخلص من الكنيسة المقيدة للحريات و تطور العلوم و كناهب للأموال و ناشر للجهلوت و عابث بعقول الناس. لكن هل هدفت إلى بناء مجتمع يقطع مع المسيحية؟ هل هدفت إلى القطع مع هوية أوروبا المسيحية؟؟؟
إن مراسم تعيين نابوليون بونابرت امبراطورا على فرنسا تثبت العكس تماما، و كل الشواهد اليوم في معظم دول العالم التي جاءت بالدنيوية، تثبت عكس ذلك تماما. فبينما تتصاعد موجات احتجاج عنيفة جدا في فرنسا و هولندا ضد أسلمة أوروبا، تمنع سويسرا بناء المآذن الذي قد يتعارض مع الصليب المتوسط لعلم الدولة المحايدة، اما في المملكة المتحدة فتعتبر الملكة اليزابث هي نفسها رئيسة الكنيسة البروتستانتية. و لن أتحدث هنا عن دولار الولايات المتحدة رمز النظام العالمي الجديد، حيث تؤكد عبارة "بالله نثق" (In God We Trust) لائكية النظام.
كل ذلك يجعلنا أقرب للاعتقاد أن الدنيوية كانت منفذا للتخلص من التبعية إلى الكنيسة و أحكامها القاصرة و الجائرة أيضا و منطلقا لتحقيق عدالة اجتماعية لم تعرفها اوروبا منذ هيمنة روما الكنيسية. لكنه لم يقطع أبدا مع الهوية المسيحية لا قصدا، و انما لاستحالة التخلص من كل انتماء حضاري و ايديولوجي. ان المسيحية التي عرفتها أوروبا في عصر الامبراطورية الرومانية المقدسة و من ثمة دول أوروبا ما قبل ثورات التحرير، هي مسيحية متشبعة بالحضارة الرومانية، و لنقل بشيء من الاجتهاد بوثنيتها، و اليوم تتخذ شكلا جديدا متخلصة من بعض متحجرات الفكر القديم، و متشبعة بأفكار جديدة أخرى.
إن مفهوم الدين الذي نقصده بالقول حينما نتحدث عن الدنيوية، محدود جدا، فهو يقتصر على المتعارف عليه من الاديان الكبيرة التي يعتنقها معظم الناس، لكن فكرة الدين أكبر من ذلك كثيرا، يمكن تحديد دين ما على أنه مجموعة من الاعتقادات "الميتافيزيقية" التي تقدم تفسيرا لماهية الانسان، و الكون، و مصيره ما بعد الموت، و أهم من ذلك تحدد الخير و الشر و تؤسس بذلك للأخلاق، أو لمجموعة القيم التي تنتهجها المجموعة. و بذلك فلنا أن نستنتج أن المسيحية الاولى التي ظهرت في اوروبا، مخالفة للمسيحية الكنيسية، و كلتاهما مخالفتان لمجموعة القيم الجديدة التي جاءت بها ثورات التحرير، يمكن اذا أن نطلق على هذه القيم، دينا آخر، لا يزال في الواقع متشبعا بالكثير من القيم الحضارية المسيحية القديمة، لكن انضافت إليه قيمة الفردية (الفرد جوهر المجتمع) مثلا، و الحرية الشخصية و قيم أخرى. هذه القيم يعتبرها الدنيويّون وضعية، خلافا لقيم الأديان المتعارف عليها التي يعتبرونها قيما لاهوتية أو سماوية. و هنا لي أن أتساءل : ان كانوا يقرون بسماوية القوانين، فكيف يعترضون عليها؟ و إن كانوا ينكرون ميزتها السماوية، فأين ميزة القيم الوضعية التي أتوا بها؟ غير أنني أحاول أن أذهب إلى أبعد من ذلك، و أتساءل عن "وضعية" القيم التي تبنتها الدنيوية. فمثلا، ساد النصف الثاني من القرن الماضي ايديولوجيتان ضخمتان الشيوعية و الليبرالية، أليس كلاهما "وضعيا" قائما على الحقيقة العلمية؟ فلم الاختلاف اذا؟ لم كل هذا التعارض بين اليمين و بين اليسار؟ ان التفسير الوحيد هو أن أي نظام دنيويّ يرتكز على تقديرات قيمية و حضارية و فلسفية هو الآخر، و هو في ذلك لا يختلف عن أي دين آخر في مفهومه الواسع. بعبارة أخرى، الدنيوية كخيار الفصل بين الدين و الدولة، هو في الواقع فصل بين الاديان المتعارف عليها (من مسيحية و اسلام و يهودية و بوذية الخ) و الدولة، و لكن دينا آخر أو فلسفة أخرى تحل محلهما. لذلك فليس من المبالغة القول إن الدنيوية أو اللائكية، هي مغالطة سخيفة.

الدنيوية هي مجرد مذهب آخر، يحاول أن يلعب دور القادر على احتضان الأديان الأخرى في صلبه، و يحاول أن يظهر بمظهر المذهب الوحيد القادر على ذلك، و ان كان هذا صحيحا مقارنة بالمسيحية الكنيسية، و أيضا مقارنة باليهودية، فكيف يمكن أن يكون ذلك صحيحا مقارنة بالاسلام؟ و حينما أتحدث عن الاسلام كخيار حضاري لدولة ما، فأنا لا استحضر الدولة الافغانية و لا النظام السعودي. بل أعود إلى الدولة العباسية، و العثمانية، و أتوقف حتما عند التجربة الاموية بالأندلس، التي يقر كل المؤرخون الاوروبيون بأنها أفضل نقطة زمكانية عرفت تلاقحا بين الديانات السماوية الثلاث. يذكر هنا أن اليهود عرفوا أفضل عصورهم في تلك الفترة في ذلك المكان. الا يفرق الاسلام بين الأديان بالفعل؟ بل يفعل، لكنه يملك التشريع اللازم لحفظ حقوق كل منها، و يسمح الاجتهاد في تطوير هذه الحقوق.

إن اختزال الدين في الحجاب و قطع اليد أمور مضحكة لا تخفى على أحد أهدافها، في وقت لم يتحدث خلاله أحد عن اقتران اللائكية بالمقصلة في القرن الثامن عشر، أو بالكرسي الكهربائي في أيامنا هذه. ان اعتناق الدولة لدين ما، ليس بأمر مجنون كما يحاول البعض ترسيخه و انما هو أمر واقع بالفعل في معظم الدول في العالم، فلكل دولة قيم ما تدافع عنها و تحاول نشرها و الدعاية لها، أو على الأقل المحافظة عليها في صلب هياكلها. و كما تتبجح اسرائيل بأنها دولة اليهود، و كما تسعى أمريكا لنشر قيم الديمقراطية و الجمهورية (و الدولار)، و كما تحافظ سويسرا بكل شراسة على هويتها المسيحية، فإن لتونس الحق أيضا في ترسيخ قيم الاسلام و الدعوة لها و الدفاع عنها.

ان النظام العلماني لا يلزم الدولة بتدريس تعاليم دين ما، بل لعله يلزمها بعدم تدريسه، و هو ما يكرس مرة أخرى إلى البديل الديني المشرقيّ، متمثلا في قنوات الدعارة الدينية خصوصا، و هو ما يضيق أفق المسلمين، و يقلل من فرص ايجاد مجتمع يقبل الاختلاف و الاجتهاد. أو يرى ضرورة التدين انطلاقا من رؤية تونسية، محلية للأمور، لا باستيراد استنتاجات مشرقية جاهزة.
و النظام العلماني لا يلزم الدولة بالدفاع عن الدين الاسلامي حينما يتعرض إلى الاهانة او يعتدى على بعض مقدساته، كما حدث مع الصحفي الدنماركي، و لا يلزم الدولة أيضا باعتماد المعايير الأخلاقية التي أسسها الاسلام في المجتمع، فيصبح مشروعا (على مستوى القانون على الأقل) أن نرى على شاشات التلفزة تلك المشاهد التي كانت في الأمس القريب مخلة بالآداب، نسجا طبعا على المنوال الأتاتوركي. أو أخطر من ذلك، يسمح للاعمال الفنية بمغالطات تشوه الاسلام و ترسخ للتفسخ الحضاريّ عبر أموال الدعم التي يدفعها المواطن و هو المنضوي تحت راية الاسلام دينا و حضارة خصوصا.
لذلك فاختزال الاسلام في القتل و القطع و القصاص و الترهيب فزّاعة لا تخفى على أحد، لقد انتهى عصر الدكتاتوريات، و بدأ عصر لا حكم فيه لأحد، و انما تجتمع فيه تمثيلات عن القوى الفكرية المختلفة للشعب كل تمثل قوة ضغط على الآخرين حتى يثبت التوازن بين مختلف القيم الشعبية بما في ذلك الميل الى تشريع اسلامي.
أما الاسلام حضارة و فلسفة، فلا يمكن البحث في شأنه، إنه مجموعة القيم التي يؤمن بها التونسيون أو أعظمهم سواء اتفقوا على تشريع اسلامي ما ام لم يتفقوا. انه بصفة أخرى، الصورة التونسية الممكنة للائكية، ان كان للائكية وجود!


Friday, December 10, 2010

الكلب و اللصوص



مرحبا،
بدأتُ كتابة هذه القصّة في فرنسا، ثم أكملتُها في تونس صائفة 2011، و في السنة الموالية شاركتُ بها في ملتقى قليبية للأدباء الشبان، فأثارت شيئا من الجدل، و اتّهمني بعضهم بأشياء لطيفة من قبيل الذكورية، و السخافة، و غيرها.. طبعا هناك أيضا جماعة التعميم، تفضحهم عبارة "ماذا يقصد بهذا هه؟" الشهيرة.. بالنسبة لهم، مادام هذا الرجل حانقا، فالمؤكد أنني أعتبر كلّ من يقترف جريمة مماثلة حانقا، و ضحيّة و أنني أبحث له عن تبرير لفعله.. الدراسات الحديثة بخصوص هذه الجريمة تؤكد أن هناك أسبابا عدة.. و ليس من وظيفة الكاتب أن يعدد كل تلك الاسباب في عمل فنيّ، و ليس من وظيفته أن يحوّل فنّه إلى برنامج ملف الساعة.. تحدث عن "سبب" من هذه الأسباب، عن أحد هؤلاء "المجرمين".. و لستُ من هواة اختصار الجميع في شخص واحد.. هكذا أرى الأمور.. و من حسن الحظ أن لجنة التحكيم رأت ذلك أيضا، فمنحتني جائزة الملتقى الاولى في القصة القصيرة .. 

بانتظار آرائكم و ملاحظاتكم، إليكم هذا المقطع : 

إنّ الشهوة تملأ عينيه، من قال إنها لا تحفل بذلك؟ ظنّت في البداية أن الرغبة قد انتفت فيها تماما، و أن جسدها قد نسي اختلاجته الأولى. ظنّت أن روحها غادرتها غير راضية و لا مرضيّة، أنها انتقلت تبحث لها عن مستقرّ أقل نجسا و أكثر جَلدا. لكن هي ذي (روحها) تنهض من رقادها معلنة، في الخفاء، عن وطنها الجديد : عيناه!

لشدّ ما فاجأتها الحقيقة، و لشدّ ما أحبت المفاجأة.

إنه يعلم حتما من هي، و ما تفعل، و إنه لا يملك المال أيضا، و لكن مع ذلك فالرغبة تنهش عينيه، و هي تعرف جيّدا كيف تميّز بين شهوة العاشق و شهوة الزاني. إنّه.. ينهض!

 و للقصّة بقيّة..
 

Iori Yagami
كانون 2010 | آب 2011

Friday, February 19, 2010

بن رشيق



مرحبا،
استوحيتُ هذه القصة من احدى حكايات والدي الطريفة، و الواقع أنني استدعتُ ذكرى الحكاية بمجرد أن سمعتُ بأمر الورقة النقدية الجديدة.. كنتُ أفكّر كيف يمكن للمواطن العاديّ أن يملك ورقة مثل هذه؟ قد تمثّل اربع ورقات منها كلّ تعب شهره الطويل.. لكنّ التونسيّ أثبت أنه يبتكر و يبدع كلّما تعلّق الأمر بامتلاك الأشياء، إنّ غريزة الامتلاك لديه رهيبة بالفعل!
ليس لديّ تعليق كبير على القصة، فكلّ ما لديّ ذكرتُه هناك، لكن فقط تساءلوا و أنتم تعيشون لدقائق صباح صالح هذا، أ فعلا اقترف ذنبا عظيما؟


بانتظار تعليقاتكم، إليكم هذا المقطع : 
لم تكن المرآة سحرية حتما، لكنّها كانت تعكس كلما يرغب في رؤيته بالفعل: الشاربان، بدلة العون الزرقاء، شارة الرتبة على الكتف التي تقول إنه لا يعني أيّ شيء في مجتمع البوليس. حتى رائحة العطر التي عمّر بها صدره كانت المرآة تعكسها.. في نظره على الأقل... 

القبّعة! إنها لا تعكس القبّعة! و كأنّ نسيان القبعة أفسد كل طقوس الصباح، فهرع ملتاعا إلى المطبخ مناديا زوجته :"يا مرا! مرا! ويني الطربوشة؟" و ما كاد يدخل إلى المطبخ حتى فوجئ بطربوشه على الطاولة كـأنه جزء من طبق الفطورالمعَدّ له، المنتظر أحشاءه...
 
و كطفل صغير عاد إليه سروره، و عادت بسمته و رضاه عن العالم... جلس و هو يفرك يديه، ثم وضع القبّعة على رأسه و هتف :" حُطي، حُطي عبد الباسط."
العم "صالح المقص" لا يمكنه تلذذ الطيبات من دون أن يقرأ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد شيئا عليها. زوجته تعلم ذلك جيدا. كانت بانتظار قدومه لا غير...
"إذا الشّمس كوّرت ... و إذا ... بسم الله!"
 
ملأت اللقمة الأولى شدقيه، فمنعته من مواصلة التلاوة، لكنّ حنجرته تنغم مستطربة تلاوة الشيخ... تبتسم زوجته في رضا و كأنّها لهدوئه و طربه تستطعم حلاوة نجاح المهمّة الصباحية.. الرجال أطفال كبار، لعلّ ذلك أهم ما استخلصته من تجربتها الحياتية مع زوجها. لم يكن بمقدورها طبعا أن تتخيّل أنّ وراء ذلك الجذل الطفوليّ تكمن هموم كثيرة و تساؤلات أكثر...

و للقصّة بقية...
 
فاروق الفرشيشي
19 شباط 2010-02-19


بن رشيق
بلقاسم
بورقيبة

Monday, July 27, 2009

الجلسة السابعة

جلست في هذا المكان للمرّة الأولى منذ سبع سنين.. و منذ ذلك التاريخ و أنا أحاول إيجاد موعد دوريّ معه..

هو موعد غراميّ و لا شك، ففي مواعيد الغرام وحدها ما يجعلنا نرتجف هيبة و نتحرّق شوقا. و في مواعيد الغرام وحدها نحرصا حرصا أن نبدو في خير حال، بينما نشعر هلوسة أننا في أسوإ حال..

كنت قد هيّأت نفسي لكل نشاط ممكن، و كل نشاط على هذه الرمال ممكن، و جميل الإمكان أيضا. لم أنس أن أدّخر مجهودا طفوليا للسباحة، و مزاجا رائقا للمزاح و التندر، و استعدادا تاما للجنون، و ربّما حصة للنّوم و طبعا بطنا خاوية للأكل!

لكنني أفاجأ بي، أترك كل هذا جانبا، و أمسك القلم! إنها حاجة الكتابة. و قد تعلمت أن لا سبيل عن تلبية حاجة الكتابة. لكنني تساءلت أيّ سبب يضطرني اليوم أن أكتب عن هذا المكان بعد سبعة مواعيد بدون تعليق؟

أذكر أنّني فكرت سابقا في الحديث عن مواعيدي هذه، لكنني في كل مرة أحاول فيها ترجمة مشاعري إلى كلمات، أجدني ظالما مقصرا، فما الذي جدّ هذه المرّة؟

كنت جالسا أتأمّل الجزيرة بعين خاوية و أخرى لا شيء فيها كما يقولون، و في مبادرة غريبة منّي، تناولت القلم و الكراس، أنا أريد الكتابة إذا! أكان ذلك أمرا أمرتني به الجزيرة خفية دون أعيه؟ لن يدهشني ذلك أبدا، فلهذه الجزيرة سرّ غريب، و أمر مريب، و إنّ الناظر إليها، ليشعر بذلك أيّما شعور..

و كأنّها تخاطب فيه مكامن حسّه فتأمره بالسعادة حينا، و بالحنين إلى الذكريات حينا آخر.. هذه الجزيرة العارية من الخضرة، الحبلى بالأسرار.. لم أكن أتخيّل أوّل أيامي هنا، أن لها كل هذه السطوة على المكان..

كم تندّرنا بها حينئذ، و كم أمضينا الساعات نبحث عن تشبيه مناسب لها.. سمّاها الكثيرون الباخرة، و سمّاها آخرون الحذاء، بينما رأى أغلبنا أنها تشبه أنف أحدنا، فاستقرّ رأينا على هذا التشبيه بعدما غلبنا الضحك..

لكنني اليوم أرى فيها كبرياء يفوق ما لأنوفنا جميعا، و أن سلطتها على المكان لا جدال فيها.. أحاول عبثا تخيّل البحر بدونها، فترتسم صورتها في ذهني و يختفي البحر و الناس الذين يضم جميعا!

رأيتها و البحر هادئ مستقرّ، فإذا بها المشرف على هدوئه، المؤمّن لسكونه. و رأيتها و أمواج البحر تلتطم، فإذا بها من يرسل الأمواج في وقع مستفزّ متعمّد ! حتّى الناس كانوا في دخولهم إلى المياه الخفيفة الصافية و كأنهم يحجون إليها، و في خروجهم من الماء كأنهم عائدون من الحجة..

أيّة رسائل تحمّلها تلكم الأمواج، و أيّة كلمات تتبعثر بتيعثرها (الأمواج) على الرمال، و سيقان الرائحين و الغادين؟ استدرت إلى الخلف فطالعني الجبل المتدثر بالسباسب و الأعشاب. فاجأني المشهد الأخضر، و كأنني ألحظه للمرة الأولى. و عدت أتأمّل صحراوية الجزيرة. و لوهلة خيّل إليّ أن الأمواج قد ازدادت عنفا!

ترى ما الذي يحدث بين اليابسة العامرة بالناس و الحياة، و بين الجزيرة التي و كأنّها مصدر كل تلك الحياة؟ أيّ صراع يدور بينهما طوال السنة؟ لقد بات المشهد غريبا فعلا، و بتّ أتخيّل المياه حبلا يتجاذبه الطرفان. و كأنّ كليهما يبحث أن ينسب البحر إليه! هذا بما فيه من حياة و مرح، و تلك بما تحمله من سحر و غموض، و للناظر أن يحار بينهما طويلا، حيرة هذا البحر التي لا تنتهي!

لكنني أعلم أنّ هناك أمرا ما لا ريب فيه في كل هذا... و نهضت متوجّها إلى تلك المياه الطفلة أداعبها، و أنا أحمد الله على نعمة هذا الصراع!


فاروق الفرشيشي
27 ـ 07 ـ 2009

Monday, July 20, 2009

"وراء كل نجاح عظيم امرأة"

"فتحي! هل نبدأ؟"
"لحظة واحدة، لماذا كل هذه العجلة؟"
"لم أعد أطيق الحرّ... لِم لم أعمل مراسلة في روسيا؟! أف.."
"حسن، سنبدأ العدّ، استعدي."
و تعتدل لمياء في وقفتها، و تتطلع إلى آلة التصوير بذات الحرفية و ذات النشاط اللّذين جعلا منها مراسلة قارّة، رغم حداثة عهدها بعالم الصحافة المرئية.. تقف بجانبها امرأة لا يخفى ارتباكها على عين متفرّسة خبيرة. و كان بيّنا أن آلة التصوير الجاثمة قبالتها هي سبب كلّ تلك اللعثمة المتأرجحة بين عينيها و يديها. و لولا الآلة، لاحتار كل متأمّل في هيأتها في أمر ارتباكها.. قامتها المديدة، شعرها القصير المصفف على طريقة قصّة الولد الشهيرة، الصبغة التي تحجب بياض شعرها المحتمل، الاحمر الذي يحاول جاهدا جعل ابتسامتها مشهدا محببا. و حتّى زيّها الخالي من أية ملامح، كأنّه لباس قوّات البرّ أو حرس الحدود الصحراوية.. كان كلّ شيء فيها يوحي بخشونة و صلابة. و لم تكن ناقلة البضائع الضخمة المنتصبة وراءهما إلا لتزيد الأمور سوءا. فلم يكن من العسير على أيّ طفل صغير يعاني التوحّد أن يدرك من هو آمر تلك الشاحنة و ناهيها..
"هل أنت بخير؟ إننا على وشك البدء."
وبذات الإرتباك المخيّم على سحنات وجهها، يجيب المرأة :"أ.. أجل. أجل. تفضلوا."
و تعالى صوت المصوّر من أمامهما : "أكشن!" علامةً للبدء. فأخذت لمياء نفسا عميقا و شكّلت على شفتيها الخمريّتين ابتسامة عذبة، و قالت بمرح : "سيّداتي، آنساتي! مرحبا بكنّ مرّة أخرى في برنا.."
"stoooooop"
يهتف بها المصوّر و هو يبعد عينه عن عدسة الآلة. فاستدارت إليه شيماء متضايقة، بينما بدا للمرأة أنها صرخة تنادي بخلاصها، فنفخت بقوة و راحت تحرّك قدميها و كأنها تريد التيقّن من سريان الدماء فيهما!
"لماذا تتحدثين و كأن البرنامج موجّه للنّساء فحسب؟"
"لأن البرنامج موجّه للنّساء فحسب. هل تكفيك هذه الإجابة؟"
"و من أدراك أنت يا فتاة؟ صديقي يتابع البرنامج مثلا."
كادت تسأله إن تيقـّن من أنه ليس فتاة، و لكنها لم تشأ افتعال المشاكل منذ البداية.. فاكتفت بقولها : "هذا لأنه صديقك، يريد فقط رؤية براعتك في التصوير.. و صدقني، أنت بارع جدّا ما دمت تهتمّ بعملك و تترك أعمال الآخرين و شأنها!"
كانت لهجتها عصبية، و كان كلامها سريعا مكثفا كرذاذ المطر، فقط لو كان بذات اللطف! لكن ذلك لم يعد غريبا على مسامعه، فقد صوّر معها أكثر من مرّة و في كل مرّة يزداد اقتناعا أنّ النساء لا يصلحن لهذا العمل.. ربّما كان من الأنسب بقاؤهنّ في أستوديوهات التصوير المكيفة المترفة، و تمتيع النظارة الكرام بوجوههن الرّقيقة و سيقانهنّ..
"نحن مستعدّتان!"
"لحظة واحدة!"
و بينما انهمك هو في اعداد الشريط، كانت ميساء تقول للسيّدة في عصبيّة :" هكذا هم دائما! يحشرون أنوفهم في كلّ شيء! في المرّة القادمة سأطالب بالعمل مع فتاة. صدقيني! الرجال لا يصلحون إلا لفرقعة أصابع أقدامهم على الأرائك في المنزل.. لم تعد الحياة تحتمل وجودهم.. هل تعلمين؟ لقد قرأت مؤخّرا كتابا يتحدّث عن تطوّر الجنس البشري. يؤّكد مؤلّف الكتاب أن الجنس الذكري لم يعد أساسيا و أنّ الانتقاء الطبيعي سيتخلّص منه في الدورة القادمة!"
تقول ذلك بذات السرعة التي انقلبت بها سحنتُها من العصبية إلى الحماس، و كـأنّ ما تفكّر فيه قد حدث بالفعل. و كادت تهتف إنّها تحلم بالسفر إلى المستقبل كما في أفلام الخيال العلميّ، لولا أن سمعت هتاف المصوّر يدعوهما للاستعداد."
"هل ستتجاهلين المشاهدين الذكور؟"
"أجل."
لم يبد اهتماما بإجابتها و لا بابتسامتها الجذلة، و إنّما وضع عينه أمام عدسة المصوّرة و أشار بيديه إيذانا بالبدء، لكنّه سرعان ما توقّف متسائلا:" أيّة معتوهة هذه؟! قبل ثانية كانت تنظر نحوي في ابتسام، و الآن هي تتحدث مع السائقة كأنها في منزلها!"
و بينما كان يتساءل عن أيّة فكرة حمقاء يتحدّثان، كانت ميساء تسأل السائقة و هي تحاول التأكد من تصفيفة شعرها الأشقر بيسراها:" بالمناسبة، هذه الـsemi remorque، كيف نسميها بالعربية، أنت تكتبين حتما هذه المفردات في الأوراق الرسمية، أليس كذلك؟"
"كلا، أعمل لشركة خاصة، لذلك فهم يستعملون الفرنسية، لكن يمكنك استعمال مصطلح ناقلة بضائع. هكذا يسمونها في الفضائيّات."
و نظرت إليها و هي لا تزال تعبث في شعرها، و أضافت : "ألم يكن من الأجدر أن تبحثي في هذه الأمور قبل إعداد التحقيق؟"
" هل من مشاكل في التصفيفة؟ خصلة في غير موضعها أو ما شابه ذلك؟"
حدّقت في وجهها السائقة مستغربة، متسائلة في قرارة نفسها :" هل كانت تستمع إلى ما أقول؟!"
ثمّ إنّها قالت بسرعة مخافة أن تنتقل الفتاة بمخيّلتها إلى عالم آخر :" أجل جيّدة، لا عيوب، لا أخطاء، هل نبدأ؟"
و استدارتا إلى المصوّر الذي كان ينتظرهما بدوره. فأشارت هيفاء بيدها أن كلّ شيء على ما يرام، فهتف :"أكشن!"
"سيّداتي، آنساتي سادتي! شكرا لكم على متابعتكم لبرنامجكم الأسبوعيّ : وراء كل نجاح عظيم امرأة! حلقة اليوم سوف تروي لنا قصّة نجاح من نوع خاص جدّا نجاح أنثويّ في ميدان كانت الكلمة الوحيدة فيه، كلمة جافـّة غليظة! كلمة ذكوريّة تحديدا. لكنّ المرأة في بلادنا أبت إلا تحديَ كلّ تلك القيود و كسرها! اليوم يا عزيزاتي لو شاهدتنّ شاحنة.. شاحنة .. semi remorque كهذه، فلا تستغربن أن ترين امرأة خلف مقـ... fu** ! لماذا توقـّفت عن التصوير؟"
كانت صرختها هادرة و قد انقلب كل حماسها إلى غضب عاصف.. و لم يجد هو بدورها إلا أن يصرخ :"و لكنّك لم تخبريني مسبقا بنيتك في تصوير الشاحنة! كيف تشيرين إليها بتلك الطريقة المفاجئة؟!"
"و الذي كان سيغيّره أيّها العبقريّ؟ هل تحتاج إلى خارطة طريق لترفع الآلة شبرا إلى الأعلى؟"
"كلا يا آنسة! و لكن من الغباء تصوير الشاحنة من تلك الزاوية!"
و قبل أن تجيبه، كان هو يضيف في صرامة :" و هذا هو عملي على ما أظن!"
عاصفة تعبث بها من الداخل، و لم يكن أحد بحاجة لسماع ردّها حتّى يدرك ذلك. لكنّ المصوّر ظل يرمقها بصرامة حتى أشاحت بوجهها عنه، و ابتعدت عن ضيفتها بضعة أمتار.. ربما لتلتقط أنفاسها و تسب كل شيء تعرفه دون أن يسمعها أحد..
غمغم المصوّر في حنق :"حمقاء ككلّ النساء."
و قالت هي في سخط:" وغد! ككل الرجال!"
بينما ظلّت الضيفة حائرة فيما ستفعل. في النهاية، قدّرت أنّ تهدئة الخواطر قد يكون مفيدا. فاستدارت إلى الصحفية الشابة، و قالت لها :" هوّني عليك. هيا، لننته من كلّ هذا. تعالي."
و تجذبها من يدها متضاحكة محاولة صنع شيء من المرح في المكان. و أسرّت لها في ودّ:" لو تعلمت شيئا من هذه المهنة، فهو الصبر حتما! لا يمكنك تخيّل عدد الكيلومترات التي قطعتها وحيدة، و لم يكن بوسعي إلا أن أصبر."
ثم تستدير إلى المصوّر و تهتف :"ما رأيك بهذا المكان؟"
تطلّع عبر عدسة التصوير إلى حيث تقفان ثم أومأ برأسه موافقا.
"أف. أخيرا رضي عنّا الخليفة!"
انتظرت منها السيدة خطابا جديدا عن الرجال الحمقى، و لكنّ المراسلة الشابة اكتفت بتلك العبارة، ثم غيّرت لهجتها تماما و هي تسأل :" هل حفظت جيّدا ما ستقولين؟ اسمعي، لا أريد تلعثما و لا مساحات من الصمت. تحدّثي بلهجة الواثق. أريد من المتفرج أن يلتصق بكرسيه من الرهبة و الاحترام!"
"اه، أرجو ذلك، و لكن.. اسمعي، من الضروريّ أن نبدأ الآن، فقد نفذ صبره."
لم تقل ذلك للضغط عليها أو تخويفها، بل هي تعلم أنّ كل ذرّة غضب تسبح بين قلب المصوّر و روحه، هي قناطير من السعادة تسري في شرايينها، هكذا هي دوما كيمياء البشر، سعادة بعض على حساب بؤس الآخرين، و ما من قوّة ستخل بذاك التوازن يوما. لكنّها اليوم، لا ترى في ذلك التوازن أمرا مسلّيا، لذلك قاطعت المنشطة لاسكاتها و الإسراع بالبدء. إنّ وقت رحلتها قد تأخّر...
و تشير سناء إلى المصوّر بحركة سريعة عصبيّة، و تتسمّر في مكانها كأنها على وشك الانطلاق في سباق عدو سريع. و بمجرد أن أنزل المصوّر يده إيذانا بالبدء، عادت كل جوارحها للعمل دفعة واحدة، و في تزامن طريف أثار دهشة ضيفتها.
كانت تتساءل أيّة كتلة من النشاط تملكها، و أيّة روح تحرّكها؟ و خمّنت أنّ تركيزها منصبّ أساسا على الحفاظ على ابتسامتها رغم كل الشد العصبيّ، و أيضا على الكلمات التي أعدتها مسبقا فلا تنسى منها حرفا، لذلك فقدت المسكينة أيّة قدرة على السيطرة على يديها و وسطها. و بدا لها أنّ خاصرة الصخفيّة قد سرحت بخيالها إلى حفلة زفاف أو ما شابه! لحظة. لِم توقف كل شيء عن العمل دفعة واحدة؟ حدّقت في المكبّر الممتد إلى شفتيها، ثم نظرت إلى الصحفية و لسان حالها يصرخ :"اللعنة! لم أسمع سؤالها!"
ثم تذكّرت أنها تعرف ما عليها أن تقول.. ما أهميّة السؤال إذا؟!
"أقود هذه الناقلة منذ 3 سنوات تقريبا."
"جيّد، و هل يعني ذلك أنّك من أصحاب الخبرة؟"
"كلا، و لكن الشركة تثق بي.. هناك من يعمل منذ نحو 15 سنة.."
"و لكنّه لا يحظى بذات المنزلة التي تحظين بها، أليس كذلك؟"
"الأمر لا يتعلّق بالمنزلة، لاحظي أنّنا نتحدث عن مجرد سوّاق شاحنات نقل."
ثم إنّها توقفت عن الحديث و قد لاحظت أن في عيني الصحفيّة أن أمرا ما على غير ما يرام. و كان توقفها كافيا لتحسم سناء أمرها و تدعو فتحي لإيقاف التصوير، ثمّ تنفخ في حنق علّ ذلك يذهب بشيء من توتّرها و نفاذ صبرها. ثم إنّها ابتعدت عن ضيفتها في خطوات سريعة..
"الحمقى! لا يجيدون فعل أيّ شيء."
قال ذلك فتحي و هو يتابع المشهد من بعيد. ثمّ إنّ أمرا خطر بباله و هو يتابع حركاتهما، فألصق عينه بعدسة الآلة و هو يقول :"لنكمل التصوير من دون صوت، سأعد مقطع حماقات يكسر كبرياء تلك المغرورة. و سأضحك عليه رفقة وسيم كثيرا."
و ضحك في جذل قبل أن يتابع و محاكيا صوت زميلته بطريقة كاريكاتورية ساخرة :" ألم أقل لك أن تتركي قارورة العطر هذه و شأنها؟ كيف سأقابل صديقي اليوم؟ هه؟ كيف سأقابله؟" ثم غيّر نبرة صوته لياحكي صوت السائقة الأجش و قال :"لا داعي للعطر، فهناك دوما رائحة سيشتمّها. ثم إنّك التهمت آخر ما تبقى من أحمر الشفاه الذي أهدانيه صديقي.. إذا كان صديقك معدما لا يقدر على الذهاب إلى فرنسا، فلا داعي لإتحافه بالعطور."
ثم انفجر ضاحكا و قد راقت له المزحة، و فكر في أنه من الممكن أن يعد حوارا أكثر طولا و أكثر امتاعا. ربما لو أضفى شيئا من السوقية على الموقف، ستضحك الشلة طويلا هذا السبت. على الأقل سيكون الأمر أفضل من هذا التحقيق السخيف الذي تسعى هذه الصحفية عبثا إلى إتمامه. و تذكّر أنه اختار العمل معها بمحض إرادته، فأطلق سبابا سوقيا ساخطا..
" لم يكن جمالها يوحي بكل تلك العجرفة التي تبرهن عليها كلماتها. اعتقدت أن الأمر سيكون مشابها لما حدث مع دليلة.. يا حسرة على أيام دليلة.. و لياليها!
و شرد مع دليلة، حتى إنه لم يسمع شيئا من صراخ أسماء يدعوه إلى التركيز. و حينما تفطن، كانت الصحفيّة قد اقتربت منه كثيرا. حينها، علم أنّه سيسد أذنيه في اللحظة التالية رفقا بهما! لكنّه رغم ذلك سمع هديرها الغاضب :
"إسمع يا سيد! هناك ألف شخص يريدون العمل معي، و لو أنّك عازم على قضاء اليوم... لا تضع أصابعك في أذنيك حين أكلّمك! سأكتب فيك تقريرا! سأقضي على حياتك المهنية بجرّة قلم! و لسوف تندم كثيرا!"
"كنت أعيد الشريط إلى الخلف، و لا داعي للصراخ."
"و لماذا تعيد الشريط؟ أترك كل شيء مسجلا، فسأحتاج إلى ذلك لمراجعة أخطائي."
فابتسم في سخرية و قد فكر أن يقترح عليها تصوير كل حياتها، فهي كمية من الأخطاء المتراكمة. لكنه آثر أن يحتفظ على حياتها لبعض الوقت. موتها بفعل الغضب ألطف ممّا تستحق! هكذا فكّر، و لذلك أجاب:" لن يكفيَك الشريط على أية حال."
"و لِم لم تحضر ما يكفي من شرائط التيجيل؟ أي احتراف هذا؟"
"معك حق! لكنهم أخبروني أنني سأعمل مع محترفة! لن أقع في هذه الخدعة مجددا، أعدك!"
طبعا لو أجابته، فستنفجر حنجرتها، فأعصابها لم تعد تتحمل.
و ابتعدت بخطواتها الواسعة العصبية، و هي تقسم بكل عزيز عليها أن تكلّفه وقاحتُه مستقبلـَه.. و جال بخاطرها أن احترامها لعملها سبب لها مشاكل كثيرة.. لقد كان من السهل على فتاة بمثل جمالها و ذكائها أن تنشط إحدى حصص الميوعة التي يشاهدها الناس كأنها الأفيون.. كان يسيرا عليها أن تعمل جارية إعلامية و تربح أموالا طائلة دون أن تحترق أعصابها. و لكنّها اختارت الثنيّة الوعرة، و هي تعرف جيّدا ما ينتظرها!
إنها تعرف كم الرجال الذين سيحنقهم نجاحها، و تعرف أنّ هذا المصوّر المعتوه المتخاذل لن يكون إلاّ مثالا مبسطا عمن تخفيهم الأقدار!
الغريب أن هذه الأفكار أثلجت صدرها، و كأنها تجاوزت هذه الصعاب بالفعل، و بلغت المجد الذي تبغيه. كان احساسها بقوّتها و قدرتها على التحدي يريح أعصابها و يمحو كل أثر لما حدث منذ لحظات. و أكملت الأمتار التي تفصلها عن السائقة بقفزتين استعادت بهما تركيزها، و قالت لها في اهتمام :"هيّا يا سيّدتي، لننته من كل هذا، إسمعي، ركزي أرجوك و لا ترتجلي. لنتّبع ما اتفقنا عليه منذ البداية."
"و لكن يا ابنتي، تعلمين أنني لم أجد وقتا كافيا لأحفظ كل ذلك بالحرف. أحاول ما استطعت و لكن .. و حتّى الأجرة، فلا أخال أنني سأحصل على أجرة ممثلين."
"أجرة؟ أية أجرة؟"
و تعالى صوت المصوّر يهتف :"هاي! ألن نبدأ؟"
كانت حسناء قد أدركت من نظرات ضيفتها المتفاجئة الجزعة أنها وقعت في ورطة بتساؤلها، لذلك أسرعت تقول :"هيّا، خذي نفسا و لنبدأ."
"أكشن!"
"سيداتي آنساتي سادتي، مرحبا بكم مرّة أخرى في برنامجـ..."
"اسمعي، لقد اتفقنا أنني سأنال أجرا!"
و ينقطع التصوير مرة أخرى، و تنفخ حسناء في غضب، بينما علّق فتحي في سخرية و شيء من الشماتة :"من الواضح أنّها ستمضي ليلة عصيبة جدا!"
أما السّائقة، فلعلها أحسّت بأنها أخطأت التوقيت.. لكنّ عيني الصحفيّة كانتا تشيان بالغدر، و هي تعرف هذه النظرات جيّدا، عرفتها في كل مكان تقريبا و في كل مرحلة من مراحل حياتها المليئة بالآلام. لذلك، فهي لم تعد مستعدة لتحمل المزيد، و لذلك أيضا، بات من الأفضل التعويل على شعار "الوقاية خير من العلاج".. كان من الضروري أن يكون كل شيء واضحا منذ البداية.. ثمّ لحظة واحدة.. إنها لم تتسبب في انقطاع التصوير إلا هذه المرة، و على كل حال فهذا لا يهمّها في شيء تقريبا، فهم الذين يبغون التصوير و ليس هي!
كان كل ذلك حافزا قويا كي تستعيد ثقتها بنفسها، و تواجه الجميع بموقفها. ها هي ذي تقول بصوتها الغليظ الفظ :"من حقي أن يكون كل شيء واضحا منذ البداية، لا أريد تفاصيل غامضة، هذا أقرب للسلامة!"
"و ما الذي تريدينه واضحا بحق السماء؟ ألم نتفق على كل شيء منذ البداية؟"
"أنا لا أضمن أن آخذ مستحقاتي عن التحقيق."
"و كيف تريدين هذه الضمانات؟ أن نوقع عقد عمل مثلا؟ ماذا نكتب؟ عقد في استجواب صحفي؟ أي حديث هذا الذي تتحدثين به؟"
أسقط ما في يد المرأة و لم تجد إلا أن تسكت و تحاول إقناع نفسها بأن كل شيء سيسير على ما يرام. و فكّرت في ما يمكن أن تفعله لو غدر بها، فبدا لها ذلك مريعا مرعبا! ثم شحذت حزامها بعنف و قوّة و كأنها تحاول الاطمئنان على صلابتها، أو كأنها تستمد كل قوتها من ذلك الحزام المتين، و راحت تنتظر الصحفيّين لإنهاء الأمر..
كان ثلاثتهم هذه المرة مقرين العزم أن ينهوا العملية الآن، لا داعي لقطع التصوير، لا داعي للتنبيه للأخطاء، سيتكفل التركيب بستر كل العيوب، و حجب كل المشاكل.. المهم الآن إجراء الحوار! و لم يدرك أحدهم أنهم قالوا في تزامن مدهش :"سأنتهي من هذا الآن!"
قالوا ذلك سرّا دون أن يتخيّل أحدهم أنّ العزائم وحدها لا تقضي الحوائج، و أن هناك أمورا قد لا يكتب لها أن تتحق مهما جاهدوا. هل تراهم أدركوا ذلك حينما سمعوا هديرة آلة ضخمة تقترب؟ أم أنهم اكتفوا بالتحديق في المركبة الصفراء في ذهول و هي تقترب نحوهم في بطء مستفز؟!
"ستواصل طريقها إلى مفترق الطرق القادم!"
لكنه كان يعلم أنّها لن تفعل، كان يعلم أنّها ستقف بالضبط حيث يعملون، و أنّ أحدهم سينزل ببذلته الرمادية المقرفة و يقول لهم :"ستجري أشغال هنا!"
و قبل أن تتدخل حسناء، اندفع هو نحو عون البلدية لإنقاذ المذبحة التي قد تحدث. فجذب الرجل إليه و كأنه يعرفه منذ زمن، و قال له في هدوء و مودّة مفتعلة :"اسمع يا أخي، نحن صحافة، نحاول أن نجري حوارا قصيرا ثم نمضي و شأننا، لن تنتظروا كثيرا. صدقني."
لكن العون بدا كآلة لم تلقّن غير تلك العبارة الجافة :"ستجري أشغال هنا!"
"دقيقة يا رجل، لن تضير أحدا!"
"ستجري أشغال هنا!"
ربّما شيء من المال قد يعيد له انسانيّته. فكر في ذلك و هو يشير إلى حسناء بيده أن آتي بالمال. لكنّها زفرت في عصبيّة و اندفعت نحوهما صارخة :" اسمع أيّها العون! أنا أؤدي واجبا وطنيّا، و ليس من حقّك منعنا!"
كانت عبارتها أشبه برصاصة الرحمة على حلم انجاز التحقيق، فقد أشاح فتحي بوجهه في يأس، بينما أشار العون إلى رجاله بالنزول و هو يكرر بلهجته الآلية :"ستجري أشغال هنا."
"اللعنة!!!"
لكن بات من الواضح أن اللعنة قد حلّت بها لا بأعوان البلدية، و أنّ تحقيقها بات مهددا أكثر من أي وقت مضى..
"ماذا أفعل الآن؟"
ذلك التساؤل المقيت، الذي لا يتبادر إلى ذهن المرء إلا رفقة موجة يأس مرير، و تيّار قارس من العجز و القهر! لا للدموع الآن.. لا للضعف أمام هؤلاء الحمقى.. سأجد حلا حتما، المرأة لم تخلق أبدا لتكون ضعيفة.. المرأة وهبت الذكاء لتتجاوز هذه المصائب الذكورية.. يا لحماقتهم! يا لحماقتهم! الا يفهم أحد معنى التحقيق الصحفي؟ هؤلاء الأوغاد! كل حماقة يقترفونها تفوح برائحة التيستوستيرون العطنة!
"ماذا نفعل الآن؟"
و الآن يسألون ما العمل! يا للأوغاد!
و استدارت إليه و هي تفكر في صب جام غضبها و حقدها على أذنيه الكبيرتين، لكنّ سائقة الشاحنة سبقتها بالقول "اركبوا معي الشاحنة، يمكننا أن نبتعد قليلا، فهناك طريق جانبي لا تطاله قدم إلا في ما ندر."
أحنقها أن لا تنفّذ في المصوّر ما عزمت عليه، و خيّل إليها أن فكرة السّائقة سيّئة، لأن هذا المكان هو أفضل ما يمكن الحصول عليه. أمّا المصوّر فقد قال :" و لِم نصطحبك في الشاحنة؟ يمكننا أن نتبعك بالسيّارة."
"لا أدري.. نسيت أمر السيّارة."
و لكنّ نجلاء فكّرت في أمر آخر تماما، و كان جليّا من بريق عينيها أنّها طربت كثيرا لما دار بخلدها! و من دون سابق إنذار، هتفت في وجه مصوّرها :"لأنّك لا تحسن التفكير أبدا يا فتحي! سنصوّر داخل الشاحنة! سنجري الحوار داخل الشاحنة! و هكذا لن يقطع حتى رئيس الجمهورية حوارنا!"
حاول التظاهر بعدم المبالاة، و لوّح بيده و هو يقول :"فكّرت في التصوير داخل الشاحنة في نهاية التحقيق، أردت شيئا من التنويع و لكن.. كما تشائين. المهم أن نخلص من الأمر بسرعة."
"ها! هكذا أنتم دائما! تفكرون في كل شيء، و لا تقولون شيئا لاثبات ذلك! يا للكبرياء الزائف!"
ثم استدارت إلى ضيفتها و هي تقول :" هيا! إلى الشاحنة!"
تبعتها في رضا إلى حيث المركبة الضخمة، و دعت في سرّها أن ينتهي الأمر سريعا، فقد تأخّرت بعض الشيء عن موعد رحلتها..
و تفتح أبواب الشاحنة لثلاثتهم. كان داخلـُها على قدر من السعة. على الأقل، كان كافيا لتحمّل عملية تصوير بتلك الآلة الكبيرة. و جلست نجلاء حذو السائقة و هي تتأمّل المكان كأنها تدخل إلى دار جارتها لأوّل مرة... لا يمكن وصف هذا الفضاء بالانوثة حتما، عكس سيارتها حيث يطال الأزرقُ السماويّ و الورديُّ كل زاوية، و كل مقعد.. لكن نظافة الشاحنة و حسن ترتيب الأغراض فيها، تشيان بأنّ امرأة مرّت من هنا.. لو أن رجلا كان سيّد هذه المركبة، لكانت رائحة التبغ خانقة فيها..
وراء المقاعد كانت هناك مبرّدة صغيرة تفي بغرض الاحتفاظ على سلامة الأغذية لبرهة من الزمن. و بجانبها غطاء صوفي لعلّها تحتاجه ذات ليل موحش البرد.. مجموعة من الأشرطة الموسيقية التي لا توحي بميل إلى لون موسيقي ما بقدر ما تفضح حاجة السائقة إلى شيء من الضجيج المرتب.
و خطر للفتاة أنّه كان حريّا بها أن تجلب معها بعضا من أشرطتها، تضعها فوق هذه العناوين السخيفة حتى تحيل على شخصيّة أكثر انفتاحا و روح أكثر جمالا. و لكن ذلك الوغد كان قد جلس بحذوها و أغلق الباب و معه كلّ أمل في التراجع... لا بأس، الحوار هو أهم شيء الآن، و فيما بعد سنهتم ببقيّة التفاصيل.
و استدارت تقول لمصوّرها بلهجة عمليّة :"أعدّ الآلة، سأبدأ بالحوار مباشرة، و فيما بعد سنهتم ببقيّة الأمور."
فأجابها وسط هدير الشاحنة التي بدأت تشق طريقها بعيدا عن أعين رجال البلدية و كؤوس الشاي التي يرتشفونها قبل بداية العمل:" أعيدي مراجعة الأسئلة، كي لا نضطر إلى قطع التصوير إذا. فالعصبية تنسينا الكثير لو تعلمين."
"هذا ليس من شأنك."
و استدارت إلى السائقة تقول :"هل أنت مستعدة؟"
"أجل، أمهليني حتى نخرج من المنعرج و نستقر على سراط مستقيم."
تأمّلتها غيداء في إعجاب و هي تخرج من المنعرج الضيّق بسلاسة و مهارة. كانت تجلس جلسة السيد الواثق من نفسه، و كانت قبضتها على عجلة القيادة تشبه قبضة الخلفاء على عصا الحكم. إنه عالمها، و إنّها فيه لملكة!
و لكنّ إعجابها لم يدم طويلا. ها هي ذي تفسد كل شيء باقتراح أحمق :"ألا تعتقدين يا آنسة، أنّ هذه الأتعاب الإضافية، من حقّي أن أؤجر عليها نقدا؟"
"ربما، و لكن لِم نتحدث عن هذا الآن؟ لنؤجّل المسألة إلى ما بعد."
"لا. لا تأجيل بعد الآن، اسمعي، أريد كل شيء واضحا الآن!"
"ما الذي تريدينه واضحا؟ هه؟ هل نحن نصابون؟ ا ُنظري إلى هذه البطاقة! تأمليها جيّدا!! نحن صحافة، و قناتنا محترمة جدا، و لا داعي للإهانات يا سيّدتي."
"و منذ متى كان الحديث عن الحق إهانة؟"
"يا سيّدتي، الفتاة تريد أن تشحذ كل تركيزها لإدارة الحوار، و هذا كل ما في الأمر. و فيما بعد أضمن لك أن لا تهضم حقوقك."
كانت هذه قولة المصوّر، و كان من الواضح أنّ لها تأثير على السائقة و الصحفية، فقد صمتت كلتاهما و كفتا عن النقاش المحموم. أما هو، فقد رفع آلته و حام بعدستها في أرجاء المكان، ثم قال بهدوء:"استعدا."
ثمّ وجهها إلى زميلته قائلا :"أكشن."
فشكلت ابتسامة العادة و اندفعت تقول :"نحن الآن داخل الشاحنة، نصطحب السيّدة صابرين و هي تقوم بعملها الشاق.. سيّدة صابرين، ألا ترين أن هذه المهنة عسيرة على النساء؟"
"أنا أعمل سائقة منذ نحو 3 سنوات. لم أتعرّض لأية صعوبة مهنية، رؤسائي فخورون بي، و أنا محل ثقة كبيرة."
"تعتبرين نفسك من أصحاب الخبرة؟"
"الأمر لا يعتمد كثيرا على الخبرة.. هناك من يعمل .."
و صمتت و هي تتأمل حركة شفاه غيداء التي كانت تحاول أن تسرّ إليها بالكلمة. اللعينة، لقد سألت هذا السؤال من قبل، و هي تريد أن تتدارك بشيء من الارتجال! ألم تقل إن الارتجال ممنوع؟ أه! هي ذي الكلمة. و تابعت و قد أدركت ما تعنيه الصحفية :"
"هناك رجال يعملون منذ نحو خمس عشرة سنة، لم يحظ أحدهم بذات الثقة التي أحظى بها.. توكل إليّ عادة نقل بضائع على غاية في الأهمية.." و عادت تتأمل في شفتي الفتاة قبل أن تضيف ببطء:" أكثر أهمية من... من أن ينقلها هؤلاء الرجال!"
"و لكن مهنتك متعبة حقا، أليس كذلك؟"
"ربّما، و لكن أعتقد أن كل المهن متعبة. ما ينسينا التعب هو حب المهنة! لقد اخترت مهنتي عن طواعية و حبّ، و هذا أهم ما في الأمر. من النادر أن توفر لك مهنة ما، كل هذا القدر من الجمال الطبيعي.. ألا تشاهدون الحياة عبر النافذة؟ ا ُنظروا مليّا!"
"أ لا ترين أنّك كامرأة تعمل في هذا المجال، تتحدين نواميس الطبيعة؟"
"أعتقد أن الرجال هم من يتحدّون نواميس الكون بالعمل في هذا الميدان! هذه حياة جميلة فيها ما فيها من المشقة، و لكنّها تناسب النساء! إن كذبة ضعف المرأة يجب أن تتلاشى إلى الأبد."
"ألا ترين أنّ تميّزك عن الآخرين يجعل من حقّك المطالبة بزيادة في الأجر؟"
"ربما... أعتقد أنه من الصعب أن ندرك في هذا العصر أن المرأة تتقن عملها بشكل أفضل من الرجال. نحن لانزال نعتبر مساواة الجنسية في الأجر هديّة ضخمة تقدم للمرأة، لا حقا مشروعا!"
ثم إنّها صمتت و قد بدا أنها تفكر في أمر ما، أو أنها مترددة بشأن أمر ما. و فجأة أوقفت الشاحنة و قالت لهما بهدوء :"أريد أجري."
حدّقا في وجهها مندهشين، لثانيتين أو يزيد، ثم أوقف المصوّر آلته و هو يلعن في سرّه. بينما صرخت زميلته في سخط :" لماذا توقفت؟ لقد كان ذلك رائعا!"
"لذلك أريد أجري. لأنه كان رائعا! اريد أجري الآن، و إلا فلا داعي للمواصلة!"
"و لكن، أي أجر تريدين بحق السماء؟! أنت تؤدين عملا مقدّسا! ألا تشعرين بالفخر و أنت ترفعين من مكانة المرأة؟ الا تشعرين بالفخر و أنت تثبتين أننا قادرات على اقتحام أيّ مجال بنجاح و ثقة؟ ألا تشعرين بالفخر و الرضا و أنت تثبتين للعالم كله كم أن مهنتك ممتعة؟"
"أيتها الصبية البلهاء! من أي عالم أنت؟ أين المتعة في سياقة أطنان الحديد هذه لأميال و أميال! كلما قطعت ميلا أوهمت نفسك أن الميل القادم هو الأخير، و لكن هيهات! وحيدة كذئب، معذبة كالمساجين، منعزلة كأهل الكهف! مقضي عليّ أن أقودها فلا أخرج منها إلا لقضاء حاجة أو شراء أكل.. أي متعة في الاقتيات من هذه القاذورات؟!"
قالت عبارتها الأخيرة و هي تدفع بالمبرد الصغير بما فيه من خبز أو بقايا خبز، و صحن زيتون و زبدة تجاهد عبثا كي تظل متماسكة، محتفظة بخصائصها الفيزيائية.. و ظن الصحفيان أنها ستكتفي بكلامها، لكنها واصلت قائلة :"هل تعتقدين أنني أعمل هنا لأثب هذا الكلام الفارغ الذي تهذرين به؟ هل تريدين أن تعرفي حقّا لِم أعمل؟ هل تريدين أن تعرفي؟ لقد كان زوجي سكيرا يا آنسة، أصحاب السوء لم يتركوه و شأنه, و أبوا إلا أن يجعلوه سكيرا مثاليا، يتدبر المال ليذهب به إلى الحانة! بينما عائلته تتضوّر جوعا! هل عشت أمرا كهذا أيتها الصغيرة؟ لقد كنت أختلس النقود اختلاسا كي أعيش، و حين ينهض، يضربني بشدة، يلقي على ظهري كل الآلام التي تلقاها من صعاليك حانته. لقد قتل كل ما فيّ من أمل في عيشة هانئة البال، و لم يعد لديّ ما أخسره. هكذا تفطنت إلى جثتي الضخمة، و يدي الغليظة، و هكذا علمت أنه مع حالة السكر الدائمة التي كان عليها، بإمكاني أن أدافع عن نفسي! هل رأيت امرأة تضرب زوجها؟ كنت أضربه مساء، و أبكيه صباحا! كنت أفتك ماله افتكاكا حتى أقتات أنا و ولدي. و بات هو أضحوكة بين رفاقه. هل عشت في عالم كذا معالمه يا آنسة؟ لقد تسببت في مقتل زوجي بدفاعي عن نفسي! ضاق ذرعا بالمهانة، و افتعل شجارا لينقذ شيئا من رجولة بالية، فوقع قتيل زجاجة خمر مهشمة..



هل تعرفين يا آنسة، ما الذي وجب أن تفعله امرأة مثلي لتعيش مع ابنها؟ تجوب الشوارع بحثا عن عمل.. فكرت أن أعمل مشروعا بسيطا بما تبقى بحوزتي من مال، لكن أي مشروع سينجح بذلك القدر الضئيل من المال؟ هكذا تدخل أحد الجيران لينقذني. عرض عليّ أن أتعلم سياقة الشاحنات الثقيلة بالمال الذي أملك، و ضمن لي مكانا في الشركة! أتفهمين الآن لِم أعمل؟ أتفهمين هذه الأشياء؟
إنني أعمل من أجل ذلك المعتوه ابني! أعمل من أجله كي يعيش و أنا أعلم جيّدا أنه ما من أحد في المنزل اليوم ليحرص على تربيته.. و أنا أعلم أنه سيكبر يوما ليصبح مثل أبيه صعلوكا! لكن ما باليد حيلة.. يجب أن أعمل لنعيش!
هل تعتقدين أنني أعمل من أجل العمل، و حلاوة العمل، و هذه الخزعبلات التي تملؤون بها شاشاتكم؟ اريد فقط مالا لأحيا! و لو وجدت رجلا نذلا سيّء المعاملة، متعجرفا له مال لما رفضته إطلاقا، فهو على الأقل سيوفّر لي فرصة البقاء بجانب ولدي و إنقاذه من الانحراف! أتفهمين الآن ماذا أريد؟ أعطني المال!"
"أعطها المال يا ابنتي!"
قالها المصوّر في محاولة لإنهاء هذا المشهد الدرامي الذي وجد لنفسه طريقا بينهم. لكنّ الصحفيّة و قد اشتدّت عصبيّتها صرخت :"أرفض بيع مبادئي!"
"إذا فانزلا."
"و لكن..."
"انزلا!!!!"
هذه المرة كانت الصرخة مريعة أفهمت الصحفيّين أن السيدة صابرين محل ثقة بالفعل! ها هي ذي تستل عصا غليظة من تحت مقعدها! لقد انتهى النقاش إذا!
و ينزلان و قد و امتقع وجهاهما من الذهول و الصدمة، بينما أطلقت المرأة سبابا ساخطا و واصلت طريقها مبتعدة..
و على حافة الطريق، جلس الصحفيّان يتابعان الشاحنة المبتعدة ببصرهما. ثم قال فتحي:" أهذا وقت مبادئ؟"
"أرفض أن أدفع مالا من أجل حوار صحفي!"
"و لا ترفضين فبركة الحوار."
"لن تفهم الأمر أبدا!"
"ربما، و لكنني صوّرت كل شيء، لو تحتاجين إلى عملية تركيب متقنة."
"سأعد سيناريو وفقا للقطات التي لدينا. الحمقاء، تعتقد أننا سنقف منتظرين عطاياها."
"حسنا، و لكن السيّارة بعيدة، و سنضطر للذهاب راجلين."
فأطلقت سبابا سوقيا بالفرنسية و هي تهتف :"انتظرني."




تمت بحمد الله
فاروق الفرشيشي
19.06.2009

Translate