Friday, September 27, 2013

قصّة عائلية

تلقى هذه القصة غدا السبت، في حفل تقديم كتاب الخروج عن الخط

اليوم أروي لكم قصة عائلية. لا أعرف إن كنتم قد سمعتم بمثل هذا الصنف الأدبي من قبل، لكن اِسمحوا لي أن أؤكّد لكم أنّ كل شيء في هذا العصر إمّا شخصيّ، و إما مهنيّ. إما رفيع وإما شعبيّ أو عائليّ لتلطيف العبارة. ليست الكتابة استثناء، إنّما هي منتوج كغيرها.
قصّتنا إذا عائلية، ليست مدعومة لكنّها لن تكلّفكم شيئا من المال أو الجهد العقليّ. وهي بسيطة، ممتعة، موجزة، كما نحبّ لسهراتنا العائلية أن تكون. وهي محافظة، لا يجد الأب والأم حرجا من وجودها بالمنزل، ولا يحتقننّ وجه أحدكم وهو يستمع إليها رفقة زوجته أو بنيه.

تدور أحداث القصة في زمننا الحاضر. قد يبدو هذا مملاّ ولكن أؤكّد لكم أنه الخيار الأنسب. إنّ الماضي يستدعي الذاكرة الجماعية، وهو ما يعني الالتزام بمراجعة آلاف الكتب التاريخية والمخطوطات النادرة، بما لا يناسب كاتبا تونسيا كسولا مثلي. أعلم أن القارئ أكثر كسلا منّي وأن لا أحد يدقّق في التفاصيل اليوم. بمقدورك مثلا أن تقصّ على الناس كيف كان الحفصيّون يستعملون الكحول في صنع عطورهم من دون أن يتفطن أحد إلى الخطإ التاريخيّ. لكنني لستُ مستعدا للمخاطرة. إن قاعدة "يحدث للآخرين فقط" توقّفت عن العمل معي منذ أمد بعيد، وستجد حتما ذلك الشخص رائق المزاج الذي سيقلب كتابتك بحثا عن خطإ كهذا. 
المستقبل؟ لا أحد يكتب قصصا عن المستقبل في هذه البلاد. ولا أحد يعير الخيال العلميّ برمّته اهتماما. قصص المستقبل، للأطفال والفتية الحالمين. أما الكبارُ البالغون الناضجون العاقلون الجادّون، الذين خبروا الدنيا فيتحاشون النظر إلى المستقبل كما يبدو...

وعن المكان فلقد تردّدتُ بين أمكنة ثلاث. فأما الأول والثاني، فهما المفضّلان عند جمهور الفنانين والأدباء في تونس، وأعني بهما البادية، والمدينة العتيقة. تراهما في كل عمل تلفزيّ، وخلف كل قصيدة وصفيّة، وفي تفاصيل كل لوحة تشكيليّة... وأما المكان الثالث فلعله الأكثر شعبية، وأعني به طبعا الأحياء التي لا تمتّ إلى عموم الشعب بصلة. هناك حيث تنتفي المشاكل المادية تماما (في المخيال الشعبيّ فحسب) وحيث يملك الجميع هوسا غريبا بالبحث عن شخص ما يفهمه.

يمكننا إذا أن نبدأ قصّتنا بتقديم أبطالها، ولي منذ البدء أن أعلن راضيا أنني احترمتُ في اختياري مبدأ المناصفة، لذلك فلا أحد بين رانية وفتحي بطل أكثر من الآخر. كلاهما ولد في عائلة "مستورة و الحمد لله" وتسعى جاهدة لتوفير ما يلزم لتعليم أبنائها من قبيل السيارة، ورحلة العطلة الصيفيّة وبعض المبادرات اللطيفة الأخرى..  ولأن رانية و فتحي بطلان، فكلاهما طيبان بالضرورة. كلاهما النموذج الذي تسعى كل عائلة إليه (من خلال أبنائها طبعا). ولأنّ قصة عائلية كانت أو غير عائلية بحاجة إلى الدراما، فقد كان لزاما أن نجد مشكلة ما عند أحد البطلين أو كليهما تبدأ بها القصة.

لم تكن حياة فتحي مثالية كما قد يتبادر إلى الذهن. هو شخص ذكيّ خلوق ووسيم. يتطلّع والده أن يجعله من بعده مديرا لشركاته لكنّه يرفض هذه الحياة ويريد أن يتمرّد. هذا موجز بسيط لفكرة صراع الأجيال الذي يجب أن تقدّمه كل قصة عائلية. سوف لن تجد ابــنا يواجه تحوّلات فكرية تعصف بعقائده التي تتبناها كل العائلة. هذه أشياء مزعجة لا أحد يحبّ الخوض فيها. إنّ جرعة الدراما التي يجب أن تقدمها العائلة، لا يجب أن تتجاوز أحداث القصة نفسها، ولا يجب أن تتحول إلى أسئلة مريعة تتوالد كالبعوض في ذهن القارئ. مواجهة بسيطة بين الأب وابنه، مع الكثير من الصراخ والانتقاد الذي يرادُ به الصراخ، ثم يخرج الإبن غاضبا، بينما يرتمي الوالد على اقرب مقعد شاحب الوجه، محتارا.

إلى أين يذهب الأبناء حينما يبدون غاضبين؟ ربما إلى الحانة، وربما إلى سطح المنزل، و ربما إلى صديق عزيز، أو إلى الله.. بالنسبة إلى فتحي فهو يذهب إلى المرسيدس البيضاء، يهيم بها في شوارع المدينة الواسعة والتي لا نراها إلا في مخيلاتنا وفي مثل هذه القصص. لا بأس من أغنية حزينة تعوّض الدموع، لأنّ الرجال لا يبكون. ثم يحدث الاصطدام الذي لا مفرّ منه. لا أحد هنا يتذمّر بشأن السيارتين. كما أن رانية ظلّت فاتنة ومحتفظة بتصفيفة شعرها حتى بعد ارتجاج سيارتها الرهيب، و حتى بعدما سكبت من الدموع أنهارا. أما فتحي فقد أبدى فزعا كبيرا على الفتاة، لأنه طيب القلب طبعا، لا لأنها جميلة، ولا لأن الضرر الذي أصاب السيارة كان كبيرا. في قصص أخرى، سيبدو من المعقول أن يكون ثملا بعد شجاره مع والده، و أنّ ذلك سبّب الحادث. لكن في قصتنا العائلية، سيبدو ذلك مخجلا لبطل مثله، ناهيك أن البطلة لا يمكن أن تحب شخصا ثملا (يحدث هذا حينما يعاني البطلان من الافراط في الثقافة والبؤس، وهو ما لا ينطبق على حالتنا). 
كان الموقف عصيبا، و كان الفتى يحاول تهدئة شريكته في الحادث حينما أطلّ شرطيّ المرور من هناك. في القصص العائليّة، لا يطلب شرطي المرور بطاقات رمادية أو شخصية، ولا يسأل في غلظة عمّا يفعلانه لوحدهما ليلا في هذه المساحة الخالية من المدينة.. إنما يطلب وحدات النجدة ويسألهما في أدب إن كانا يرغبان في ايصالهما إلى مكان ما من المدينة. فيرفضان شاكرين، فيذهب باسما، راضيا عن عمله وعن العالم من حوله...

يدرك القارئ أو السامع دون شك، أن فتحي أحبّ الفتاة. طبعا لجمال روحها وحسن خلقها، و لطفها... كلها أشياء يمكن للمرء أن يعرفها في الآخرين بمجرد الاصطدام بهم. أما الحب على الوَسام فهو كما قال المتنبي، للجاهلين، وربما أيضا لأبطال الخرافات، أو للشواذ... لكنّ هذا ليس موضوع قصتنا. 
الحب عموما لم يكن يوما موضوع القصص العائليّة، قد يفاجئكم ذلك، لكن هذه هي الحقيقة، فالكلّ هنا يعرف ماهو الحبّ، ويعرف ماذا يريد منه. لذلك فلا يناقش مفهومه أبدا. هو دوما اِحساس نبيل رائع يكنّه شخص ما تجاه شخص آخر للاسباب التي ذكرتها آنفا. أما ما يناقش، فهو تكاليفه ونتائجه، من عذاب ومن شوق وبيْن وجهاد في سبيل الوصال. لذلك يجب أن يجلب لهما حبهما شقاء كبيرا... تخيلوا مثلا لو أن والديهما متخاصمان. ربما تسبّب أحدهما في خسارة ضخمة للآخر مثلا. لماذا نتخيل؟ ليكن الأمر كذلك!

لكنّ هذه القضية اليتيمة لا تكفي. تعرفون أنّ مقياس جودة الأعمال الأدبية عند التونسيين هو كمّية القضايا التي تتحدث عنها. لا يهمّ كيف تفعل ذلك، ولا ماهيّة "القضايا" أصلا، المهم أن تُفرغ الكثير منها بين تفاصيل عملك، حتى تجد ما تقوله للصحفيين بعد ذلك.
هناك قضايا "خطيرة" لا يمكن أن تتغافل عنها. لكنّها للأسف في أغلبها تخص طبقة اجتماعية غير طبقة البطلين، ولو كان العمل رواية لأمكن حشرُ فقير معدم في أحد الفصول وتحميله أطنانا من القضايا، بدءا بالهجرة السرية، وانتهاء بالبطالة و اعتصام الرحيل... لكنّ القصة قصيرة، والايجاز واجب.
ما القضايا التي يمكن أن تتجاوز الأرصدة البنكية؟ القضية الفلسطينية طبعا، لا أحد يحقّ له انتقادك حينما تتحدث عن فلسطين، حتى لو كان ما ذكرته ركيكا مملاّ... المخدّرات أيضا، هذه قضية أثرياء بامتياز. هناك أيضا قضايا جديدة باتت تجد لها رواجا هذه الأيام، تتعلق بالإعلام خصوصا، وبالفساد والرشوة، وأيضا بعالم السياسة الذي ألفى الجميع خبيرا بدهاليزه... دون أن ننسى القضية الأقدم على الاطلاق في عالم الأدب منذ قدّمتها ملحمة جيلقاميش : الموت.

سنتخيل إذا أنّ والدي البطلين، خصمان سياسيان، ذوا توجّهين ايديولوجيين مختلفين. هذا يجعل الموقف أقرب إلى الكوميديا، ولكنني سأحاول أن أبدو جادّا قليلا. ليكن أحدهما مريضا مرضا مزمنا. أما الثاني فيتاجر في المخدرات، مع إسرائيليين طبعا ولكي يعمل نظامه دونما مشاكل، فهو يلقى بالرشاوي على كل مكتب أو ادارة تمرّ منها مصلحته. هكذا حشونا القصة بعدد لا بأس به من القضايا. 
كما خمّنتم، فشحوب والد فتحي مردّه مرضه المزمن، وهكذا فالرجل الشرير، هو والد المسكينة رانية. وكما حبيبِها، تحاول الفتاة البائسة التخلص من عالم والدها، عبر الزج بنفسها في عالم الفن التشكيلي. ترسم أشياء كئيبة في أغلب الأحيان، لكنّها منذ التقت الفتى الوسيم، باتت لوحاتُها أكثر اشراقا. لاحظ والدها ذلك، وبشيء من التمعّن في بعض أعمالها الانطباعية، أدرك أنها تهيم عشقا بابن خصمه العنيد. كيف عرف ذلك؟ إن قراءة اللوحات التشكيلية لا يمثل عائقا أمام شخصيات القصص العائلية. الجميع هنا يحفظ مدارس الفن كما تحفظ أنت اغاني BBJ Klay. بينما يكاد المعلمون يجنّون في محاولة لفهم طلاسم تلامذتهم...

المهمّ أن الوالد أدرك أن حياة ابنته في خطر، وأنّ اقتراب فتحي منها، قد يعني نهايته، لذلك وجب أن يقتله. قتله أمر بسيط جدا، الرجل يحتاج إلى حقن دورية كي يقاوم بها أمراضه المزمنة. المال يغـيّر الحقن بطريقة يستحيل معها اثبات من فعلها. هذه أشياء بسيطة يمكن يمكن تدبير تفاصيلها، لكنها تخلق كلّ متعة القصة العائلية. تكتشف هنا أن متعة القتل لا تضاهى. القصة العائلية الناجحة هي التي لا تتفادى فرصة القتل، أو تتحاشاها. سيلقون سبابا كثيرا حينما تكون الضحية من قائمة الطيبيين، لكنّني أرى قلوبهم تضحك في جذل طفوليّ. الملاعين الصغار!

ويعود فتحي إلى ثروة والده وقد اختفت حبيبته فجأة كأن لم يكن لها وجود. لماذا اختفت رانية؟ لأنها تعرف قاتل والده، ولأنها عاجزة عن مواجهته بالحقيقة. لكننا لن نقف طويلا عند هذا التفصيل السخيف. إن العالم ممتلئ بالعاجزين عن مواجهة مسؤولياتهم، ولعلّ قارئ هذه السطور (او المستمع الكريم) من بينهم. ما يهمنا، ليس سبب عجزها عن المواجهة، ولا العوامل النفسية التي تُقعد إنسانا على الإقدام على أمر يريده، ولا تلك التي قد تدفعه لفعل ذلك. بل ما يهمنا هو ما سببه عجزها من قطيعة وعذاب، وساعات كثيرة من التأوّه والاستماع إلى أغاني عبد الحليم حافظ. لحسن الحظ لم يكن فتحي كذلك، كان مندفعا، متهورا لا يبالي بشيء من أجل الوصول إلى مبتغاه. وحينما رأى صورة رانية في إعلان عن معرض لوحات تشكيلية، لم يتردد في اقتحام المكان. يشاء الحظّ مرة أخرى أن يتخلّف والدها عن الحضور، فكانت المواجهة التي لا مناص منها. الحظّ سلاح مهمّ لا بأس من استدعائه متى اقتضت الضرورة ذلك، ومتى ضاقت بك السبل. تماما كما يحتجّ شعراء اليوم بفكرة أن "كلّ واحد يقراها بطريقة" كلّما عجزت عن فكّ طلاسم أحد أبياتهم العبقرية.

و لأن اعترافات رانية لا تكفي، ولأن العائلة ترنو إلى العدالة المطلقة، حيث كل يأخذ جزاءه. فقد كان لزاما على الفتاة أن تجد الوثائق اللازمة لفضح والدها. ليست خيانة طبعا، اِجعل والدها غليظ المظهر، قاسيا، و لن يتّهمها أحد بخيانة والدها. ثم إن زواج الحبيبين لن يتم مباشرة بعد المحاكمة. لكنّ النهاية يجب أن تكون إما عادلة الى حد لا يطاق، و أما ظالمة كما لم يحدث من قبل. كان يمكن أن أنحو منحى وحشيا بعض الشيء، و ان أجعل فتحي ـ انتقاما ـ يغتصب حبيبته مثلا، أعتقد أن ذلك يناسب شخصيته المندفعة. لكنّ ذلك يهدم البناء الذي رتبه القارئ أو المستمع في ذهنه. لا أحد يحب أن يقوّض الكاتب بناءه الذهنيّ في خاتمة القصة. لذلك سأكون خلوقا، و أزف إليكم خبر زواجهما.

ـــــــــــــــــــــــــــ هنا تنتهي القصة و يستمرّ تقديم الكتاب..


أزفّ إليكم أيضا، أن الكتاب الذي أقدمه اليوم لكم، يحمل بين طياته عشر قصص، ليس من بينها قصّة عائلية واحدة. واعلموا أنني لا أسرف في قولي، ولعلّ من قرأ الكتاب من بين الحاضرين، سيعثر بين طيات هذا النص على تفاصيل كثيرة تخرج به عن الخط. أما أنتم، فحاولوا أن تذكروا قولي هذا و أنتم تقرأون الكتاب.


Friday, August 16, 2013

سوق الكساد (حديث إلى الكاتب)



نص خطاب أتوجّه به اليوم إلى جمهور الأدباء الشبان، و ضيوف ملتقى قليبية للأدباء الشبان..

يقول الشاعر :
إلى كم ذا التخلف و التوانـــــــي ـــ و كم هذا التمادي في التمادي
و شغل النفس عن طلب المعالي ـــ ببيـــع الشعر في سوق الكسادِ

و السوق اليوم كاسدة، و التخلفُ و التواني ضاربان في البلاد كما لم نعرف من قبل، فهل يرحل الشاعر؟ و أية معال تراهُ يلقاها بعيدا عن الشعر، و عن الأدب؟ لقد علّمتنا تجربة المتنبي أن معالي الشعر أرفع من المناصب و أكبر من السلط، و أن الكاتب وحده من يصنع من الحاكم كافورا أو سيف دولة..

إن سوق الكساد هو السوق الذي يجب أن يباع الشعر فيه للناس، و إن زمن التخلف و التواني هو الزمن الذي يحتاج أكثر من أي زمن آخر إلى شجرة الكاتب الوارفة، و إن الوطن الذي أصابته شيخوخة مبكرة، هو أكثر الأوطان حاجة إلى ماء المداد حتى يستعيد نضارته..

إن علاقة الأوطان الجريحة بغزارة المنتوج الأدبي لا علاقة لها بالصدفة. لها ذات وقع الجسم الجريح حينما يفرز وسائل المقاومة و الحماية. ليس غريبا اذا أن يأتينا المتنبي في زمن كسوف الدولة العباسية، و أن يطلع علينا بن حزم وسط حروب ملوك الطوائف، و أن يسطع نجم نزار القباني زمن النكبة المريرة، و أن يولد محمود درويش و غسان كنفاني من رحم المأساة الفلسطينية..
ترون إذا، أن فعل الكتابة اليوم ليس ترفا فكريا، بل مقاومة حقيقية، عملية انعاش و افاقة قبل أن يسقط الوطن في حالة غيبوبة قد تطول..

الكتابة في هذا الزمن اذا جدّية جدا، أو يجب أن تكون كذلك.. في أكثر الأعمال ظرفا، أو بساطة، يجب أن تتوفر تلك الجدية.. و على الكاتب أن يعامل أوراقه بمنتهى الاحترام و كل تهاون في ذلك هو تهاون في انعاش الوطن.. عليك أيها الكاتب اليوم أن تبحث، أن تتأمل، أن تفكر طويلا، و أن تقدم لسوق الكساد لغة جديدة، و قولا جديدا، و أفكارا جديدة.. فكر بكل حرف تمرّ عبره، كما يفكر الجنديّ بكلّ خطوة يخطوها وسط الألغام.. راود الأفكار البعيدة، تحرّش بها، تحسس أجسادها بكل وحشية الكاتب، و احفظ تضاريسها جيدا قبل أن تخلّدها على الورق، إن الأفكار مسمومة أحيانا، و قد تقتل الورق، فكن مغامرا ماهرا.

هناك، عند نهاية الكتاب، ستجد هوّة عميقة، فيها قراء مترددون مرهقون، و دور نشر يعدون على الأصابع، و آلات طباعة عتيقة و اعلام يراقب بمنظار مقرّب جديد الساحة الادبية.. ارم نفسك في الهوة، و خض المعركة.. قاتل كي يقرأك الناس و لا يهمّ كثيرا بعد ذلك أن يعجب الناس بما كتبت أم لم يفعلوا، فالافادة حاصلة في الحالتين..

هنا في هذا المكان الجميل، تخلّصت من عادة الحبو، و تعلّمت المشي.. أفرزت خطواتي الأولى كتابا أرجو له شيئا من التوفيق، و الكثير من القراء، لكنني أعلم أن الطريق طويلة.. و أن التحول من سوق الكساد إلى سوق عكاض، لا يمرّ عبر كتاب وحيد.. و لئن لم أختر أن أكون كاتبا، فقد اخترتُ أن أجيد ذلك، أو أحاول على الأقل.. قاتلوا من أجل الأدب يرحمنا و يرحمكم الله، قاتلوا من أجل الأدب يرحمنا و يرحكم الله.. 



16 آب 2013

Saturday, May 4, 2013

ثـم تكون خلافة..

(تقديم مملّ لا بدّ منه)
و هو موضوع يشغل بال المسلمين ربما منذ سقوط الخلافة سنة 1924، فبعدما كانت (الخلافة) أمرا واقعا لا خلاف على وجوبه تقريبا، (هناك من عارض وجوب الخلافة، مثل بعض المعتزلة) وهنت وضاعت أطرافها، وبدأ التساؤل : أليست الخلافة سبب وهن المسلمين؟ فانتهى عند مصطفى كمال أتاتورك بإجابة "نعم"، فأطاح بالخلافة، وأعلن عن الجمهورية التركية. بينما كانت إجابة حسن البنا، أن "كلا"، فأسس جماعة الإخوان المسلمين، وبدأت الحركات الإسلامية الّتي على اختلاف مذاهبها ومشاربها، تلتقي عند فكرة واحدة : وجوب الخلافة...

واليوم، يشتدّ الخطاب عن الخلافة ويعظم، فهناك من يعتبر المسلمين قد أخلـُّوا بإحدى شعائر الإسلام. وهناك من أفتى بأنّها فرض كفاية، وهناك من اعتبرها حتمية تاريخية (أجل تماما كالشيوعية عند ماركس)، وأن لا فائدة من سؤال "هل"، وإنما السّؤال هو "متى"؟ وربّما من أجل هؤلاء تحديدا أسوق هذا الحديث.

ذلك أنّ خطب الأئمة في الجوامع، وخطب الشيوخ من المنابر المقدّسة (قنوات التلفاز تحديدا) لهفت الناس لهفا، وأخذتهم عن التفكير في ما يسمعون، وحتى الأئمة أنفسهم، لا يكلـِّف أغلبهم نفسه مشقّة التساؤل، حتّى تغلب الأسطورةُ على الدّين. وللأسف، فقوة الأسطورة أساسا، أنها تجد في عقول العامّة مستقرّا متينا، فتنتشر الفكرة في أذهانهم كأنه مسلّم بها. ومن هذه الأفكار ما يروج عن الخلافة من حتميتها التاريخية و وجوبها الدينيّ.
لكنني هنا لا أطعن في أمرا ما قطعا، وإنما أسوق رأيا لا هو بالفتوى و لا بالاجتهاد، بناء على ما يقدّم لنا التاريخ من معلومات بعضها ثابت لا حاجة للطعن فيه (كسقوط الخلافة مثلا) وبعضها توثّق له الكتب بأخبار وأحاديث تستنزف العقل وتستخفّ بالمنطق. هدفي أن أدفع للتساؤل، والبحث والفهم، لأني أؤمن في دين يتماهى مع التاريخ ولا يخترقه.

لستُ من اخترع مذهب التّحقيق في التّاريخ المكتوب. إنّما أنتهج نهج العلاّمة عبد الرحمان بن خَلدون الذي قال في مقدّمته الشهيرة :  
"اِعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا. فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار. فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد."

لذلك، فمن المهمّ دراسة النصّ، ودراسة سياقه، وفهم ربط هذا بذاك، حتى يتبيّن لنا المنطق الذي ينبني عليه الزمان، أو لا يتبيّن لنا ذلك، فللتاريخ في مثل هذه المسائل هيبته التي لا تردُّ و لا تترك.

(يمكن أن تبدأ من هنا)
 
وأبرز ما يقدّم له هؤلاء للدلالة على الخلافة، ذلك الحديث النبويّ الشهير، الذي أقدمه بالنص عن صحيح أحمد:

"
حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثني داود بن إبراهيم الواسطي حدثني حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال كنا قعودا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بشير رجلا يكف حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت قال حبيب فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعني عمر بعد الملك العاض والجبرية فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه"

(
مسند أحمد » أول مسند الكوفيين » حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم)

 حتّى إنّ عبارة "ثم تكون خلافة"، من أدبيات الحركات الاسلامية ومسلماتها. لكنّك لا تقرأ عندهم كامل الرواية حتّى قوله "فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسرّ به و أعجبه" إلا نادرا. ذلك أن ما يهمّ هؤلاء الناس، هو قراءتهم هم. لا التاريخ كما هو.
أما التاريخ، فهو أن هذا الحديث سيق زمن خلافة عمر بن العزيز (الخليفة الأمويّ العادل) فاستدلّ (القائل) به أن قوله صلّى الله عليه و سلّم (لو قال ذلك فعلا) "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" كان يقصد به الخليفة الراشد الخامس، عمر بن عبد العزيز. ذلك أنّ الملك العاضّ والجبريةّ هم بنو أميّة (السفيانية والمروانية).
وأما قراءتهم، فهو اجتهاد الشيخ الألباني رحمه الله، الّذي صحّح الحديث (اجتهاده) واعتبر أن الملك الجبريّ لايزال قائما، وأن الخلافة الثانية على منهاج النبوة لم يعن بها "عمر بن عبد العزيز" وإنما لم تأت بعد.
هكذا ينزّلون الاجتهاد منزلة النص، ويحوّلون التأويل إلى تفسير واحد أوحد، لا يكتفون برفض ما عداه، إنما ينكرون على غيرهم فهمَ آخرٍ.

أما أنا، فسأتساءل ـ ببراءة ـ لِمَ لم يظهر هذا الحديث قبل عمر بن عبد العزيز؟ و لِم بدا كأنه قيل خصيصا لهذا الرجل دون غيره، فهو الذي عاد بالخلافة إلى منهاج النبوة حتما بعدما كان في المسلمين ملك عاضّ و جبريّ. أما السؤال الثاني فسيفتح الباب لأمر آخر يتجاوز قراءة الحديث: فلو سلّمنا بقراءة الألباني، فهذا يعني أحد الأمرين حتما: إما أن حُكم عمر بن عبد العزيز يعتبر ملكا عاضّا، وإما أنّ النبي صلّى الله عليه و سلم تغافل أو لم يعلم، أن بعد الملك الجبريّ سوف تعود الخلافة على منهاج النبوة زمنا، ثم يعود الملك العاضّ و الجبريّ ثم الخلافة على منهاج النبوة. و بين هذين الفرضيتين، فأنا أخيّر أن أرفض كلّ هذا المنطق. فعمر بن عبد العزيز هو الخليفة الراشد الخامس، شهد له بذلك أعداؤه وأحبابه، وأمّا الرسول صلى الله عليه و سلم، فما يخبّر عن أمر إلا وصدق. لكن، ماذا لو أن التأويل ليس وحده ما يجب إسقاطه؟

المعلوم أن الحديث ساقه أحمد في مسنده، ثم صححه الألباني. والظاهر أيضا أنه سيق حتى "يسرّ" به أمير المؤمنين حينئذ عمر بن عبد العزيز. فهل تراه اختلق اختلاقا؟

لنعد إلى الحديث، ولنتخيّل سياقه وما قد يترتّب عنه ـ منطقيا ـ من مواقف: 
يخبر صلى الله عليه وسلّم الناس عن النبوة، وهذا أمر معلوم لديهم، ثمّ يقول لهم بعد ذلك "ثمّ تكون خلافة على منهاج النبوّة" فإذا أخذنا القول عن "الخلافة" بمعناه الاصطلاحيّ كما يؤكد عليه الاخوة فإنني أستغربُ أنّ أحدا من الحاضرين عند رسول الله لم يسأل عن قصده بالخلافة، كأنّهم جميعا يعلمون ماهي. وحينما أستذكر ما أعلمه من التراث العربيّ، فإن الخلافة لم تُعرف قطّ، وعُرفت الإمارة و عُرف الملك، و عُرفت الوزارة (عن الفرس مثلا)، فهل من بيت من الشعر الجاهلي يذكر "الخلافة" مثلا؟
وإذا ما تجاوزنا الأمر، كأن مثلا، حدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل هذا الحديث عن "الخلافة" كأحد أركان الدين، فلِمَ لم تُذكر الخلافة في حادثة السقيفة؟

قد نجد رواياتٍ مختلفة لحادثة السقيفة، وهي على اختلافها لا تذكر أحدا تحدث عن "الخلافة"، أو سأل : "من الخليفة"، لكنّها في المقابل ذكرت مقترحات من قبيل "منّا أمير ومنكم أمير" و"مناّ أمير ومنكم وزير." وهي المصطلحات المتداولة.
فهل خالف الصحابة رضوان الله عليهم كلام رسول الله وخاضوا في الإمارة والوزارة؟ ولو أن الرسول حدثهم عن الخلافة، فلِمَ لم يسأله أحد عن "الخليفة" من بعده؟ بل إنّ نظام الحكم نفسه كان محلّ جدال أيضا، ومن الحاضرين من اقترح أميرين يتقاسمان السلطة. كان نظام الخلافة يتشكل حينئذ، ولو أن الرسول حدث الناس عن "الخلافة" لما تخاصم عليها اثنان. بل إن مصطلح "الخليفة" لم يجر على ألسنة العرب إلا بعد ذلك. فقد كان الناس ينادون أبابكر الصديق بـ"خليفة رسول الله"، ثم حينما جاء عمر، قيل له "خليفة خليفة رسول الله"، فكره عمر أن يستمرّ ذلك، فسمّى نفسه أميرا للمؤمنين، فهل كان عمر يفعل ذلك لو أنه عرف عن الرسول أنه سمّى صاحب الأمر من بعده بالـ"خلافة"؟

كلّ المؤشرات التاريخية، تدلّ أن "الخلافة" لم تُعرف كمصطلح يدلّ على نظام حكم قائم بذاته إلا بعد فترة طويلة من بداية "الخلافة" نفسها، وذلك حينما سلّم الجميع أنها الضامن لوحدة المسلمين، وأن من يملكها يرجع إليه أمر المسلمين جميعا، فغدا السؤال حينئذ : من الأحق "بالخلافة"؟ وهكذا عُرِّفت الخلافة، في سياق الخصام حولها.

المضحك في الأمر، أن هؤلاء لا يملكون تقريبا غير هذا الحديث الذي روي رواية واحدة، وآخر عن أن "الخلافة ثلاثون سنة" وهو لا يختلف عن السابق كثيرا، أو عودتهم إلى القرآن فأوَّلوا كل آية فيها لفظة "خليفة"، واعتبروها دليلا على الخلافة، كقوله تعالى "وإذ قال ربُّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة." و عنوا بذلك آدم عليه السلام. وأنا هنا أتساءل، إن وجبت الخلافة في الارض، وإن كان آدم عليه السلام هو "الخليفة" كما كان داود من بعده (بذات الفهم لقوله تعالى : يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض)، فلِم لم يحدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ـ هو أيضا ـ كان خليفة في الأرض؟

أعتقد أن الخلافة التي تحدث الله عنها في القرآن تتجاوز معناها الضيق الذي حصرناه ـ بعدما ظهرت الخلافة الاسلامية ـ لتحمل مفاهيم عدّة تخبرها عنها اللغة العربية. فالخلْفُ هو الوراءُ، ومن يخلفُ، هو من يأتي من وراء (أو من بعد) ليحل مكان الأول، وخليفة الله في الأرض يأخذ معنى مجازيا، ليعني أن الله صاحب الأمر الأصليّ، قدّم للانسان القدرة على الأمر والقرار في هذه الأرض. وخليفة رسول الله، هو من خلفه في إمامة المسلمين وأخذ القرار عنهم.
لذلك استخلف اللهُ آدم [و بنيه ] في الأرض. أما استخلاف داود، فدلالة على سعة ملكه. وتؤكد ذلك الآية 55 من سورة النور "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض". فالمؤمنون الذين عملوا الصالحات هم خلفاء الله في الأرض، ولا أعتقد هنا أن الله استأثر الملوك بالقدرة على الايمان وعمل الصالحات، إنما الناس عامة.

(الخلاصة، لو كنت تريد القول، من آخره)

وخلاصة الرأي، أن حديث الخلافة جاء في عصر بني أمية، الذي كثر فيه النّحل، فزيفت الفرقُ الأحاديث، ونحلت الأشعار، حتّى يجد كل منهم ما يحتجّ به على رأيه، وهي آراء في أغلبها سياسية. وقد تقدّم ذكر الغرض الأساسي من وراء الحديث. كما ذكرتُ كيفية استحالة أن يقول ذلك الرسول أمام الصحابة، دون يتبع عن ذلك أمور لم يروها التاريخ ولم تحصل. والسبب يرجع كالعادة، إلى سطحية هذه القراءات، وعدم براءة أغلبها. 

(ما بعد الخلاصة، فقط لإغاظة قوم آخرين)
لكنّني على كل هذا الحديث، قد أفاجئ الكثيرين بالقول، إنني لا أدين مؤسسة الخلافة بكل شرّ أصاب المسلمين كما يذهب إلى ذلك كثيرون اليوم. بل أنظر إليها كميزة حضارية وثقافية هامة. أنظر للخلافة أنها هارون الرشيد، والمأمون، وعبد الرحمان الناصر، وغيرهم. أنظر للخلافة كما ينظر بريطانيّ وقور (ولا أعني أنني وقور هنا) إلى الملكة فكتوريا والملك ريتشاد وغيرهم.

فللتاريخ سياق يُقرأ فيه، والتاريخ يقول إنّ الخلافة والملك أمران مختلفان. ففي الاسلام ظهرت الخلافة قبل الملك، ذلك أنّ أوّل من ورّث الحكم كان معاوية، ولم يفعل الخلفاء الراشدون ذلك. والخلافة أيضا، لا تعرف لها شرطا غير البيعة (وهي الأمر الوحيد الذي أخذ عن الرسول، ويمكن اعتباره أمرا شرعيا)، أي بيعة المسلمين، وهو ما تقرّ به كل نظم الحكم المعقولة اليوم، فعلى المحكوم أن يشهد بتوكيل أمره إلى الحاكم. عدا ذلك، فإن كل خليفة في فترة تكوّن مفهوم الخلافة، قد اجتهد في التأسيس لمؤسسات الحكم، وتقاليده، فأوصى أبو بكر بالخلافة لعمر مثلا، وهو ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم. بينما ارتأى عمر مثلا، أن يعقد مجلسا من الحكماء يتشاورون فيما بينهم، ويختارون خليفة لعمر. إذا فالاخذ بكل ذلك على أنه من جوهر الدين أو الشرع لهو برأي غريب لا أجد له تفسيرا ولا منطقا. ولنذكر أن هذا الاجتهاد كان في القرن السابع بعد الميلاد، حينما كان نظام الحكم المتداول في العالم لا يحمل غير معنى التملك التام والجبروت الأعظم، ولو وصلت لعمر بن الخطاب أدبيات الاغريق السياسية القديمة، لكان حديثنا اليوم مختلفا أيّما اختلاف.

إنّ الخلافة ميزة حضارية جميلة، لها مكانها في عصرنا، مثلما وجد اليابانيون مكانا لامبراطورهم. لكنّ العائق الأساسيّ، أن لا أحد ينظر إليها كما ينظر اليابانيون إلى تراثهم. فمنّا من ينظر إلى الخلافة كما تنظر القبائل البدائية إلى "التابو" الّذي يجب أن يظل كما هو، ولا يناقش أبدا. ومنّا من ينظر إليها كأن فكرة الخلافة هي بؤرة الفقر والتخلف والجهل. وهذا منطق يجيب التاريخ عنه بيسر وسهولة.
الخلافة ميزة حضارية جميلة، لكنها ليست حلا لمشاكل الأمة، بل إنها لن تتحقق إلا اذا حلّت مشاكل الأمة. هي نتيجة وليست سببا.
الخلافة ميزة حضارية جميلة، لكن حتما، ليس في وطن لا يزال خُمسه لا يفـقه القراءة والكتابة، ليس في وطن لا يعرف المواطن فيه حقوقه وواجباته، ليس في وطن لا يجد المواطن فيه كسرة خبز. إنّ لنا من الهموم ما يغنينا عن الالتفات إليها.
   

إن مصيبة هؤلاء القوم اليوم، هي المقابلة بين الديمقراطية والخلافة، كأنهما المقابلة بين الطاغوت والحق، ولا أدري ما كان هؤلاء فاعلين لو علموا أن مؤسسات الخلافة كالدواوين مثلا، أخذها عمر رضي الله عنه، عن الفرس المجوس.


الخليفة هارون الرشيد يستقبل رسل الملك شارلمان


Saturday, March 30, 2013

العاجز

من وحي أحداث مسيرة يوم الأرض..
_________________________________ 

مخيّلتي تضيق.. 
كانت الشعارات كثيرة.. فسيفساء من الاحلام و الشتائم.. الحزب و الحزب المعادي.. علم فلسطين يشرئبّ بعنقه علّ أحدا يراه.. 

دخل إلى حانة الفندق، و طالعه صوت الموسيقى الدافئة، ربّما يجد شيئا من الصخب الهادئ هنا، العاصفة لا تزال تزأر في رأسه، و هو يحبّ أن ينسى..

كانت وراءه أعلام المغرب، و كانت أمامه رايات الصحراء المغربية و كان هو يحمل شعارات عن الأرض المغتصبة.. حاول أن يتابع المسيرة بحنجرته المتحمّسة لكنّه ضاع وسط الهتافات.. لم يفهم تحديدا هل عليه أن يصرخ "الارض فلسطينية، و الصحراء مغربية" أم أن يصرخ "الصحراء و فلسطين، اراضي المظلومين" لذلك قرّر أن يبتعد قليلا..

جالسة هناك، تلاعبُ الموسيقى جسدَها فيستجيب تلميحا، بينما شفتاها لا تكفان عن الابتسام.. سرت رعشة خفيفة في جسده و هو يقبّل خدّها الغضّ.. و راح يتابع ما ترويه عيناها من حكايا...

فوجئ بصراخ من حوله، و حمّالة ألوية عجيبة يندفعون راكضين من ورائه.. قرأ على الألوية عبارة "الأحواز".. لماذا يركضون؟ هتف أحدهم أن انصار الخمينيّ في الخلف، و أن البوليس فرّق بينهم.. "الوطن العربي واحد، الشعب العربي واحد!".. قال لهم أحدهم أن يلتحقوا بالقوميين في الأمام.. 

عيناها تلمعان، جذل أم انتظار؟ جرع بقية كأسه لكنّ العطش لا يزال غالبا، فظل يحدق صامتا في شفتيها.. قالت له مبتسمة إنّه ـ على غير عادة الكتّاب ـ صموت، لكنّه لم يجد جوابا فلاذ بالصمت و مراقبة شفتيها..

سأله صديقه الفلسطينيّ عن الرايات الحمراء التي تحيط بهم، فأجابه إنهم النقابيون، و أتباعهم.. لماذا يصرخون تنديدا بتجار الدين؟ لم يجد اجابة مقنعة، قال انها ادبيّاتهم السياسية، فصرخت في وجهه امراة ثائرة أنهم مجتمع مدني و لا علاقة لهم بالاحزاب.. أراد أن يسألها لماذا لا يُجمع الكل على اسم فلسطين و ينسون خلافاتهم ليوم واحد؟ لكنّه خاف أن يُتّهم بالرجعية فلاذ بالفرار.. 

نسق الموسيقى يتسارع، و كذلك الخدر في جسده، مع ذلك لم يحس بانسجام كبير مع ما حوله.. راح يتأمل الوجوه الناعمة المنتعشة.. رائحة السلام و النسيان تغرق المكان.. شابان و امرأتان يتبادلون القبل في ما بينهم في استمتاع، عجوز تراقص سعادتَها و رضاها عن العالم.. قالت له احداهنّ "و كأنّك غريب عن هذا العالم." فابتسم ساخرا و أفرغ كأسا أخرى في جوفه، ثم هبّ راقصا.. 
كيف تغيرت الموسيقى الى فولكلور فلسطينيّ؟ لم يفهم.. لكنّه توقف عن الرقص.. راح يتابع راقصي الدبكة الذين نبتوا فجأة وسط المكان.. كان أغلبهم شُقرا، غربيّي الملامح.. أشاعوا جوا فلسطينيّا دافئا.. لماذا لا يواصل الرقص؟ كان عاجزا.. و كان مخيّلته تضيق..

قال له صديقه الفلسطينيّ إنّه كره الزحمة و الشعارات المستفزّة، و أنّه ربما عليهم أن يتقدّموا الى الامام قليلا.. هنا، أوقف المنظّمون تحرّك المسيرة، و هتف هاتف من وراء بوق لا يعمل أن مسيرتهم المظّفرة كبيرة و تبلغ العشرة آلاف شخص، و أنه يجب أن يتوقفوا ليتركوا "الغرباء" في التسللّ.. ردّد أحدهم هتافا عن الخونة "الاخوانجية".. فطار صواب رفيقه الفلسطينيّ و دعا الجميع الى الابتعاد عن جسم المسيرة.. مرّ مع صُحفيّة من بين أيدي المنظّمين المتشابكة، ثمّ استدار ليجد صديقَيه الفلسطينيينّ داخل الحاجز البشريّ.. كانت الفتاة الفلسطينيّة تهتف في غضب إنها لا تتبع أية مسيرة، و إنّها "قرفت" من الشعارات الحزبية التي لم تأت من أجلها، لكنّه واجه يدَها الرقيقة بيد حجرية آلمتها، لحسن الحظّ أن صديقه الفلسطينيّ لم يلحظ ذلك، امّا هو، فاندفع لتخليصها و هو يصرخ في المنظّم.. كان للمنظّم موقف وجيه من منع فلسطينيّة من التحرّك بحريّة في مسيرة تساند وطنها : لا يجب الاختلاط مع الرجعية.. موقف لم يكن يعنيها كثيرا..

حينما اقترب منتصف الليل، لعبت الخمر برأسه، فاسند رأسه إلى كتفها.. رسمت ابتسامتها الساحرة و هي تقول في غموض "هل تريد أن تنام حقا؟" لا يعرف، قال لها إنه يشعر بالعطش، كان بالفعل يشعر بالعطش، لكنها و قد لحظت ذوبان عينيه عند شفتيها القرمزيّتين، ضحكت و قالت له : الجمايلية عطاشى!" ثمّ أضافت :" ما الذي يروي عطشك؟" عيناها تكتبان أكثر من قدرته على القراءة.. عيناها تلمعان في جنون هادئ.. حينما تضيق المخيلة، يتداخل الخيال بالذاكرة.. يمتزج الماضي بالامل.. الكاذب.. عاودته صور الاحزاب المتشابكة على فلسطين في يوم الأرض.. ثمّ صورة شفتيه تدغدغان جسدها.. ركّز أيها الاحمق ركّز! لكنّ الصداع بدأ يعمل عمله.. أشياع صدام يهتفون ضدّ أشياع الخامنئ، اليسار يحذّر من الاخوان، و الاخوان يكبّرون في رضا، الناصريّون يرفضون مظاهرة ينظمها المنتدى المتحالف مع الصهيونية، أين فلسطين؟
كان عاجزا.. حينما ألصق شفتيه بشفتيها، كان لا يزال عاجزا.. "ماذا هناك؟" سألته في قلق.. حاول أن يجمّع جملتين، لكنّه قال كأنه يهذي "الأرض ليست خصبة.." .. عاودته الصور، فعاد يقبّلها.. لكنّ المخيلة كانت تضيق.. أحس بيدها فارتجف، لكنّها فهمت كلّ شيء.. الأرض ليست خصبة .. و هو عاجز عن الحب.. استأذن في الانصراف دونما عبارة..


Saturday, March 23, 2013

الذكرى التسعون لميلاد الشعر

"يوم ولدتُ في 21 آذار (مارس) 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة، كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة... و كان الربيع يستعدّ لفتح حقائبه الخضراء.

الأرض و أمي حملتا في وقت واحد.. و وضعتا في وقت واحد.

هل كان مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي في الفصل الذي تثور فيها الأرض على نفسها، و ترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة؟ أم كان مكتوبا عليّ أن أكون كشهر آذار، شهر التغيّر و التحوّلات؟"

نزار قباني ـ قصتي مع الشعر

و لأنّ تسعين عاما مرت على هذا التاريخ "الانقلابيّ"، فقد أحببتُ ان أشارككم هذه الرحلة الطويلة "نسبيا" بين دواوين نزار القباني الكثيرة، لأنّ الكثيرين لا يعرفون عن الرجل غير القصائد التي غناها كاظم الساهر، و نجاة الصغيرة و عبد الحليم حافظ و غيرهم.. رحلة بين دواوين الشاعر، أبدؤها بديوانه الأوّل حتى أبلغ ديوانه الأخير، أقدّم من كلّ ديوان مقطعا بسيطا، علّه يبيّن لكم تطوّر التجربة الشعرية لنزار، و تنقله بين ألوان القصيد، و فلسفته الشعرية، و مشروعه الفني...

فكي الغلالة .. واحسري عن نهدك المتضرّمِ
لا تكبُتي النارَ الحبيسة ، وارتعاشَ الأعظــمِ
نار الهوى ، في حلمتيكِ ، أكولة كجهنّـــــــمِ
خمريتان .. احمرّتا بلظى الدّم المتهجّــــــمِ
محروقتان .. بشهوةٍ تبكي ، وصبـر ملجَـــــمِ
نزار قباني ـ نهداكِ ـ قالت لي السمراء (1944)



منضمةٌ.. مُزقزقه
مبلولة كالورقــه
سبحانه من شقّها
كما تُشَقّ الفستقه
نافورةٌ صادحةٌ
و فكرةٌ محلّقه
وعاء وردٍ أحمر
في غرفة مُزوّقه
و باقةٌ من كرز
بأمها معلّقه
***
كم قبلة زرعتها
منغومة مُمَوْسَقَه
على فم كأنّما
خَلاّقُه ما خلَقه
و أنتِ فوق ساعدي
مأخوذة مستغرقه
مرتاعةٌ.. ضفيرةً
حيرى، و عينا مغلقه
أبيننا، ما بيننا
و أنتِ خجلى مطرِقه؟
نزار قباني ـ الشفة ـ طفولة نهد (1948)



أيّ مغزل
حاك أكتافا عرايا
هي في الليل مرايا..
تتنقّل
***
للصنوج
قهقهات عصيبة
فارس ضمّ صبية
في مريج
***
و الطبول
تحفر الأعصاب حفرا
و تحيل الشوق صبرا
و الميول
***
ذاك قدّ
كهضابي، كبرياء
يغمر الأرض عطاء..
حين يعدو
***
و طويلة مثلما ينهض سيف..
عريها .. نصف .. و نصف
كالخميلة

نزار قباني ـ سامبا ـ 1949
لي ميسة الزنّار.. و الخاصر الموشّحُ
و الخال لي.. و الشال لي..
و الأسودُ المسرّحُ
و كلّ ما فُتّحَ في الصّدر.. و ما يُفتَحُ
أنتِ و يكفيني أنا الغرورُ و التبجّحُ
نزار قباني ـ أنتِ لي ـ أنتِ لي (1950)



في ليالي الشرق لما..
يبلغ البدر تمامه..
يتعرى الشرق من كل كرامه
و نضال..
فالملايين التي تركض من غير نعال..
و التي تؤمن في أربع زوجاتٍ..
و في يوم القيامه..
الملايين التي لا تلتقي بالخبز..
إلا في الخيال..
و التي تسكن في الليل بيوتاً من سعال..
أبداً.. ما عرفت شكل الدواء..
تتردى جثثاً تحت الضياء..
في بلادي.. حيث يبكي الأغبياء..
و يموتون بكاء..
نزار قباني ـ خبز و حشيش و قمر ـ 1954



مزقيها ..
كتبي الفارغة الجوفاء إنْ تستلميها ..
و العنيني .. والعنيْها
كاذباً آنتُ . وحبي لكِ دعوى أدعيها ..
إنني أكتبُ للهو .. فلا تعتقدي ما جاءَ فيها ..
فأنا - كاتبها المهووس - لا أذكرهُ
ما جاءَ فيها ..
***
أتلفيها ..
وادفني كلّ رسالاتي بأحشاءِ الوقودِ
واحذري أن تخطئي ..
أن تقرأي يوماً بريدي ..
فأنا نفسي لا أذكرُ ما يحوي بريدي !..
و كتاباتي ،
و أفكاري ،
و زعمي ،
و وعودي ،
لم تكنْ شيئاً ، فحبي لكِ جزءٌ من شرودي
فأنا أكتبُ كالسكران ..
لا أدري اتجاهي وحدودي ..
أتلهى بكِ ، بالكلمة ، تمتصُّ وريدي ..
فحياتي كلها ..
شوقٌ إلى حرفٍ جديدِ
ووجودُ الحرف من أبسطِ حاجاتِ وجودي
هل عرفتِ الآنَ ..
ما معنى بريدي ؟
نزار قباني ـ رسائل لم تكتب لها ـ قصائد (1956)



مطرٌ مطرٌ و صديقتها
معها، و لتشرين نواحُ
و البابُ تئنّ مفاصله
و يعربد فيه المفتاحُ
شيءٌ بينهما يعرفه
اثنان أنا و المصباحُ
و حكايةُ حبّ لا تحكى
في الحبّ يموتُ الايضاحُ
ويغادر زرٌّ عروته
بفتور ، فالليل صباحُ ..
ودثارٌ فرَّ .. فواحدة
تُدنيه ، وأخرى ترتاحُ
وحوارُ نهودٍ أربعةٍ
تتهامس ، والهمس مباحُ...
نزار قباني ـ القصيدة الشريرة ـ قصائد (1956)


فحين تدخن أجثو أمامك
كقطتك الطيبه ..
وكلي أمان
ألاحق مزهوة معجبه
خيوط الدخان
توزعها في زوايا المكان
دوائر.. دوائر
وترحل في آخر الليل عني
كنجم، كطيب مهاجر
وتتركني يا صديق حياتي
لرائحة التبغ .. والذكريات
وأبقى أنا .. في صقيع انفرادي ..
وزادي أنا .. كل زادي
حطام السجائر ..
وصحن .. يضم رمادا ..
يضم رمادي...
نزار قباني ـ شؤون صغيرة ـ حبيبتي (1961)



إذا تصفّحتِ يوما يا بنفسجتي
هذا الكتاب الذي لا يشبه الكتبا
تباركي بحروفي كلّ فاصلة
كتبتُها عنك يوما أصبحت أدبا
كتبتُ بالضوء عن عينيكِ هل أحد
بالضوء عن عينيكِ قد كتبا؟
و كنتِ مجهولة حتى أتيتُ أنا
أرمي على صدركِ الأفلاك و الشهبا
أنا أنا بانفعالاتي و أخيلتي
ترابُ نهديكِ قد حوّلتُه ذهبا
نزار قباني ـ مدخل ـ الرسم بالكلمات (1966)

إنّي كمصباح الطريق صديقتي
أبكي و لا أحد يرى دمعاتي

الجنس كان مسكّنا جرّبته
لم ينه أحزاني و لا أزماتي

و الحبّ أصبح كلّه متشابها
كتشابه الأوراق في الغابات

أنا عاجز عن عشق أية نملة
أو غيمة.. عن عشق أي حصاة

مارستُ ألف عبادة و عبادة
فوجدتُ أفضلها عبادة ذاتي

فمكِ المطيّب لا يحلّ قضيّتي
فقضيّتي في دفتري و دواتي

كلّ الدروب أمامنا مسدودة
و خلاصُنا في الرسم بالكلماتِ
نزار قباني ـ الرسم بالكلمات ـ الرسم بالكلمات (1966)

 
خمسةُ آلافِ سنهْ..
ونحنُ في السرداب
ذقوننا طويلةٌ
نقودنا مجهولةٌ
عيوننا مرافئُ الذبابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ
أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تقرؤوا كتابْ..
أن تكتبوا كتابْ
أن تزرعوا الحروفَ، والرُّمانَ، والأعنابْ
أن تبحروا إلى بلادِ الثلجِ والضبابْ
فالناسُ يجهلونكم.. في خارجِ السردابْ
الناسُ يحسبونكم نوعاً من الذئابْ...
14
جلودُنا ميتةُ الإحساسْ
أرواحُنا تشكو منَ الإفلاسْ
أيامنا تدورُ بين الزارِ، والشطرنجِ، والنعاسْ
هل نحنُ "خيرُ أمةٍ قد أخرجت للناسْ" ؟...
15
كانَ بوسعِ نفطنا الدافقِ بالصحاري
أن يستحيلَ خنجراً..
من لهبٍ ونارِ..
لكنهُ..
واخجلةَ الأشرافِ من قريشٍ
وخجلةَ الأحرارِ من أوسٍ ومن نزارِ
يراقُ تحتَ أرجلِ الجواري...
نزار قباني ـ هوامش على دفتر النكسة ـ 1967


ثوري ! . أحبّكِ أن تُثوري..
ثوري على شرق السبايا . والتكايا .. والبُخورِ
ثوري على التاريخ ، وانتصري على الوهم الكبيرِ
لا ترهبي أحدًا . فإن الشمس مقبرة النسورِ
ثوري على شرقٍ يراكِ وليمة فوق السريرِ..
نزار قباني ـ يوميات امرأة لا مبالية ـ 1968


أحبّ طيور تشرينْ
تسافر حيثما شاءت
و تأخذ في حقائبها
بقايا الحقل من لوز و من تينْ
أنا أيضا أحبّ أن أكونَ
مثل طيور تشرينْ
أحبّ أن أضيع
مثل طيور تشرينْ
فحلوٌ أن يضيع المرءُ
بين الحينِ و الحينْ
***
أريد البحث عن وطن
جديد غير مسكونِ
و ربّ لا يطاردني
و أرض لا تعاديني
أريدُ أفرّ من جلدي
و من صوتي و من لغتي
و أشرد مثل رائحة البساتينِ
أريد أفرّ من ظلّي
و أهرب من عناويني
أريد أفرّ من شرق الخرافة و الثعابين
من الخلفاء و الأمراء.. من كلّ السلاطينِ
أريد أحبّ .. مثل طيور تشرينْ
نزار قباني ـ يوميات امرأة لا مبالية ـ 1968


أحبيني
بكلّ توحّش التتر
بكل حرارة الأدغال
كلّ شراسة المطر
و لا تبقي و لا تذري
و لا تتحضّري أبدا
فقد سقطت على شفتيكِ
كلّ حضارة الحضرِ
***
أحبيني
كزلزال، كموت غير منتظر
و خلي نهدكِ المعجون
بالكبريت و الشرر
يهاجمني كذئب جائع خطرِ
و ينهشني و يضربني
كما الأمطار تضرب ساحل الجزرِ
أنا رجل بلا قدر
فكوني أنتِ لي قدري
و أبقيني على نهديكِ
مثل النقش في الحجرِ
نزار قباني ـ القصيدة المتوحّشة ـ قصائد متوحشة 1970





أهطلُ في عينيكِ كالسحابة
أحمل في حقائبي إليهما
كنزا من الأحزان و الكآبة
أحمل ألف جدول
و ألف ألف غابة
و أحمل التاريخ تحت معطفي
و أحرف الكتابة
نزار قباني ـ 38 ـ كتاب الحب ـ 1970
( مهدى "إلى زوجتي الغالية بلقيس، رفيقة العمر، و رفيقة الشعر")




رسائلي إليكِ ..
تتخطاني .. وتتخطاكِ ..
لأن الضوءَ أهم من المصباحْ
و القصيدة أهم من الدفترْ
و القبلة أهم من الشفة ..
رسائلي إليكِ ..
أهم منكِ .. وأهم مني
إنها الوثائق الوحيدة ..
التي سيكتشف فيها الناس
جمالكِ ..
و جنوني ..
نزار قباني ـ مئة رسالة حبّ ـ 1970



يستوطنُ حزن عباسيٌّ في عينيكِ ..
وتبكي مدنٌ شيعيهْ
وتلوحُ مآذنُ من ذهبٍ
وتضيءُ كشوفٌ صوفيهْ
وأنا الأشواقُ تحولني
نقشاً .. و زخارفَ كوفيهْ
أتمشى تحت جسور الشَعْر الأسودِ ،
أقرأ أشعاري الليليهْ..
أتخيل جزراً دافئة ومراكبَ صيدٍ وهميهْ
تحمل لي تبغاً ومحاراً .. من جزر الهند الشرقيهْ ..
نزار قباني ـ حين أحبّكِ ـ أحبك أحبك و البقية تأتي 1978





أحبكِ .. حين أكونُ حبيبَ سواكِ ..
و أشربُ نخبكِ حين تصاحبني امرأة للعشاءْ
و يعثر دوماً لساني ..
فأهتفُ باسمكِ حين أنادي عليها ..
و أشغلُ نفسي خلال الطعامْ ..
بدرس التشابه بين خطوط يديكِ ..
و بينَ خطوط يديها ..
و أشعرُ أني أقومُ بدور المهرج ..
حين أركزُ شالَ الحرير على آتفيها ..
و أشعرُ أني أخونُ الحقيقة ..
حين أقارنُ بين حنيني إليكِ ، وبين حنيني إليها ..
فماذا تسمين هذا ؟
ازدواجاً .. سقوطاً .. هروباً .. شذوذاً .. جنوناً ..
و كيف أكونُ لديكِ ؟
و أزعم أني لديها ..
نزار قباني ـ تناقضات ن.ق الرائعة ـ أحبك.. أحبك.. و البقية تأتي 1978



سأبدأ من أول السطر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأنيِّ سقطتُ أمام التحدي الكبيرْ !!
سأبدأ من أول الخصر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأني تلعثمتُ ، مثلَ التلاميذ ، فوق السريرْ ..
سأبدأ من قمة الصدر .. إن كنتِ تعتقدينْ
بأني تصرفتُ آالأغبياءْ
أمام دموع المرايا .. وشكوى الحريرْ ..
سأبدأ من شفتيكِ نزولاً ..
إذا كنتِ تخشينَ من غربة الليل والزمهريرْ
سأبدأ من قدميكِ صعوداً ..
إذا كان لا بدَّ لي أن أموتَ ..
لأربحَ هذا الرهانَ الكبيرْ !!
سأبدأ من أول السطر ـ أحبك .. أحبك .. و البقية تأتي 1978



يا صديقه :
عائد إلى زمن اللاشعر .. عاري القدمين
عائد دون شفاه
عائد دون يدين
إن حرب السنتين
كسرتني..
كسرت سنبلة القمح التي تنبتُ بين الشفتين..
جعلتني عاطلا عن عمل الحب..
فلم أقرأ مزاميري لعينيكِ..
و لا قابلتُ عصفورا غريبا..
أو قصيدة..
***
فاعذريني إن تأخّرتُ عن الوعد قليلا
فلقد كان وصولي مستحيلا..
و بريدي مستحيلا..
إنّ آلاف الحواجز
وقفت ما بين عينيكِ و بيني
أطلقوا النار على الحلم فأردوه قتيلا
أطلقوا النار على الحبّ فأردوه قتيلا
أطلقوا النار على البحر، على الشمس، على الزرع،
على كتب الأطفال، قصّوا شَعْر بيروت الطويلا
سرقوا العمر الجميلا..
نزار قباني ـ إلى بيروت الأنثى مع حبّي ـ 1978


من أين أتتكِ القسوة يا بيروتُ
و كنتِ برقّة حوريّه..
لا أفهم كيف انقلب العصفور الدوريُّ
لقطّة ليل وحشيّه..
لا أفهم أبدا يا بيروتُ
لا أفهمُ كيف نسيتِ الله..
و عدتِ لعصر الوثنيّه..
يا ستّ الدنيا يا بيروت، إلى بيروت الأنثى مع حبي 1978




أتحدّى كل عشاقك يا سيّدتي
من ملوك، و مشاهير، و قوّاد عظام
أن يكونوا صنعوا تختكِ من ريش النعام..
أو يكونوا أطعموا نهديكِ.. يا سيّدتي
بلح البصرة..
أو توت الشآم..
أتحداهم جميعا
أن يخطّوا لكِ مكتوبَ هوى
كمكاتيب غرامي
أو يجيئوكِ على كثرتهم
بحروف كحروفي، و كلام ككلامي..
***
أتحدّى كتب العشق و مخطوطاته
منذ آلاف القرون
أن تريْ فيها كتابا واحدا
فيه يا سيّدتي ما ذكروني
أتحدّاك أنا أن تجدي
وطنا مثل فمي
و سريرا دافئا .. مثل عيوني
قصيدة التحديات ـ أشعار خارجة عن القانون ـ 1972



أعتذر إليك
بالنيابة عن بن الفارض،
و جلال الدين الرومي،
و محي الدين بن عربي،
عن كلّ التنظيرات..
و التوهيمات و الرموز و الأقنعة،
التي كنتُ أصنعها على وجهي
في غرفة الحب..

يوم كان المطلوب مني
أن أكون قاطعا كالشفرة،
و هجوميا كفهد افريقيّ
أشعر برغبة في الاعتذار إليك
عن غيابي الذي لا مثيل له
و جبني الذي لا مثيل له
و عن كل الحكم المأثورة
التي كنتُ أحفظها عن ظهر قلب
و تلوتُها على نهديكِ الصغيرين
فبكيا كطفلين معاقبين، و ناما دون عشاء..
***
أعترف لك يا سيدتي
أنكِ كنتِ امرأة استثنائية
و أن غيابي كان استثنائيا
فاسمحي لي أن أتلوَ أمامكِ فعل الندامة
عن كلّ مواقف الحكمة التي صدرت عني
فقد تأكد لي بعدما خسرتُ السباق
و خسرتُ نقودي
و خيولي
أن الحكمة هي أسوأ طبق نقدّمه
لامرأة نحبّها
حبّ استثنائيّ لامرأة استثنائية ـ كلّ عام و أنت حبيبتي ـ 1978



كان اسمه
كما يقال أنور السادات
كان اسمه المأساة
والعلم عند الله والرواة
و كان يمشي
خلف عبد الناصر العظيم
مثل الشاة
منحنيا.. منكسرا نصفين
وشاحبا.. وصامتا.. وزائغ العينين
وكان أقصى حلمه
في أول الثورة أن يهتم بالحقائب
وأن يقول للرئيس آخر النكات..

نزار قباني ـ اليوميات السرية لبهية المصرية 1979


أشهد أن لا امرأة
اختصرت بكلمتين قصة الانوثة
و حرّضت رجولتي عليّ
إلا أنتِ
****
أشهد أن لا امرأة
توقّف الزمان عند نهدها الأيمن
إلا أنتِ
و قامت الثورات من سفوح نهدها الأيسر
إلا أنتِ
****
أشهد أن لا امرأة
قد غيّرت شرائع العالم إلا أنتِ
و غيّرت خريطة الحلال و الحرام
إلا أنتِ
أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ ـ 1979



في البدء كان الشعرُ
و النثرُ هو استثناء
في البدء كان البحرُ
و البرّ هو استثناء
في البدء كان النهد
و السفحُ هو استثناء
في البدء كنتِ أنتِ
ثمّ كانت النساء
هكذا أكتب تاريخ النساء ـ 1981


مايا تغني ـ و هي تحت الدوش ـ أغنية من اليونان رائعة
و تضحكُ دونما سبب
و تغضبُ دونما سبب
و ترضى دونما سبب
و يدخل نهدها الذهبيّ في لحم المرايا
مايا تناديني
لأعطيها مناشفها
و أعطيها مكاحلها
و أعطيها خواتمها الملوّنة المثيرة
مايا تقول إنّها لم تبلغ العشرين بعد
و أنّها ما قاربت أحدا سوايا
و أنا اصدّق كل ما قال النبيذُ
و كلّ ما قالته مايا
***
مايا وراء ستارة الحمام واقفة كسنبلة
و تروي لي النوادر و الحكايا
و أنا أرى الأشياء ثابتة.. و مائلة..
و حاضرة.. و غائبة..
و واضحة .. و غامضة..
فتخذلني يدايا
مايا مبللة و طازجة كتفاح الجبال
و عند تقاطع الخلجان قد سالت دمايا
مايا تكرّر أنها ما لامست أحدا سوايا
و أنا أصدق كل ما قال النبيذُ
و نصف ما قالته مايا
من ارشيف السيدة ميم ـ هكذا أكتب تاريخ النساء 1981



هذا هو التاريخ يا بلقيس
كيف يفرق الإنسان
ما بين الحدائق والمزابل
بلقيس
أيتها الشهيدة والقصيده
والمعطرة النقيه
سبأ تفتش عن ملكتها
فردي للجماهير التحيه
يا أعظم الملكات
يا امرأة تجسد كل امجاد العصور السومريه
بلقيس ياعصفورتي الاحلى
ويا ايقونتي الاغلى
ويادمعا تناثر فوق خد المجدليه
اترى ظلمتك اذ نقلتك
ذات يوم من ضفاف الاعظميه
بيروت تقتل كل يوم واحد منا
وتبحث كل يوم عن ضحيه
والموت في فنجان قهوتنا
وفي مفتاح شقتنا
وفي ازهار شرفتنا
وفي اوراق الجرائد
والحروف الابجديه...
قصيدة بلقيس ـ 1982



أيتها العربية التي ينقّط العسل الأسود من عينيها
نقطة .. نقطة ..
و ينقط الشعر من شفتها السفلى
قصيدة .. قصيدة
و يرن حلقها الطويل صباح يوم الأحد
كناقوس كنيسة..
ما كان في حسابي..
أن أمرّ معك ذات يوم تحت أقواس النصر
لنضع وردة على قبر العاشق المجهول
و لا كان في حسابي
أن أرى صورتك في متحف اللوفر
مع أعمال (رينور)
و (ماتيس)
و (سيزان)
و أن أرى أعمالي الشعرية
تباع في مكتبات الضفة اليسرى
مع أعمال رمبو
و فيرلين
و جاك بريفير
***
يا فاطمة
يا ذات الشفتين المعطّرتين بحبّ الهال
و القدمين المرسومتين بالاكواريل
لم يكن في حسابي
أن أكون أشهر العشاق بتاريخ العرب
و أشهر العشاق بتاريخ فرنسا
لم يكن في حسابي
أن أدخل إلى باريس بجواز سفر عربي
و أخرج منها
رئيسا للجمهورية الخامسة!!
فاطمة في ساحة الكونكورد ـ الحب لا يقف عند الضوء الأحمر 1985



أكتب
حتى أنقذ العالم من أضراس هولاكو
و من حكم الميليشيات
و من جنون قائد العصابة
***
أكتب
حتى أنقذ النساء من أقبية الطغاة
من مدائن الأموات،
من تعدد الزوجات،
من تشابه الأيام،
و الصقيع و الرتابة،
***
أكتب
حتى أنقذ الكتابة من محاكم التفتيش
من شمشمة الكلاب
من مشانق الرقابة
***
لا شيء يحمينا من الموت
سوى المرأة .. و الكتابة 
  لماذا أكتب ـ قصائد مغضوب عليها ـ 1986



لا تفكّر أبدا .. فالضوء أحمر
لا تكلم أحدا .. فالضوء أحمر
لا تجادل في نصوص الفقه، أو في النحو،
أو في الصرف
أو في الشعر أو في النثر،
إن العقل ملعون و منكر
***
ابق أميا .. و لا تدخل شريكا في الزنى أو في الكتابة
فالزنى في عصرنا أهون من جرم الكتابة
أحمر، أحمر، أحمر ـ الحب لا يقف عند الضوء الاحمر 1986



بوسعكِ أن تجلسي حيث شئتِ
و لكن..
حذاري بأن تجلسي في مكان القصيدة
صحيح بأني أحبك جدا
و لكنني في سرير الهوى
سأنسى تفاصيل جسمكِ أنتِ
و أختار جسم القصيدة..
بروتوكول ـ سيبقى الحبّ سيدي ـ 1987



"للمرأة التي أحبّها
قدمان صغيرتان جدا..
تشبهان كلام الأطفال
و لجسدها رائحة سرّية جدا
كرائحة الكتابة الممنوعة"
سيبقى الحبّ سيدي ـ 1987


يا تلاميذ غزّة
علّمونا بعض ما عندكم
فنحن نسينا
بأن نكون رجالا
فلدينا الرجالُ
صاروا عجينا
علّمونا
كيف الحجارة تغدو
بين أيدي الأطفال
ماسا ثمينا
كيف تغدو
دراجة الطفل لغما
و شريطُ الحرير
يغدو كمينا

ثلاثية أطفال الحجارة ـ 1988



لماذا
أقوم بدور المعلّم
ـ في ساعة الحسم ـ قولي
و لا ساعداي زجاج.. و لا شفتاي جليد
مسامات جلدكِ مفتوحة..
و نهدك.. يخرج كي يتنفّس بعض الهواء النقيّ
و بعد قليل يعود.
و ماذا يفيد أرسطو.. و لوركا.. و كافكا.. و طاغور؟
حين تفور الدماء.. و يعوي الوريد
لهذا النبيذ ثقافاته
فماذا تهمّ النصوص؟
و جسمكِ نصّ فريد.. فريد
سيرة ذاتية ـ الأوراق السرية لعاشق قرمطي 1988



أيّها الناسُ :
أنا الأوّلُ ، والأعدَلُ ،
والأجملُ ، من بينِ جميعِ الحاكمينْ
وأنا بدرُ الدُجى ، وبياضُ الياسمينْ
وأنا مخترعُ المشنقةِ الأولى ..
وخيرُ المرسلينْ
كلّما فكّرتُ أن أعتزلَ السُّلطةَ ،
ينهاني ضميري ..
مَن تُرى يحكمُ بعدي هؤلاءِ الطيّبينْ ؟
مَن سيشفي بعديَ ..
الأعرجَ ..
والأبرصَ ..
والأعمى ..
ومَن يحيي عظامَ الميّتينْ ؟
مَن تُرى يخرِجُ من معطفهِ
ضوءَ القمرْ ؟
مَن يا تُرى يرسلُ للناسِ المطرْ ؟
مَن يا تُرى ؟
يجلدهم تسعينَ جلدهْ ..
من يا تُرى ؟
يصلبُهم فوقَ الشجرْ ..
مَن تُرى يرغمُه
أن يعيشوا كالبقرْ ؟
ويموتوا كالبقرْ ؟
كلّما فكّرتُ أن أتركَهم
فاضتْ دموعي كغمامهْ
وتوكّلتُ على اللهِ ..
وقرّرتُ بأن أركبَ الشعبَ ..
من الآنَ .. إلى يومِ القيامهْ ..

السيرة الذاتية لسياف عربي ـ 1988


لستُ أدري، ماذا يقول الشاعر
و هو يمشي في غابة من خناجر
أطلقوا نارهم على المتنبي
و أراقوا دماء عامرْ
لو كتبنا يوما رسالة حبّ..
شنقونا على بياض الدفاتر
ما بوسع السياف
قطع لساني
فالمدى أزرق.. و عندي أظافرْ
مدخل ـ تزوّجتُكِ أيتها الحرية ـ 1988


يريد الممالكُ أن يملكوني..
و أن يشربوا من دمائي و حبري
يريدون رأسَ القصيدة كي يستريحوا..
و للشعر و الحبّ فوضتُ أمري
أحبّكِ برقا يضيءُ حياتي
و قنديلَ زيت، بداخل صدري
فكوني صديقة حرّيتي..
و كوني ورائي بكلّ حروبي
و سيري معي، تحت أقواس نصري
بيان من الشعر ـ تزوّجتُكِ أيتها الحرية 1988




يا سادتي
إنّ السماء رحيبة جدا
و لكنّ الصيارفة الذين تقاسموا ميراثنا
و تقاسموا أوطاننا
و تقاسموا أجسادنا
لم يتركوا شبرا لنا
****
يا سادتي
قاتلتُ عصرا لا مثيل لقبحه
و فتحتُ جرح قبيلتي المتعفّنا
أنا لستُ مكترثا
بكل الباعة المتجوّلين
و كلّ كتّاب البلاط
و كلّ من جعلوا الكتابة حرفة
مثل الزنى
****
يا سادتي
عفوا إذا أقلقتكم
أنا لستُ مضطرّا لأعلن توبتي
هذا أنا..
هذا أنا..
هذا أنا..
هذا أنا ـ الكبريت في يدي و دويلاتكم من ورق 1989

 


ما جاء يوما حاكم
لهذه المدينة المقهورة،
المكسورة،
الحزينة..
إلاّ ادّعى، بأنّه الممثل الشخصيّ
و الناطق باسم الله..
فهل من المسموح،
أن أسأله تعالى..
هل أنت قد اعطيتهم وكالة
مختومة .. موقّعة؟
كي يجلسوا على رقاب شعبنا إلى الأبد؟
هل أنت قد أمرتهم
أن يخربوا هذا البلدْ؟
و يسحقونا كالصراصير بأمر الله
و يضربونا بالبساطير
بأمر الله؟
فان سألت حاكما منهم
من الذي ولاك في الدنيا على أمورنا؟
قال لنا : يا جهلة..
أما علمتم أنني
أصبحتُ صهر الله؟
****
أريد أن أصرخ
يا الله!
هل أنت عيّنت وزير المال؟
اذا لماذا انفجر الفقر
لماذا انفجر الصبر؟
و أصبح الصحن الرئيسيّ هو الزبالة؟
و أصبح العصفور في بلادنا لا يجد النخالة
فهل غلاء الخبز
شأن من شؤون الله؟
و هل غلاء الموت و الأكفان
شأن من شؤون الله؟
****
إذا لماذا يأكل الكبار كافيارا
و نحن نأكل النعال؟
اذا لماذا لا يفرق الفقير في بلادنا
بين رغيف الخبز و الهلال؟
إذا لماذا في بطون أمّهاتهم
تنتحر الأطفال؟

أصهار الله ـ الكبريت في يدي و دويلاتكم من ورق ـ 1989

 

"كانت أمي
حین أبوس یدیھا
تعطیني قرشاً
وإذا قبلتُ امرأة من شفتیھا
تعطیني قرشینْ ..."
المكافأة ، لا غالب إلا الحب، 1989



تستطيع بئر النفط
أن تضخّ عشرة براميل يوميا
و لكنّها لا تستطيع أن تضخّ
متنبّيا واحدا!!
المتنبي، لا غالب إلا الحب، 1989



سألني ضابط الحدود
كم عمرك؟
قلتُ : خمس و ستون قصيدة
قال : يا الله! كم أنت طاعن في السنّ
قلتُ: تقصد كم أنا طاعن في الحرّية

استجواب، لا غالب الا الحبّ، 1989



"منذ البدء كنتُ مع الديمقراطية الشعرية،

كنتُ أؤمن أن الشعر هو حركة توحيدية لا حركة انفصالية، و أنه همزة وصل لا همزة قطع، و أنه فنّ الاختلاط بالآخرين لا فنّ العزلة.. و أنه فن الملامسة و الحنان لا فنّ القاء القبض على الآخرين و اغتصابهم شعريا..

إيماني بديمقراطية الشعر دفعني إلى التفتيش عن لغة تؤمن هي الأخرى بالديمقراطية و تحبّ الجلوس في المقاهي الشعبية و تشرب القرفة و اليانسون و تلعب الكونكان و تركب أوتوبيسات الحكومة و تنزل في فنادق الدرجة الثالثة و تشاهد مباريات كرة القدم و مسرحيات عادل إمام و دريد لحام و تقرأ سيرة أبي زيد الهلالي..
كنت أؤمن أن الشعر موجود في عيون الناس و في أصواتهم.. و في عرقهم.. و في دموعهم.. و ضحكاتهم.. و انّ وظيفتي كشاعر هي أن أنقل المشهد الشعبي الكبير.. و هذا ما فعلته خلال خمسين عاما..

لذلك تجمّع الناس حول شعري ليسمعوا حكاياتهم و ليشاهدوا شريط الفيديو الطويل الذي أخرجته عن حياتهم.."
هل تسمعين صهيل أحزاني ، 1991



في هذه الأيام يا صديقتي
تخرج من جيوبنا فراشة صيفية تدعى الوطن
تخرج من شفاهنا عريشة شامية تدعى الوطن
تخرج من قمصاننا
مآذن بلابل جداول قرنفل سفرجل
عصفورة مائية تدعى الوطن
أريد أن أراك يا سيدتي
لكنني أخاف أن أجرح احساس الوطن
أريد أن أهتف كل ليلة إليك يا سيدتي
لكنني أخاف أن تسمعني نوافذ الوطن
اريد أن امارس الحب على طريقتي
لكنني أخجل من حماقاتي
أمام أحزان الوطن
لا بدّ أن أستأذن الوطن، هل تسمعين صهيل أحزاني 1991


تقاطعت في لحمنا خناجر العروبه
و اشتبك الإسلامُ بالإسلامْ
هوامش على دفتر الهزيمة، هوامش على الهوامش (1991)


في بلدتنا يذهب ديك
يأتي ديك
و الطغيان هو الطغيان
يسقط حكم لينينيّ
يهجم حكم أمريكي
و المسحوق هو الإنسان
الديك، هوامش على الهوامش 1992



حبّك اشكالية كبرى
إشكالية جسدية
و إشكالية لغوية
و إشكالية ثقافية
فذراعي قصيرة
و أغصانك فاكهة مثقلة بالفاكهة..
و أجنحتي مكسورة
و سماواتك مدروزة بالعصافير
و مفرداتي محدودة
و جسدكِ اكاديمية ملكية
تختزن الشعر
و تبتكر اللغات..

أنا رجل واحد و أنتِ قبيلة من نساء 1993
 



أنا لا أحبك..
على طريقة الهيبيين، و الغجريين، و الفوضويين،
و لكنني أتعامل معكِ كما أتعامل مع شعري
صدرا.. و عجزا..
وزنا و قافية..
نمنمة و تطريزا..
حتى لا يعرف الناس
أين تبدئين أنتِ
و أين تنتهي القصيدة..

كيف تكونين حبيبتي و لا أخرج عن النص، خمسون عاما في مديح النساء 1994





يا أحبائي وراء البحر
هل يوجد عندكم وقت للشعر؟
هل من أذن عاشقة تسمعني؟
هل لديكم خبر عن كبرياء المتنبي؟
و غرور المتنبي..
و طموح المتنبي..
أم نسيتم يا ترى، هذا المليكا الأعظما؟
رحم الله كلاما عربيا
لم نعد نشبهه..
لم يعد يشبهنا..
من أنا في أمريكا ـ خمسون عاما في مديح النساء 1994



ماذا تفيدُ الهرولة؟
ماذا تفيدُ الهرولة؟
عندما يبقى ضمير الشعب حيا
كفتيل القنبلة
لن تساوي كلّ توقيعات أوسلو
خردلة!!

المهرولون، تنويعات نزارية على مقام العشق 1995


أنا من أمّة على شكل ناي
هي دوما حبلى بمليون شاعر
كل اطفالنا يقولون شعرا
و العصافير و الربى و البيادر
ما بنا حاجة لمليون ديك
نحن في حاجة لمليون ثائر

الحضارات كلّها شغل أنثى
و الثقافات من رنين الأساور
تزرع المرأة السنابل و الورد
و يبقى كل الرجال عشائر...

(ديوان أبجدية الياسمين)


و كان هذا آخر ما قال شاعر القرن العشرين في آذار 1998
قبل أن يودّعه الشعر، و تودّعه العروبة..




Translate