Thursday, August 21, 2014

سنة على الخروج عن الخط

هذه ليست مساحة للشكوى و البكاء، أصلا أشمئزّ من تسوّل الكتاب و عويلهم المستمرّ، أعتبر دوما أن الكاتب قادر على بذل جهد أكبر و فرض نفسه لو درس الساحة جيدا. بالنسبة لشخص مثلي لا يستثمر من الجهد إلا ما الحدّ الواجب تقديمه لا غير، فهذا ما اعترضني : 

الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.

الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..

الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.

الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.

النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..


نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.

القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..

لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟

Sunday, August 17, 2014

قارئة من الذاكرة

 أحمد يقرأ.
لستُ متأكدا إن كان أحمدا أم مريم. كنتُ منشغلا عن النصّ، ذاهلا عن القسم و من فيه.. للدقة، ليس كلّ من فيه. كان وقع خطواتها يوقّع دقات قلبي، و كنت أسترق النظر إليها كمن يسترق النظر إلى ذكرياته الحميميّة. أراها ترفع رأسها في ضجر، تحاول متابعة قراءة الصبية واحدا بعد آخر، لكنها تضيق بضجر لا بدّ منه، فتبعد عينيها الجميلتين بعيدا عن كتابها الذي يبدو أنيقا بين يديها.
فجأة، انتبهت إليّ، فأشرق وجهها بابتسامة لم أجد وقتا لتبيّن تفاصيلها و أنا أدفن وجهي في الكتاب مرتبكا. وقع خطاها يعيد إليّ هدوئي، أعيد تشكيل تفاصيل ابتسامتها في ذهني فإذا المشهد لطيف، لا يستحق خوفا أو ارتباكا، بل لعلّها ابتسامة مستزيدة!

وقع الخطوات المتأني إياه. أرفع رأسي في حذر، تطالعني قامتها الأنيقة و هي تسير في شرود. غلبني الإبتسام. إنها مثلي ملول لا تحب أن تفعل شيئا إلا أن تحبه. قراءة النصوص حتى حفظها لم تكن يوما تصوّرها بشأن تدريس العربية. لكنّها مجبرة على ذلك أيضا. بعضهم لا يملك القدرة على وصل الحروف بعدُ. أحببتُ أن أداعبها خفية. أشرتُ لها بيدي دون أن أثير انتباه أحد. من الغريب أن الجميع كان غارقا في النصّ تماما. أما هي، فقد أفاقت من شرودها بإشارة يدي، و دون وعي منها خفضت رأسها نحو النص في ارتباكة سريعة، قبل أن تفلت منها ضحكة صامتة لم يشعر بها غيري.

ريم لا تزال تقرأ.
بينما أنا و أستاذتي نتبادل المداعبات اللطيفة السريّة. نقرأ النص بطريقة أخرى. أشعِرها أنها ليست وحدها في مللها. و أن هناك من يفهمها. و تشعرني أنني لا أحتاج إلى ابداء ما لا أطيق. و أنني أملك صديقا فريدا هنا. أحيانا، يشعر بنا "كريم" الذي يجلس قريبا مني. يحسدني على حظوتي. ربما يظنّ بنا الظنون، لكن من فينا يأبه لأفكاره الغريبة؟ كنت لا أزال صغيرا على الأفكار التي تراوده هو (كان يفوقني ببعض السنين) و كانت هي أكبر سنا من أن تفكر في أشياء سخيفة كهذه. ذات مرة، أخذنا الحديث إلى موسيقى Vangelis الشهيرة، "غزو الفردوس"، قالت لي إنها تملك نسخة، و دون تكلف طلبتها علنا. حينما قدّمت لي الشريط الممغنط (لأن الحكاية من زمن الشريط الممغنط)، انتبه "كريم" إلى صورة الغلاف، فلم يكتمها و هتف بها أن أريني الصورة أستاذتي. فأفردت يدها بالشريط أمام وجهه أن تفرج، قبل تسلمني الشريط.

ربما تهامس بعضهم هنا و هناك، في هذا القسم أو ربما في ذاك، الذي تدرّسه أيضا. لكننا لا نلقي بالا كثيرا. نتحدث طويلا في القسم أمام مرآى الجميع، عن مواضيع النصوص التي ندرسها، فيأخذنا الحديث و الانسجام إلى مواضيع أخرى.. كانت تحبّ كثيرا محاولاتي الإنشائية، و كنت أحبّ مواضيع الإنشاء لأنني أريد أن أكتب شيئا يمتعها. تقول للجمع الذين أمامها و هي تشير بورقتي : شكرا لهذا الفتى الذي يقرأ أشياء حقيقية، شكرا له لأنه يفيد مما يقرأ، و يسكب معارفه و ما اكتسبه على ورقته، ارتقوا قليلا إلى مستواه! ثم تنظر إليّ فأطرق برأسي خجلا.

كانت تتقبل جنوني على الورقة، تحتويه و تحاول توجيهه. أذكر أنني في ذلك الوقت أجرّب في اندفاع صبيّ. قد يخطر لي أن أمعن في السخرية، أو في المغامرة، أشحن النص بصور متأملة، بأسئلة و أفكار لا يزال ذهني مشحنا بها بعد قراءة هذا الكتاب أو ذاك. تنبهني إلى وجوب الإلتزام بالموضوع، لكنها لا تجزرني، يمتلكها الفضول لرؤيتي المشاهد التي أخلقها. ربما كنتُ بالنسبة لها تجربة فريدة، تنويعا مسليّا لكومة الأوراق المتشابهة كالخبز التي تصلحها. لكنني كنتُ أعتبر نفسي كاتبا، بل كاتبها المفضل!

حينما حملتُ إليها أول محاولة أكتبها في أدب السيرة، كنتُ فقط أنتظر أشياء من قبيل "جميلة" و "أحسنت" و "قد أصلحت لك أخطاءك"، لكنها بعد يومين نادتني و سألتني : أكل ما كتبتَ من وحي خيالك؟ و حينما نظرت إليها في استنكار، أضافت : أعني ما كتبته عن الإسكندر المقدوني، هل استندتَ إلى مراجع في ذلك؟ كان السؤال فاتحة حديث ذهلنا به عن القسم و عن ضرورة بدء الدرس، لكنها لم تنس أن تهمس لي في النهاية : "هذا نص يستحق النشر. لا يعقل أن لا تنشر أعمال كهذه. لا أعرف لكنني سأكلم المتفقدة بشأن ذلك.." طبعا لم أتذكر بعد ذلك شيئا من الدرس. كنتُ أحلم..

و لأن الحلم لا يدوم، فقد اختفت فجأة.. بل كنا نعلم. قالت لنا آخر السنة، إنها لن تواصل التدريس هنا. تحصلت على نقلة إلى مدرسة إعدادية في مدينتها. لم أحزن حقا لذلك. أنا لا أحزن ساعة الرحيل، و إنما ساعة الشوق و الافتقاد. ثم كانت هناك مشاريع تجعل ـ في نظر الصبيّ الذي كنتُه آنذاك ـ من الرحيل مسألة لا تعنيني كثيرا. سوف نظل حتما على اتصال. سوف ترسل إليّ بنجاح فكرة النشر، ربما ننشر قصصا أخرى. فلقد بدأت بالتفكير في حياة نابوليون.. ثم هناك مشروع الكتب المسموعة. عرضت عليّ أن نسجل "سهرت منه الليالي"، و كنتُ موافقا و متحمسا لجهاز التسجيل الذي أملكه و أريد الإفادة منه في خلق فنيّ ما، لكنها لسبب ما غامض لا أفهمه، أحجمت عن القدوم. ذكرت باسمة أشياء عن عائلتنا، و الإحراج الذي قد تسببه. ثم طلبت مني أن أجرب الأمر لوحدي... حينما أخبرتنا عن الرحيل، لم أفكر في كل ذلك لأنها الحقائق التي لا تتغير، و إن تغير مكانها. لكنني في السنة الموالية، استوعبت جدا معنى الرحيل..

سنوات مرت، و أنا أحمل صورتها في ذهني، مقترنة بقصة الإسكندر التي كتبتها صغيرا، ثم رحلت قبل أن أجد الوقت لأطورها و أحسنها مثلما تطوّرتُ. سنوات مرت، و أنا على يقين بأن شبحها سوف يظهر ذات مرة. حينما حللت بتلك المدينة التي اختطفتها، كنت أتلفت في كل اتجاه علني أخلق مصادفة سعيدة. النظارات ذات الإطار الغليظ، و العيون الذابلة، و الشعر الفاحم، كلها مقدّمة لذكريات طويلة عن قارئتي الاستثنائية، لكنني لا أعثر عليها. خمنتُ أنها تزوجت، و أنها ربما، باتت تدرس في المعهد، لكنني لم أفكر أبدا أنها تغيرت. ظلت صورتها الجميلة في ذهني كما هي، لم يمسها شيء من صدإ الذاكرة أو من رواسب التفكير المعقلن.
سنوات مرت، و فكرة أن أعثر عليها يوما، لم تمت البتة. يخفت بريقها أوقاتا طويلة، قبل أن تظهر فجأة في قالب جديد. لماذا لا أبحث عنها هنا؟ ماذا عن هذا الفضاء؟ أو هذه الجمعية؟ أتراها تزور هذا الموقع؟

سنوات مرت، و صار موقع فايسبوك امتدادا لحياتنا. امتدادا سيئا أحيانا.. كتبتُ اسمها هناك أكثر من مرة، و في كل مرة أرجع خائبا. ما الذي دفعني أن أعاود الكرة؟ كنتُ ناعسا أخترع السباب و الشتائم للبنّاء الذي أحال الحياة جحيما عند رأسي، حينما خطر ببالي أن أعيد البحث. لم أتساءل و إنما أطعت. هذه المرة، ظهرت لي صفحة امرأة تعمل بوزارة التربية. الإسم نفسه، لكنّ الصورة ليست لها. بل لا يمكن أن تكون اختيارها. هذه صورة توحي بذوق بسيط جدا، أو فقير جدا. ابتلعت ريقي، و فتحت الصفحة، قلت في نفسي إن تشابه الأسماء أمر وارد جدا، فاسمها ليس متفرّدا. ما هذا؟ هذه لافتة من تلك اللافتات البائسة التي تغرق الفايسبوك، تلك اللافتات التي تقول كلاما يوحي بالحكمة، و يبطن افتقارا حادّا للثقافة. لا، لا يمكن أن تكون هي. هناك في جزء آخر من الصفحة، اشارة إلى بعض ما تتابع هنا. صفحات كثيرة عن المعلومات المفيدة التي لا تعرف مصادرها، و أخرى عن الدكاترة أبطال التنمية البشرية، و صفحات دينية لم أشأ التوغل فيها... ثم .. فوجئت بصورتها، أو صورة شبح لها.
لممت شتات مخي حتى أتجاوز حدة نبضات قلبي، و رحت أعيد تركيب المشهد في صيغة أقل انفعالا، و أكثر موضوعية. إنها هي و لا شك. ربما تجاوزت الأربعين اليوم، بسنة أو سنتين. منذ تخرجها و هي غارقة في أطنان أوراق التلاميذ البائسة. ربما في مرحلة ما، فقدت شهية القراءة. ربما قبل ذلك، توقف وعيها بضرورة التطور، أو ربما بعد ذلك، تزوجت. هل هذه ابتسامة امرأة سعيدة؟ أعتقد أنها كذلك. شعرها الفاحم اختفى وراء حجاب لا يحجب مساحيق وجهها الذي ازداد بها بؤسا و ارهاقا.. أين النظارات؟ و أين ابتسامتها الساخرة؟ لماذا كل هذه الحكمة المفتعلة؟

و كما تستطيل الظلال وراء المرء في شارع خافت الإضاءة، تنامت فكرة مخيفة في ذهني، و أخذت تبتلع ذاكرتي. لم تعد الصورة الماثلة أمامي محلّ تساؤل، بل صارت ذاكرتي متهمة. و رحت أتساءل إن كان ما أذكره حقيقيا. تلك المشاهد المزروعة في رأسي، ليست صورا رقمية، و إنما التقطتها عينا صبيّ لم يعد له وجود. عيناي اليوم تعتمدان على تقنيات جديدة و ألوان جديدة و زوايا نظر جديدة، ربما أكثر تشاؤما، ربما أكثر دقة، أو ربما أكثر هستيريا، لكنها حتما ليست عينا الفتى الذي ترك لي تلك المشاهد في رأسي و ذهب.
ما الحقيقة إذا؟ أطلت النظر إلى الصفحة التي أمضيت سنوات في البحث عنها. أطلت النظر إلى زرّ طلب الصداقة، ثم فضلت أن أحتفظ بالحقيقة لنفسي..




Saturday, July 12, 2014

ساعة من البرمجة

العالم يتغيّر..

لم تكن هذه الحقيقة بديهية و ملموسة بقدر ما تبدو عليه اليوم. افتح النافذة بجوارك و تأمل أقرب شارع إليك. ربما كانت أقرب نافذة إليك، تلك التي تطلّ من شاشة الكمبيوتر، نافذة Firefox مثلا، أو Chrome أو أي متصفح آخر تستعمله، لأنّ النوافذ اليوم باتت تحمل أكثر من معنى، كغيرها من المصطلحات الأخرى في هذا الزمن الالكترونيّ.
العالم يتغيّر، و هو حتما لم يعد ذلك العالم الذي لا يزال يتعامل باندهاش مع الكتابة. لقد تجاوز الانسان بالفعل الأقراص الطينيّة التي كان يستعملها في العراق، و أوراق البردى، و رقائق الجلد، بل لعلّنا نشهد تجاوز العالم للورق كوسيلة تواصل. لقد انتهى زمن الرسائل الورقيّة بالفعل، و بات التعامل أساسا عبر الشرائح الالكترونية.

قليلة هي الشعوب التي أدركت هذه الحقيقة بالفعل. قليلة هي الشعوب التي توصلت إلى حقيقة أن هذا عصر ما بعد الكتابة. إنه عصر البرمجة! و حينما نتحدث عن "عصر البرمجة" فإننا حتما لا نعني بذلك البرمجة كمجال اختصاص يمارسه بعض الشبان المهووسين أو بعض المهندسين ذوي الخبرات المريعة التي يحسبها الآخرون ضربا من السحر. إننا نتحدث هنا عن البرمجة كمهارة شعبية يمكن أن يمارسها الجميع مثلما يمارسون مهارة الكتابة و الحساب. هل يبدو هذا مفرطا في الخيال؟ بعض الدول بدأت خطواتها الأولى في هذا الاتجاه، و في الولايات المتّحدة الأمريكية، ظهرت إحدى أكبر الحملات الشعبية لتعميم مهارة البرمجة، كان ذلك من خلال موقع Code.org

ماهي Code.org؟
هي منظمة غير ربحية، و موقع ويب بذات الإسم أسسه الأخوان عليّ و هادي بارتوفي (و هما من أصل إيراني كما لاحظتم) بهدف تشجيع الناس و خصوصا طلبة المدارس في أمريكا على تعلم البرمجة. ظهر الموقع على شبكة الانترنت في جانفي (كانون الثاني) 2013، و كانت مهمّته الأولى حينئذ، تكوين قاعدة بيانات تضم كل المدراس و الهيئات و الفصول التي تقدم دروسا في البرمجة في كامل أنحاء الولايات المتحدة. و قد رافق هذا العمل مساندة بعض المواقع الاعلامية الالكترونية المتخصصة الشهيرة مثل تاكرانش (TechCrunch) و غيرها.
و في فيفري (شباط) من نفس العام، قدّم الموقع شريط فيديو قصير يظهر فيه بعض عمالقة وادي السيلكون كمارك زوكربارغ (مؤسس فايسبوك) و بيل غايتس (مؤسس مايكروسوفت) و جاك دورسي (مؤسس تويتر) و غيرهم من المبرمجين و باعثي المشاريع في عالم تكنولوجيا المعلومات. الفيديو قصير و لطيف، و يحمل معنى بسيطا : البرمجة ليست ضربا من السحر، تعال و جرّب تعلّمها لأنها لغة العصر. و قد لاقى الفيديو رواجا مذهلا في وقت قياسيّ، و تم تناقله في وسائل الإعلام الأمريكية حتى اعتبرته TechCrunch أحدث صرعات الشبكة الاجتماعية.

ساعة من البرمجة
الخطوة التالية، كانت حملة "ساعة من البرمجة"، و قد تزامنت مع الأسبوع الوطني لعلوم الكمبيوتر في أمريكا، أي بين 9 ديسمبر (كانون) و 15 ديسمبر (كانون) من السنة الماضية. و كان هدف الحملة، اجتذاب طلبة المدارس لمتابعة بعض الدروس البسيطة في البرمجة على الموقع، و المهيّأة في قالب ألعاب تحدّ لا يحتاج معها الطالب إلى أية معرفة مسبقة بعالم البرمجة.
أعلن عن الحملة قبل شهرين من موعدها، و قد ساندتها شخصيات معروفة، و كان أبرزها الرئيس الأمريكيّ باراك أوباما الذي قال في تسجيل فيديو محمّسا الامريكيين إلى التفاعل مع  الحملة : "لا تكتف بتنزيل ألعاب الفيديو، اصنع واحدة!"
و قد أعلن موقع Code.org فيما بعد أن أكثر من 20 مليون شخص شارك في الحملة، و أنّ ما كتب خلال "ساعة من البرمجة" بلغ نحو 600 مليون سطر من الكود!
اليوم تستعدّ الحملة للانطلاق في بريطانيا، احتفالا بمرور ربع قرن على بداية الشبكة العنكبوتية العالمية (WWW)، بذات الدعم و ذات الأهداف، و على الموقع نفسه.

البرمجة سهلة!
يحاول الموقع أن يتجاوز اللغة الانكليزية و أن يقدّم مادّته بمختلف اللغات العالمية. لكن يبدو أن المشروع لا يزال في بدايته، فهو فقط يترجم بعض العبارات الواردة بالموقع، دون أن يترجم التطبيقات/الدروس التي يستخدمها فعليّا زوّار الموقع. ربما لذلك كان نشاطه الأول خارج الولايات المتحدة مرتكزا أساسا على بريطانيا.
لكنّ الدروس متوفرة للناطقين بالانكليزية بالفعل، و هي متنوّعة و تحاول أن تتوجّه لمختلف الفئات العمرية، لتعويدهم على حلّ الألغاز و المسائل عبر تكوين خوارزميات بسيطة. تخيل مثلا لعبة الطيور الغاضبة الشهيرة (Angry birds) تتحول إلى شبكة أحجية (Puzzle) حيث على المستخدم أن يكتب سلسلة من التعليمات تجعل الطّير قادرا على بلوغ مكان الخنزير. و التعليمات طبعا بسيطة نحو "تقدم إلى الأمام" و "استدر يمينا" و "استدر شمالا" الخ.. سلسلة التعليمات التي يكتبها المستخدم تمثل الخوارزمية التي ستنفّذها التطبيقة، و هو أمر أقرب إلى اللعب المسليّ منه إلى البرمجة، لكن على يمين الشاشة ستجد زرّا يسمح بعرض الأوامر في شكل أسطر كود تعوّد المتعلّم على تقبل الأكواد، و على فهمها.

يعتمد الموقع في الواقع على لغة برمجة تصويرية تسمّى Blockly تقوم أساسا على تقديم مختلف عبارات البرمجة الأساسية مثل عبارة "if" أو "repeat" في شكل قوالب يركب بعضها ببعض تماما كالأحجيات المصوّرة (Puzzle)، و هو ما يجعل الأخطاء "النحوية" مستحيلة، و يجعل المستخدم يركّز أساسا على تكوين الخوازمية اللازمة لحلّ المسألة المطلوبة.
لكنّ الموقع لا يكتفي بذلك، و يقدم بالفعل دروسا مبسطة في لغات برمجة معروفة، مثل Python و javascript، و غيرهما. كما أن دعم الشركات الكبرى للمبادرة أوجد دروسا لصنع تطبيقات لأجهزة الهواتف الذكية و الويب. التطبيقات ليست معقدة أو ضخمة، و لكنّها تسمح للمستخدم أن يشعر أن تعلم البرمجة يمكّنه من صنع شيء حقيقيّ بالفعل. شيء يمكنه استعماله فيما بعد. و هذا الشعور هو الذي أولد موجة كبيرة من الحماس في أوساط الأطفال الذين تلقّوا تلك الدروس خصوصا. و هو الهدف الرئيسيّ من وراء المبادرة.

يعتقد مؤسسا الموقع، هادي و عليّ بارتوفي، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تعاني نقصا كبيرا في نسبة مهندسي البرمجيّات. و تفيد الأرقام التي يقدّمها الموقع، أنه في الوقت الذي لا يتجاوز فيه عدد الطلبة المتخرجين في مجال علوم الكمبيوتر 3% من مجموع الطلبة المتخرجين، يتنامى حجم عروض الشغل في البرمجة إلى ضعف حجم المعدل الوطنيّ لعروض الشغل. لذلك يحاول الرجلان من خلال هذه المبادرة أساسا، تعويد التلاميذ في المدارس الابتدائية و الثانوية على فكرة البرمجة، و تقديمها في صورة أقل نمطية من تلك التي تقدمها شاشات التلفاز، و أكثر مرحا. لكنّ الأمر لا يتوقف على ذلك.
إن المشكلة الأساسية أن التقنية اقتحمت كلّ المهن بالفعل، و باتت مختلف الميادين في حاجة إلى تطويع تكنولوجيا الكمبيوتر. الطبيب اليوم في حاجة إلى رسوم بيانية ديناميكية و حيّة للأنشطة الحيوية في جسم الإنسان، و المحامي في حاجة إلى متابعة مختلف التشريعات الطارئة المتجددة يوما بعد يوم و المدرّس في حاجة إلى مراقبة مستمرّة لمردود تلاميذه يوما بعد يوم، و هي في أحيان كثيرة حاجيات بسيطة يمكن للانسان تحقيقها من دون الحاجة إلى شخص متخصص في البرمجة لإنجازها.

حملة Code.org مهمّة في المشهد الأمريكيّ، لأنها تدلّ على شعور الأمريكيين بخطر ما تجاه ما يحدث في عالم تكنولوجيا المعلومات و ما تطرحه من تحديات. و حينما يقدّم الموقع مقارنة بين حال علوم الكمبيوتر في الصين و الولايات المتحدة (في الصين يتعلم كل الطلبة أساسيّات البرمجة مهما كان اختصاصهم) فإنك تعلم أن المسألة تأخذ بعدا لا سياسيا فحسب بل استراتيجيا أيضا. كما أن للمسألة الاقتصادية حضورها البارز هنا. فالتركيز على قيمة سوق الشغل في عالم تكنولوجيا المعلومات، خصوصا من قبل النواب الأمريكيين الذين ساندوا الحملة، يدل على قلقهم بخصوص تنامي البحث عن مهندسي الكمبيوتر من خارج أمريكا. و هي مسألة يمكن طرحها في دول أوروبا الغربية أيضا. في المقابل تقدم دول مثل الهند و الصين، هذا النوع من اليد العاملة.

ماذا عنّا نحن؟ بعض الدول العربية تقدّم بالفعل عددا مهمّا من مهندسي الكمبيوتر إلى أوروبا الغربية، بل إن بعض الشركات الكبيرة باتت تفضل فتح فروع خارجية لها حتى تتفادى مشاكل الهجرة و تظفر في الآن ذاته بيد عاملة ذات كفاءة. من المهمّ القول هنا إن هذه الحملة تنذر بتقلص نسبة البحث عن هؤلاء. لكن من يعلم؟ 

Sunday, July 6, 2014

نشيدي أنا

أُقَاسِمُ طَــيْرًا فُتَاتَ المَدَى،
وَأَرْسُمُ سِرًّا مَسَارَ الهَرَبْ.
وأذبحُ خَوْفِي إِذَا مَا بـَـــدَا،
وَأُرْسِلُ كَفِّي وَرَاءَ السُّحُبْ.

أَأَسْمَعُ صَوْتِيََ خَلْفَ الجِبَالْ؟
أَأَقْرَأُ حَرْفِي بُعَيْدَ الزَّمــَـــنْ؟
وَفِيمَ يُفِيدُكَ فُرْطُ النَّـــــوَالْ؟
إذَا مَا اصْطَفَاكَ بَيَاضُ الكَفَنْ

لِي أَمَلٌ مَاجِنٌ مُسْتَحِيـــــــلُ،
عزمُ بــاقٍ وَمُهْجَةٌ لَا تُطِيــعْ
وَالمِدَادُ المَارِقُ والخَلِــــــيلُ
لِي رَقْصَةُ طِـــــــفْلٍ رَضِيعْ

دُرُوبِي؟ لَسْتُ أَعْرِفُ مَا دُرُوبِي
وَوَاحَتِي، حِينَ يُرْهِقُنِي المَسِيرُ
مَتَى سَافَرْتُ قَدْ يَمَّمْتُ صَوْبِي
وَأَرْضِيَ حِينَمَا الحِلُّ الأخِـــيرُ

آوي حُرُوفًا فَتأويني،
أسحبُ روحي من تليدي
أعيدُ ملامحي و تكويني
و الحيّ يولد من رمادِ

أُقَاسِمُ طَيْرًا فُتَاتَ المَــــــدَى،
وَأَرْسُمُ سِرًّا مَسَــــارَ الهَرَبْ
وَإِنْ سَأَلُوا أَيْنَ يَمْضِي الفَتَـى
فَقُولُوا أَبْعَدَ مِــــــــــمَّا كَـتَبْ

"قضية".. تراجيديا الدراما التونسية (مقال هادف)

حينما تسمع حديثا عن مسلسل تونسيّ، فكن على يقين من أنّك في رمضان. يبدو أننا ننتج المسلسلات التلفزية لسببين : لا بدّ من مسلسلات تونسية في رمضان فهكذا جرت العادة، و لا بدّ لأهل الدراما من عمل يحصلون بموجبه ما يمكنهم من العيش (عيشة النجوم طبعا، لأنه يجب أن يكون في كل بلد نجوم تلفاز).
و قد جرت العادة الكريمة أن ينجز مسلسلان قصيران في رمضان، كلٌّ لفترة أسبوعين، لحكمة لا بأس بها في نظري، فنحن لا نملك ثقافة الكتابة أصلا، و من يكتب خمسة عشر حلقة يمكن له أن يفتخر بإنجازه لسنين طوال. و لم يشذّ عن ذلك إلا كتبة قلائل، خابوا في بعض الأعمال، و نجحوا في أعمال أخرى. كما أن انجاز عملين يبقي الانتاج الدرامي في مرحلة تجريبية تجعل من كل عمل جديد أشبه بمخاطرة، خصوصا مع جمهور مزاجيّ و عسير الإرضاء كالمتفرّج التونسيّ. لذلك عوض أن ينتج عمل واحد قد يخيب، ينتج عملان قد يخيب أحدهما و ينجح الآخر.

إحدى تلك الخيبات التي أحدثت لغطا طويلا بعدها، أو ربما شرخا ظلّ هناك إلى اليوم.. عرضت في رمضان 2003، أعني بها دروب المواجهة، و هو إسم لا يوحي بشيء تقريبا، لكن شخصيات المسلسل قد يذكرها بعضهم : مصطفى العدواني صاحب المصنع الطيب، الساذج، لطفي الدزيري المحتال الطماع الذئب، فريال قراجة الصحفية اللامعة صاحبة المبادئ و الجمال و الأخلاق و كل تلك الأشياء الجميلة و زهير الرايس حبيبها و الذي لا يصلح لشيء إلا لأنه ابن مصطفى العدواني صاحب القضية.. لمن لم يذكر المسلسل فأعتقد أن ما دار بمخيلاتكم هو كل المسلسل تقريبا.
المسلسل بسيط، تلك البساطة المبتذلة، التي لا تصلح للارتقاء بالذوق بقدر ما تصلح للتعرف على مدى هبوط الذوق. صور تتكرر تقريبا مع بعض الاجتهادات المحتشمة، كأداء لطفي الدزيري مثلا. كان هناك شبه اتفاق على فشل المسلسل، لكن الحيرة كانت في تشخيص الفشل. لم يجد الإعلاميون (لأن كلمة النقاد لا تليق بالمرة) سوى اعتبار العمل "خياليا" و لا علاقة له بالواقع. أحدهم قال إن صحافة الاستقصاء غير موجودة في تونس، و أن هذا الأمر غريب عنا. و كانت إجابة أحد الممثلين أن من يريد الواقع، فليفتح النافذة صباحا. أما اللوم الأكبر الذي حاصروا به العمل، فهو خلوّه من "قضايا كبيرة".. 

طبعا أنا لا ألوم الممثل على نظرته المغرقة في العمق للواقع و الخيال، و لا ألوم الإعلاميين على العته التحليليّ الذي يلملمونه، لكنّ الأكيد أن هذه الكلمات البسيطة مثلت حجر الأساس الذي تقوم عليه الأعمال الدرامية أساسا، و أعتقد أن الأعمال التي شذت عن هذه الضوابط هي الأعمال التي نجحت، و هي أعمال نادرة جدا.
عمل هادف، فن ملتزم، قضايا كبيرة، جرأة شديدة، هي كل الصفات التي بتنا نقيس بها جودة الدراما. و صار الكتاب و المخرجون في سباق محموم أيهم يحشو عمله بأكثر عدد ممكن من القضايا، أيهم يتجرأ أكثر. أذكر قولة شهيرة للممثلة "الجريئة" فريال قراجة : أنا أول من ظهرت عارية الكمّين في التلفزة التونسية. أعتقد أن الجرأة الفنية نحت نحو هذا تماما. لم يعد الفن يتعلّق بالكيف، و إنما يتعلق بالكمّ. لا يهمّ كيف تجرّأت و لكن المهم أن تتجرأ. لا يهم كيف صورت رؤيتك للقضية، المهم أن تصور الكثير منها.

ما زاد من انحراف المشهد، هو التفاعل الشعبيّ. في بلد تمارس فيه الجريمة بالسترة، لا إعلام، و لا دولة، فإن الخلط بين العمل الفنيّ و البرنامج الاجتماعيّ أو السياسيّ، أمر وارد جدا، بل و عاديّ. تجاوب الناس مع برنامج اجتماعيّ يروي لهم ما خفيَ من الفضائح، مثلما تفاعلوا مع المسلسل الذي قدّم في السنة نفسها، و أعني به صيد الريم. مع العمل الكبير الذي قدمه الممثلون (عدا شقيقة البطلة التي اختفت تقريبا بعد ذلك) فإن أغلب الناس تعاملوا مع المسلسل كما تعاملوا مع قصص "سي عبد الرزاق"، و لا لوم هناك.. لكن المثير حقا، هو ردّة فعل منظمة الأعراف حينئذ. ثار مديرو مصانع النسيج و اعتبروا العمل اهانة لهم و لسمعتهم، ربما كان هناك مبرّر اقتصاديّ وراء رد الفعل، ذلك أن الصحافة تحدثت في تلك الفترة عن هجر الكثير من الفتيات لمصانع النسيج.
دور الدراما أن تؤثر فعلا على الواقع، دورها أن تفضح، و تصور ما يحدث، و حينما نقول تصور ما يحدث، فلا يعني هذا صورة النافذة التي تحدث عنها الممثل، فتصوير الواقع ممكن بعين الخيال، أو بريشة الخيال، أو بألوان الخيال، هو ذاك الفنّ اساسا. لكنّ حادثة صيد الريم، عبرت عن مشكل آخر تماما، مشكل تعامل التونسيّ مع العمل الفنيّ، إذ دائما ما تظهر صورة برنامج "المنظار" في الأذهان و نحن نشاهد أي شيء تقريبا. أي مسلسل يجب أن يحشر بالقضايا، لمتابعتها، هوس شديد بالفضائح و المشاكل، ثم التفاعل الشعبيّ و غير الشعبيّ مع عمل دراميّ كأنها قضية رأي عام حصلت بالفعل. هل يصدق التونسيون ما يحصل في المسلسلات بالفعل، أم إنهم لا يصدقون ما يحصل في البرامج الاجتماعية؟ 
و لو أن المسألة توقفت عند التفاعل الشعبيّ لهان الأمر. رمضان لهذه السنة، جاءنا بطرفة جديدة أبطالها أعوان السجون، حيث ثاروا على ما اعتبروه اهانة لهم و تزييفا للحقائق و تشويها لمهنتهم في مسلسل "مكتوب" (الجزء الستون على ما أظن). و لو أنني لم أشاهد ما صور المسلسل تحديدا، إلا أنني على يقين أنه لم يصور ما يحدث حقا في السجون، و لن يفعل لأن مجرد فعل ذلك يستوجب قطع الصوت و تشويش أجزاء من الصورة قد تتجاوز 50% منها.. و حينما نفذ أعوان السجون إضرابهم احتجاجا، تساءلت في دهشة إلى متى؟

إلى أن نتوقف عن اعتبار الفنّ حكومة تكال له ملفات التونسيين الحارقة ليعالجها، و نكف عن ربطه بالقضايا كأنه لا يعمل إلا وفقا لذلك. إلى أن نتوقف عن حصر الفنّ الملتزم بالوطن، كأنّ الالتزام بأية فكرة أخرى هو ضرب من الانحلال أو الانحراف. هو أن نتوقف عن اعتبار الفن هادفا أو غير هادف. لقد أودت هذه الرؤية المبتذلة إلى تفضّل الفنانين علينا بالتزامهم.. "لقد غنيتُ للوطن"، "لقد قلتُ شعرا عن مشاكل الوطن"، "لقد كتبتُ مسلسلا عن القضية".. كأنهم يفعلون ذلك حتى لا يؤخذوا بانحلالهم.. تصبح أعمالهم تفضّلا، و مطيّة، لا خلقا حقيقيّا منبعه ذات الفنان، و روحه القلقة. تصبح قضاياهم، تسجيل حضور حتى يترك و شأنه و يسكت الحاقدون.. 
ما "القضايا"؟ ماهو السؤال الذي لا يعتبر "قضية" و متى يسمح للسؤال بارتداء ثوب القضية؟ حينما يحب شاب ما فتاة مثلا، ألا تعتبر "قضية"؟ حينما يحلم طفل أن يطير، أليست قضية؟ بعضهم قضيته الوحيدة في حياته، أن يغيّر بيت الاستحمام، و أعتقد أن مسلسلا مصريّا صوّر ذلك بالفعل، و بكيفيّة ستعجز عنها القمرة (الكاميرا) التونسية لسنوات عديدة أخرى...
ما القضايا؟ و لماذا نسمّي فكرة ما قضية، و لا نسمّي أخرى كذلك؟ هل القضايا أيضا "بوجوهها"؟ هل للقضايا معارف يتكفلون بتقرير أيها الأهم و الأضخم؟ في الواقع، تحشر القضايا في الأعمال التلفزية كما هي، مادة خام متخشبة مهترئة، إنها حاضرة بوجودها لا بمضمونها، لذلك ينزع صاحب العمل، إلى الزجّ بشيء ضخم، شيء من الضخامة يمكن للناس أن يروه و يشهقوا، إن التفاصيل الصغيرة، تحتاج إلى عمق أكبر من أصحاب هذه الأعمال، و أحيانا أعمق من المشاهد التونسيّ، لذلك فهي نادرة الحدوث ككوكب الأرض، أو كشاعر تونسيّ.

حينما تأتي بقضية "ضخمة" و تلقي بها وسط المشهد، فلن تحتاج إلى تعديل العدسة، و تغيير زاوية الرؤية و المسافة، لن تحتاج إلى إخضاع المشاهد إلى تجربة مرئية مختلفة، أو إلى لمسة فنية شخصية جدا.. من منّا يحفظ أسماء مخرجي الأعمال الدرامية التونسية أو كتابها؟ لا أحد تقريبا، فكلهم متشابهون، كلهم يخضعون إلى كراس شروط ينقذهم من الحياد و الشخصنة. كلهم يبحثون عن الموضوعية في الفنّ، و هي جريمة يفترض أن يصادر بسببا العمل، حفاظا على صحة الأجيال القادمة. تصوروا، فنّا موضوعيا. هذا هو الخبل الذي تبثه الدراما التونسية، لاحظوا المواقف و الصور و الأفكار، و أمدّوني بموقف واحد يعكس اختلافا شديدا أو طرحا خاصا لا يتفق حوله الغالبية. جميعها مواقف يتبناها الرأي العام، حتى لكأن كتاب المسلسلات هم أقرب للصحافة من الأدب. هل تفرض الجهات المنتجة ذلك على اصحاب الأعمال؟ أم إن هؤلاء خوفا من المشاهد يحاولون كسب ود الجميع باللاموقف؟

حينما أتذكر مسلسل الخطاب على الباب، لا تتبادر إلى ذهني أية قضية جريئة، بل لا أذكر أية قضية (بالمفهوم المتعارف عليه) على الإطلاق. و كل ما أستحضره، هي مجموعة الشخصيات الفريدة و الفذة، و تطورها طوال العمل، و مشاكلها التي في غالبها مشاكل داخل الشخصية نفسها، و ليست مع شخصيات أخرى (سطيّش، عبودة، حفّة، الشيخ تحيفة..).. لم يقترن العمل قط بقضية ما، و لم يبد أن هدفه أصلا تذكيرنا بتلك المشاكل التي نعيشها و نراها كلّ يوم بالفعل، و مع ذلك فقد حقق العمل نجاحا لا يختلف فيه اثنان، و بات مرجعا للدراما التلفزية التونسية.
لماذا انقلب المشهد، و لماذا تغيرت المقاييس و الصيغ؟ ربما لأن عليّ اللواتي (كاتب الخطاب على الباب) كان فلتة مثلا، كان الاستثناء وسط كتابات هي أشبه بالتوثيق منها للخلق و الابتكار. و ربما لأن التيار غالب، تيار الرأي العام الذي لا أدري أيوجهه الإعلام أم يتوجّه به.. الأكيد أن الفنّ لن يتغير قبل أن تتغير العين التي تراه، و تقيّمه..



Translate