Saturday, March 24, 2012

في الخلافة...

يقول التقويم الميلادي، أن اليوم يوافق الذكرى الثالثة بعد المائتين و ألف (1203 لمن ترعبهم طريقة القول السالفة) لوفاة هارون الرشيد خامس الخلفاء العباسيين، و خليفة العصر الذهبي للدولة الإسلامية. و هو أمر لا يمكن أن يمر دون تفكّر فيه و نحن نشهد ما نشهد من أفكار بعضها ألفناه و بعضه قد لا يمكن أن نستسيغ مسمعه قط.

و الحق أن مجالستي لبعض النقليين (السلفية لو شئتم التسمية) يوم الاستقلال، و استماعي إليهم، ما دفعني إلى التفكر في أمر هارون الرشيد. كانت بداية جدالي مع أحدهم، أنه راح يتحدث عن هارون الرشيد خليفة المسلمين، البطل العظيم الذي يغزو سنة و يحج سنة، التقوى و الفروسية، كل ما يتمنى أن يكونه شاب مثل محاوري. و طبعا لم يفته أن يحدثني عن احدى الحكايا التي أخذ بعضها عن الطبري فجمّلت و حيكت كما فعل الناس من قبله في ألف ليلة و ليلة.. فأخبرني بأمر الرسالة الشهيرة التي أرسلها هارون إلى نقفور (Nicepor) ملك الروم (بيزنطة) يجيب فيها تهديداته بقوله :"من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام". و ختمها طبعا بقوله إن هارون الرشيد غزا روما حينئذ!

و بعيدا عن الفوضى التاريخية التي كانت تعتمل في ذهنه، فقد كان على يقين أن هارون الرشيد ما بلغ من المجد إلا لقوته السياسية و العسكرية، و أن الدولة الاسلامية حينئذ بلغت مداها و أوج وحدتها. و أن ذلك سبب العصر الذهبي. و هذا التفكير بنظري يلخص تقريبا الحلم السلفيّ الذي لن يتحقق بنظرهم إلى بإعادة تحقيق المسببات (خليفة، دولة اسلامية، غزو، شريعة الخ) في محاولة لتطبيق القاعدة الفيزيائية الشهيرة.

لا أحب أن أناقش هذا الفكر المرتكز أساسا على الأراجيف التاريخية التي تكتب على المنتديات الشعبية، و صفحات الشبكات الاجتماعية المضحكة، و لكن أعتقد أن من المهم العودة إلى هذا الخليفة الذي قد يعتبر الاشهر بين كل الخلفاء، و قد تجد من لا يعرف أن عليّا كرم الله وجهه كان خليفة للمسلمين، لكن الخلافة اقترنت بهارون كما لم يفعل رجل مثله. فما الذي فعله و لم يفعله غيره؟
فقط للتذكير فالدولة البيزنطية تعتبر الجزء الشرقي من الامبراطورية الرومانية القديمة، و توجد أساسا في تركيا و ما جاورها، بينما وجدت في أوروبا الغربية ممالك أخرى أهمها مملكة الفرنجة و صاحبها شارلمان. و الدولة البيزنطية كان يائسة تحاول الصمود في وجه المد الاسلامي،و الحق أنها منعت القسطنطينية عن المسلمين مئات السنين، قبل أن يدخلها محمد الفاتح العثماني. أما روما فكانت تتبع البابا و الامبراطورية الرومانية الغربية، التي أصبحت فيما بعد الامبراطورية الرومانية المقدسة، و يروى أن علاقة شارلمان بهارون الرشيد كانت ودية جدا !

اذا غزوات هارون الرشيد كانت تقتصر على الدولة البيزنطية المحاذية له، و هي غزوات مظفرة لكنها لم تبلغ أبدا منال المسلمين الأول : القسطنطينية. و لا يمكن بأية حال من الأحوال ان نصنف هارون مع الخلفاء الذين نشروا الإسلام كعثمان بن عفان و عمر بن الخطاب، و محمد الفاتح، و غيرهم من الفاتحين الكبار.كما أن الجبهة الداخلية لم تكن بذلك الاستقرار الذي نخاله، فهارون الرشيد لم يكن يوما سيد الأندلس، التي ظلت أموية في زمن الحكم العباسي بفضل عبد الرحمان الداخل. و في المغرب أقام الأدارسة مملكتهم المستقلة، و عمت الاضطرابات في افريقية و مصر بسبب هرثمة بن الاعين، فخير هارون الرشيد مساعدة إبراهيم بن الأغلب على اقامة دولة الأغالبة (المستقلة بالقرار) بالقيروان فيستتب الأمر و ترسل له الجزية. و في اليمن كان عليه أن يواجه ثورات لا تنتهي، بينما لم تتخلص دمشق من ولائها التام للأمويين، دون أن ننسى آلاف الأخبار التي تحدثنا عن مطارداته المستمرة للشيعة، و دعاتها..
ما الذي جعل من عصر هارون عصرا ذهبيا اذا؟ ألأن الناس عرفت معه رغد العيش؟ لا نخال ذلك صحيحا فالاخبار تحدثنا عن مجتمع طبقي جدا فيه العبيد و الحرفيون الصغار و التجار و العلماء و العسكر و الساسة الخ.. و أبو العتاهية يحدثنا في قصيد شهير قاله للخليفة المهدي شقيق هارون الرشيد عن احوال الرعيةفي ذلك العهد فلم يذكر فيها ما يسر و ما يمدح. فلم يضرب المثل بعصر الرشيد و لا يعرف أحد شيئا عن عصر عمر بن عبد العزيز الذي لم يترك جائعا الا وفاه حاجته؟

لكن مهلا، من هو ابو العتاهية؟ و ما دخله بخلافة الرشيد؟ انه احد كبار شعراء عصره و احد اغزر الشعراء العرب، و ان كان فارسي الاصل. اما علاقته بالرشيد، فهي علاقة الفرزدق بعبد الملك بن مروان مثلا. ابو العتاهية علامة مضيئة في الادب العربي اشعت زمن الرشيد. و لئن كان ابو العتاهية شاعرا "جادا" فإن زمن الرشيد عرف ايضا سيد الخمريات و احد عباقرة الشعر اطلاقا و نعني هنا أبا نواس. و تواجد كلي الرجلين جعل من الصعب تصنيف هارون الرشيد في خانة الخلفاء الجادين الزاهدين او العابثين المبذرين.
لقد شهد زمن هارون اكثر من هذين الشاعرين. فبيت الحكمة البغذادي الشهير تاسس على يديه. و ايضا سطوع نجم ابراهيم الموصلي العازف العظيم.

كما ان هارون من اكثر الخلفاء الذين تحدثت عنهم كتب الاخبار. احاديث متناقضة حتما تذهب من قمة المجون الى الورع الشديد. و تبقى اهمها حكايات الف ليلة و ليلة التي استهلكت الخليفة دون غيره حى الثمالة.
ان هذه الاعمال الفنية هي بالفعل من صنع هارون الرشيد. و ان ما فعله الرجل هو حركة الترجمة الضخمة التي واصلها ابنه المامون في بيت الحكمة. فانتقلت معارف الفرس و الروم و الاغريق و الهنود الى بوتقة واحدة اسمها الحضارة العربية الاسلامية. لقد قام هارون الرشيد بما هو اعظم من الفتح و السبي فصارت بغداد عاصمة العالم و قبلة طالب العلم و الحكمة. و حلم الفنان و الشاعر.

اليوم من يريد لمجد هارون الرشيد أن يعود، يجب ان يعلم جيدا ان هذا المجد لا يستقيم بحد السيف. بل بحرية الفن في التخبط بين ابي نواس و ابي العتاهية.
صورة لهارون الرشيد مع شارلمان ملك الفرنجة

Friday, March 16, 2012

شريعة الله، و شريعة النهضة.

الشريعة؟
هي أن تدعو إلى حكومة وحدة وطنية، ثم تقترح مسودة قانون تستأثر بها على السلطة التنفيذية و التشريعية و القضائية أيضا.

الشريعة؟
هي أن تنادي بتطهير البلاد من الفساد، ثم لا ترى مانعا في الابقاء على أحد رموز الفساد على رأس الدولة.


الشريعة؟
هي أن تقول إن شباب بلدك "يمكن يبيعوا البلد" ـ في لحظة يأس ربما ـ ثم تقول على الملإ إنك لم تقل ذلك قط.


الشريعة؟
هي أن تطالب بتجريم التطبيع قبل الانتخابات، ثم لا ترى داعيا لذلك بعدها.


الشريعة؟
هي أن تدفع الناس لمعاداة مطبّع تونسي لأنه من حزب منافس (و يستحق ذلك)، و تطلب المساعدة من مطبّع عربي خليجي انقلب على أبيه.


الشريعة؟
هي أن يعيّنَ الوزيرُ وزيرا بقدر السنين التي قضاها في السجون لا السنين التي قضاها في البحث العلمي.


الشريعة؟
هي أن لا يعيّن وزير لم ترضَ عنه دول قد تمنحك العطايا و قد لا تمنحك.

الشريعة؟
هي أن تتظاهر كل يوم جمعة من أجل وجبات ايديولوجية جاهزة، فتعطل السير و العمل، ثم تدعو على من قطع الطريق لأنه جاع و لم يعلموه كيف يحتج، بأن تقطع أطرافه من خلاف.

الشريعة؟
هي أن تعد الناس بالقصاص العادل قبل الانتخابات، و بعد الانتخابات، تتنكر لوعدك من أجل حفنة من الاموال لم يتصدقوا بها بعد و لن يفعلوا.

الشريعة؟
هي أن تعلن أن تحرير القدس قادم قبل الانتخابات، و بعد الانتخابات تسكت على مجزرة الصهاينة في غزة.

الشريعة؟
هي أن تستقبل إسماعيل هنيّة بالأحضان، و بمثلها تستقبل زميم الصهيونية و حاميها.


الشريعة؟
هي أن تدعيَ الكرامة، و تحتضن زميم الصهيونية و حاميها.


الشريعة؟
هي أن تعلم تماما أن انصارك سوف يظلون أنصارك، سوف يجددون لك ألف مبرر و مبرر،و انت تحتضن زميم الصهيونية و حاميها.

الشريعة؟
هي أن تطلب قرض ربى من أكبر مطبع مع بني صهيون تفوق فائدته قروض دول أخرى.

الشريعة؟
هي أن تطالب الإعلام العمومي المعارض بأن يكون محايدا، بينما لا يزعجك أن تدعوَ مؤسسةٌ إعلامية عمومية أخرى بالتظاهر لنصرة خيار سياسي يختلف فيه التونسيون.

الشريعة ؟
هي أن لا تجد خطرا في أن يحوز غير الجيش سلاحا ناريا يهربونه فيما بينهم لنشر "دعوة" ما.


الشريعة؟
هي أن تسجن بسرعة الضوء صحفيا بسبب حماقة رأي اقترفها، بينما يمر أسبوع دون أن تعثر على أحمق أهان رمزا سياديا على الملإ و أمام الجميع.


الشريعة؟
هي أن تطلب المعونة من دول كالسعودية و أمريكا و تأمل لنفسك شيئا من السيادة و استقلالية القرار.


الشريعة؟
هي أن تسأل بلدا غارقا في الديون حتى التقشف، أن يقدم لك معونة ما.


الشريعة؟
هي أن تبحث عن الاستثمار أينما كان، لا يهمك مصدرها و لا صاحبها و لا ميوله و لا ما يبغي، هي أن ترهن ثروة الفسفاط لشركة بريطانية، و ترهن ثروة النفط لشركة قطرية، ثم تزعم السيادة الوطنية.

الشريعة؟
هي أن تعد الناس بما لا تملك، هي أن تخطط من دون خطط، و هي أن تشغل الناس عن حيرتك و شحاذتك بسلسلة لا تنتهي من القضايا التي لا معنى لها.

الشريعة؟
هي أن لا يجرّم الفقر و يجرّم الفكر. هي أن تطول يد السارق و تقصر يد رب العائلة. هي أن تعنّف كل من يغيظك قوله أو عمله، هي أن تستبيح دم من لا تفهم كلامه، و تكفّر من لم تقرأ كتابه.


الشريعة؟
هي أن تزعم طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم فتعصيه، و هي أن تزعم حبك لأثر الصحابة فتُخالفه، و هي أن تقرأ التاريخ فتجهله، هي أن تظن أن أقوال بن تيمية أو غيره امتدادا للقرآن لا تفكّرا فيه.

الشريعة؟
هي ما لم يحدده أحد و ما لم يتفق عليه اثنان. و عوض أن تدعوَ إلى العمل على فهمه و ايجاد كلمة سواء فيه، تفرض تطبيقه (رؤيتك له) يساندك في ذلك أناس لم يتساءلوا قط، بل يخشون حتى من مجرد التساؤل...


الشريعة؟
أهي شريعة الله ؟ أم شريعة النهضة؟




Wednesday, January 4, 2012

حلّ !

أتحدث عن كليهما، عن المعنى الفصيح الذي من أجله أقمنا الثورة، و عن المعنى العامّي الذي يجب أن تنتهيَ إليه كل ثورة ناجحة اعتمدت أساسا على المعلومة الحرة!
الجميع يكتب اليوم عن المعلومة الحرة، عن الحكومة المفتوحة، ستجدون مقالات متنوعة بعضها يخوض في التقنيات المتاحة، بعضها يقدم صورة شاعرية تلهب القلوب، بعضها يستعمل الفرنسية، و البعض الآخر يحاول أن يقرّب المفهوم للعامة بلهجة دارجة سلسة (و إن كتبها بطريقة الاس ام اس التي لا استظرفها).
عليّ أن أكتب أنا أيضا، و أن أضيف شيئا للمادة الموجودة. سأكتب ربما للجيل القديم، الجيل الذي لا تمثل لغته الأم عائقا أمامه، لكنه لا يستوعب أفكار الجيل الجديد و لعله يعتبر الحديث عن المعلومة الحرة و الحكومة المفتوحة ترفا لا يمكن الخوض فيه اليوم. لذلك سأحاول أن أفسر بطريقة براغماتية ما جدوى المعلومة الحرة.

لنتفق أولا ماذا نريد من الثورة :
ـ نريد شغلا.
ـ نريد كرامة.
ـ نريد حريّة.

كيف نحقق هذه الأشياء؟ 
ـ نقيم نظاما جديدا غير فاسد : الحرية.
ـ يقطع النظام الجديد مع الاساليب القديمة حتى يحقق فعلا مطالب الناس : الشغل.
ـ يمكن محاسبة النظام الجديد و تغييره دون الحاجة إلى ثورة جديدة لو فشل في أمره : الكرامة.

لنكن عمليين و لنقدم أهدافا ملموسة: 
ـ النظام ديمقراطي يستمع إلى كل الآراء، المعارضة تقدم حلولا عملية، و الأغلبية تبحث عن مصلحة البلاد لا عن مصلحتها.
ـ القضاء عادل يضمن كرامة الناس، و حقوقهم.
ـ في كل موقع قرار يوجد الشخص الأنسب و يتخذ القرارات الأفضل.
ـ الرقابة موجودة.
و بالفعل هذا ما حاولت الثورة في تونس أن تحققه، رغم بعض الهنات هنا و هناك، لا كمال في الدنيا. و اليوم، هناك مجلس تأسيسي، و حكومة، و مجتمع مدني، و إدارة، و القضاء الجديد أيضا لن يلبث أن يتكون، لكن المشاكل لا تنتهي، سببها الأول انعدام الثقة. انعدام الثقة بين المواطن و المسؤول، انعدام الثقة بين المواطن و الأمن، انعدام الثقة بين المواطن و الحكومة، انعدام الثقة بين المسؤول و المسؤول أيضا، بل و انعدام الثقة بين المواطـن و مرشحه الذي انتخبه للمجلس التأسيسي!

لماذا انعدمت الثقة؟
لأن هناك بالفعل مسؤولين يعملون في الخفاء، و لأن هناك بالفعل قرارات خاطئة لا يمكن أن نعلم ما في ضمائر أصحابها، و الأهم، لأن الشائعات أغرقت البلاد منذ الثورة.. اخبار زائفة، صور زائفة، اقتطاع للتسجيلات بطريقة تخدم أطرافا ما.. الاشاعات التي اغرقت البلاد تسببت في كوارث، و لو تذكرون ما حصل في احدى الجهات حينما بلغهم أن هناك من سيرسمون خفية عن الآخرين.. أو حينما أخبروهم أن أحد رجال الحرس قد ضرب احدى المواطنات.. انعدام الثقة، يدفع المواطن الى البحث عن المعلومة في أماكن موبوءة تماما، كما الحال في الفايسبوك، موقع التواصل التونسي الأول.

المعلومة اذا هي المفتاح!
ـ يعتصم الناس في جهة قفصة بسبب نتائج المناظرة المهزلة للدخول للكبّانية. من المتسبب في نتائج المناظرة؟ لا أحد يعلم. كيف ستسوى الأمور؟ لا أحد يعلم. ما هو رأي نواب المواطنين المعتصمين في المجلس التأسيسي؟ اللهم أعلم و هم لا يعلمون.
ـ لقد انتخبت شخصا أو أشخاصا يمثلونني في المجلس التأسيسي بمواقفهم و آرائهم، لا أعرف إلى اليوم ماذا تحدثوا باسمي، و ماذا قالوا بلساني. هل يمكنني أن أجدد ثقتي لهؤلاء؟ لا أعرف!!! لأن المعلومة تنقصني!
ـ يعتصم الناس في قابس مطالبين بحقهم في العمل في المصنع. بعضهم يقول إن طاقة الشركة لم تعد تتحمل المزيد، بعضهم يقول إنها بالفعل بحاجة الى المزيد لكن السرقة قلصت من حجم سعتها. كيف السبيل إلى معرفة الحقيقة؟ بالمعلومة. أين المعلومة؟ في ركن ما، في مكان ما لا يمكن بلوغها.
ـ السلط المحلية أو الجهوية تريد بالفعل أن تساعد قدر الإمكان، لكنها لا تستطيع أن تعرف كل ما يدور في كل شبر من الارض.. على المواطن أن يبلغ، و أن يقدم المعلومة أيضا، لكن كيف يفعل؟ إلى من يذهب؟ كيف يتصرف؟
ـ المعلومة ليست وثائق القرارات فحسب، هي أيضا تسجيلات ما قيل، و صور ما حدث بالفيديو حينما يكون الفيديو ضروريا. المعلومة هي أرقام احصائية، سجلات بنكية، خرائط، المعلومة هي أيضا انعدام المعلومة، فنحن لا نعرف مالذي لا نعرفه تحديدا!

ـ ما قيمة كل هذا و نحن نتحدث عن الخبز؟ الخبز يا صديقي له مقدار من الدعم، يجب أن نتأكد أن لا احد يسرق منه. يجب أن نتأكد أن قيمة دعمه ليست قيمة عشوائية و انما للمقرّر مبرراته بشأنها. الخبز يا صديقي نستورد قمحه من دول أخرى، لا نعلم تكوينه و لا في أية مختبرات تم تغيير تركيبته، الخبز يا صديقي له وحدات توزيع لا نعلم أصحابها و لا مدى تأثيرهم في انقطاعه احيانا، و لا طريقة توزيعه على المخابز... الخبز الذي نأكله يا صديقي لا نعرف عنه شيئا، و مادمنا لا نعرف شيئا، فلا يمكننا أن نفهم إن كان حقا يساوي الثمن الذي ندفعه من أجله أم لا. و لا يمكننا أن نفهم إن كنا نزيد من ثمنه باحتجاجنا أم نخفّض.. نحن بحاجة الى تحرير المعلومة، إلى أن يكون كل شيء متاحا للمواطن، و الصحافة. لذلك كله نقول للحكومة : حلّ!

حلّ! و لكن كيف؟
ـ الـOpenGov أو الحكومة المفتوحة، هو المصطلح الذي أطلق على الحكومة التي تعتمد على المعلومة الحرة للتواصل مع المواطن. الشفافية المطلقة، هذه المرة ليست شعارا بل واقعا حتميا. تعتمد الحكومة المفتوحة على تقنيات الاتصال الحديثة (الانترنت، الهواتف الذكية، الخ) للتواصل المباشر مع المواطن، على المستوى المحلي و الجهوي و الوطني، تلتزم الحكومة المفتوحة بتقديم كل المعلومات الممكنة للمواطن، حتى يمكنه أن يحكم على مردود ممثليه في مختلف أجهزة الحكم، و حتى يخضع الجميع لسلطة الرأي العام، و حتى لا يمكن لأحد أن يعمل في الظلام.

ـ تقدم المعلومة في الحين، فتنتفي الاشاعات تماما و لا يعود لها وجود. و تنتفي العشوائية و التمييز و الوساطة و الارتجال.. لقد ظلم نظام بن علي الناس كثيرا رغم أن كل شيء موثق، لكنه كان يعمل في الظلال، و كانت المعلومة في صندوق مغلق لا يراه أحد.
ـ يجب أن يتم بث كل مداولات المجلس التأسيسي أولا بأول، و لا تستثنى منها مداولات اللجان الجانبية. لا نريد لعبا تحت الطاولة، نريد لعبا مفتوحا تماما!
ـ يجب أن يعتمد التصويت الالكتروني في المجلس التأسيسي، ليسجل تصويت كل النواب، و يمكن الاطلاع عليه فيما بعد و معرفة مدى وفاء النواب لوعودهم الانتخابية.
ـ يجب أن يبدأ العمل على بوابة حكومة ضخمة تسمح بادراج كل المواقع الحكومة، بحيث تسهل وضع كل المعلومات الممكنة، و تمكن من التفاعل المباشر بين السلطة و المواطن.

عزيزي المواطن، المعلومة الحرة ليست ترفا، بل هي كما ترى، أساس "الخدمة على نظافة"، و هي ليست أقل قيمة من الشغل و الكرامة و الحرية.. بل هي من سيقدم إلى الجميع الشغل و الكرامة و الحرية، و لا مزية عربي.

عزيزي المواطن، ساند حملة "حلّ" و قلها دون مواربة "يا حكومة ! تي حلّ اللعب!"


Monday, December 26, 2011

كوميديا الطلبة..



مرحبا مجدّدا، في هذه المساحة يمكن أن تتركوا آراءكم و ملحوظاتكم بخصوص أقصوصة "كوميديا الطلبة".
كان العنوان الأول للقصة "شيء من المسرح" لكنّني وجدتُ فيما بعد أن هذا الاسم أكثر حيوية و أكثر تعبيرا عن روح القصة.. طبعا نوّهتُ طويلا أن تشابه الأسماء محض هذيان ليس الا، لكنني لا ألوم من قد يأخذ هذياني مأخذ الجدّ.. كالعادة أنا لا أحسن التفريق بين ما تختزنه ذاكرتي و ما تفرزه مخيّلتي..
كوميديا الطلبة بسيطة جدا، و في الواقع لم تستهلك كتابتها وقتا طويلا.. ربّما لتعوّدي على أسلوب الكتابة الذي اعتمدتُه فيها، و ربّما لأنني عشتُ أغلب مشاهده (بصورة متفرّقة) في حياتي.. لا لم تحدث مثل تلك الفوضى حيث درستُ و لم يتصارع الاخوة و الرفاق هناك.. لكن .. لأترك لهم متعة (همّ) الاكتشاف بأنفسكم.. 
إليكم مقطعا من العمل و عذرا على السّباب الكثير الوارد بالقصة، كما تعلمون، لستُ أنا من يتحدّث هنا :D

"تي فكي على الز** ما نقضيش، برّي شوفي ولدك وين هامل و كلـّميه.."
و أغلق هاتفه بعنف و هو يطلق سبابا لا فائدة في ذكره... كلّ الظروف مهيّأة ليوافق كما ترى..
"أو.. سي جمال.."
"اش حاجتك بنـ... شنوة تحبّ؟"
".. سامحني، عندنا خاطر مسرحية و ..."
"بالله أخطى ز*** ناقصكم كان انتم.."
كان قد استدار مواصلا طريقه حينما اقترف "العـَمري" ذلك الخطأ الذي لا يجب أن يقترفه المرءُ أبدا مع جمال :
"عندنا ورقة مالإدارة!"
"تهدد في الز*** بالادارة؟ برة قول للمدير يمسح بيها الورقة ! باهي؟"

هذه عبارة لا إجابة لها كما تعلم، لذا بقينا صامتين نتابع في حيرة ابتعاده و لا ندري أي انفعال يجب أن ينتابنا... و كانت وقفتنا بليغة جدا، بليغة إلى حدّ منع بقية الرفاق للحاق بنا و السؤال..

و للقصة بقية.. 

تونس، منزل بورقيبة
20 ـ 31 كانون (ديسمبر) 2011



ملحوظة : 
إن كل تماه أو تشابه بين اسماء الشخصيات و الواقع، هو افتراء و تجنّ من الكاتب.
هذا الحديث هو عبارة امتنان لناد عشتُ معه تجربة لا تنسى. استمتعوا بجنونكم..

Tuesday, November 1, 2011

مباركة : آمال عريضة




فاجأتنا العريضة، قبل أن تفاجئ الآخرين... فاجأتنا العريضة، و جعلتنا نتلفت حولنا في ارتياع، و نبحث بعيدا عنا، عمّ حصل، كابوس رهيب أحس به كثيرون، ربما الفائزون بالانتخابات قبل الخاسرين.. بعضنا كان يضحك ساخرا من تصريحات الهاشمي الحامدي منذ يومين او ثلاثة بشأن حيرته بين الاقامة في قرطاج او في ضاحية شعبية. و بعضنا الآخر لم يسمع عن حزب الهاشمي الحامدي الذي ساند قوائم العريضة الشعبية المستقلة (مثلما ساند حزب العمال قوائم البديل الثوري مثلا) . لكن الغالبية العظمى لم تكن تعرف شيئا عن العريضة الشعبية، بل و سمعت من يتساءل في حذر : من هو الهاشمي الحامدي؟!

طبعا لن أنطلق من هذه النقطة، فلا يهمني الكثير عن تاريخ الهاشمي الحامدي و تاريخ اذاعته المستقلة سوى كونها كانت قبلة كل المعارضين، و محط اهتمام التونسيين، قبل ان يقع الهاشمي في غرام ليلى بن علي و تقواها و يقتل كل تجربة اعلامية معارضة من بعده.
سأبدأ منذ ذلك اليوم الذي نزل فيه ممثل حزب المحافظين التقدميين ضيفا على برنامج ساحة الاحزاب.. كان واثقا، معتدا، يتحدث عن الدكتور الهاشمي الحامدي حديث الواثق المتيقن من نتيجة الانتخابات. و انتظرت الهاشمي في الحملة الانتخابية، انتظرته في الاعلام التونسي، فلم أر منه شيئا، و اعتقدته أنه لم يكن جدّيّا تمام الجدية في ما يذهب اليه، و رسخ ظني حينما سمعت حديث الحامدي على قناته، و  حيرته بشأن مسكنه الجديد. كنت مستغربا أن يصدر عن رجل مثله كلاما كهذا. أ أصيب بلوثة عقلية؟ لم يكن كذلك قط. أي لعبة يلعبها؟ طبعا لم أتخيل أن يوم الاحد كان قادما باجابة سريعة جدا..
لماذا نجح الحامدي و فشل آخرون؟ هذا هو السؤال و التفسيرات الكثيرة لم يشأ أصحابها أن يتعاملوا مع الافكار الاخرى التي قد تمسّ منهم و تنتقدهم، لكنني هنا أؤثر أن أبحث في جميع الاسباب التي تظافرت لانجاح العريضة.

التجمع :
تقول سهام بن سدرين الصحفية المختصة في تتبع التجمعيين و البوليس السياسي و اقتفاء آثارهم، ان العريضة يقف وراءها تجمعيون و يسهرون على انجاحها. و دعمتها هيئة كمال الجندوبي باسقاط بعض قوائم العريضة. العريضة مدعومة بالتجمعيين لا من خلال ممثليها فحسب، بل من خلال عملية الدعاية اليها. فقط التجمعيون يعرفون مسالك تونس المظلمة. وحدهم التجمعيون يحسنون الغوص في أعماق البلاد، و يسيطرون على العمد و الشيوخ، في القرى و الأرياف. وحدهم التجمعيون يملكون القدرة على التجميع و التسويق في مناطق كثيرة قليلة السكان، لكنها مجتمعة قد تمثل قوة انتخابية لم يفكر فيها الكثير من الاحزاب.
من المعروف أن التجمع أخرج من رحمه احزابا كثيرة لا قبل لنا بحصرها، يقودها ولاة و وزراء و قيادات تجمعية سابقة يسهل كشفها، هل كانت تلك خطة التجمعيين لتمويه الجميع و العمل سرية؟ لا أخال ذلك. أعتقد أن التجمع لعب على كل المستويات الممكنة. كثرة الاحزاب تعطي فرصة اكبر من المقاعد. اللعب على الجهويات لها مفعولها أيضا و هو ما قدم 5 مقاعد لكمال مرجان. لكن رهان العريضة الشعبية كان الاكثر فاعلية. لماذا؟ لأسباب أخرى.

الأرياف :
أغلب الأحزاب التونسية تعمل في المدن. أعتقد أن الأمر عاديّ تماما، فكل الاحزاب تقريبا حديثة النشأة و لا تزال في مرحلة البناء و تأسيسي المكاتب المحلية. من الصعب جدا أن تنجح الاحزاب اذا في الدخول الى الأرياف فما بالك بتأسيس قواعد بشرية لها. أما العريضة، فكان ذلك موجودا و جاهزا للاستعمال أيضا.
لم يصل خطاب الكثير من الاحزاب الى الارياف، و بعض الاحزاب اكتفت بزيارات عابرة في حدود ما تسمع به امكاناتها المادية، و اكتفت بتوزيع منشورات على أناس لا يقرؤون أصلا. منشورات لا يعيرها الناخب اهتماما حقيقيا حين عملية تقرير المصير.
هل اعتقدت الاحزاب أن الارياف بضعف كثافتها السكانية، لا تمثل قوة انتخابية كبيرة؟ ربما. ربما فكرت جميعها بهذا الشكل، و تقاتلت من اجل اقتسام غنيمة المدن، بينما كانت خلايا العريضة تعمل منفردة في هذه المناطق.
أما الاحزاب التي تتهم العريضة و تهاجمها، فتقول اليوم انها لم تر العريضة في الحملة الانتخابية. أجيبها ببساطة، ان العاطل عن العمل، المستلقي في مخدعه، لا يمكنه أن يرى عمل الآخرين.

الإعلام :
لم تكن الاحزاب المنافسة فقط من عمي عن هذه الارياف و المناطق، بل الاعلام أيضا. الاعلام في الواقع لم يتنبه للارياف فقط، بل لم ينتبه الا للمدن الكبرى الثلاثة لا غير. كان اعلاما متقوقعا جدا في استوديوهاته، يناقش الاحزاب الشُوس العارفين، بعضهم يتحدث بصوت الحكمة و بعضهم يتحدث بصوت الثورة، و ربما يتحدث الاخرون بصوت الشعب. و لا أحد فيهم زار الشعب أو عرف احتياجاته.
حينما قدمت قناة "حنّبعل" مشاهد من جولتها حول المدن و الأرياف المغيّبة، فزعنا و اعتبرنا خطابها استهبالا للمواطن، و قامت عرائض احتجاج من جندوبة و من مدن اخرى رفضا لشكر باعث القناة، و ترشيحه رئيسا من الكثير من الناس. و لم يدر بخلد أحد منا أن الامر يتجاوز التمثيلية الرخيصة، الى  مطلب حقيقي من أناس وجدوا لأول مرة في حياتهم من يلتفت اليهم و الى معاناتهم. لم يدر بخلدهم أن التلفاز الذي يرون فيه تونس الغريبة عنهم، جعلهم لأول مرة تونسيين.
مارس الإعلام اذا اضطهاده المعتاد لاغلب مناطق الجمهورية و لم يزرها الا لو حدث طارئ، اما الاكثر خطورة، فهو أنه لا يتبنى خطابهم، بل مثلي أنا الآن، يعتمد خطابا يحضر فيه الجمع الغائب بكثافة، فأعظم سكان تونس "هم" و سكان المدن التي توجد فيها اذاعاتنا و قنواتنا "نحن"! كان خطاب "هم" و "نحن" حاضرا بصفة ضخمة لم يتنبه اليها احد "منّا" ربما لأننا "نحن"!
هذا الاعلام لم يصور حملات العريضة الشعبية، و صورتها بعض الهواتف منذ أفريل|نيسان الماضي، فتبيّننا أن العريضة قدمت حملة شعبية عادية جدا، لم تكن في جنح الظلام، و لم تكن تقدم المعونات الضخمة كما رأينا الاتحاد الوطني الحر، و لا "الاعمال الخيرية" التي تقوم بها النهضة "بدون مقابل"..
و لأن الاعلام التونسي الرائع لم يلتفت الى تونس و اهتم باستوديوهاته و ما جاورها، فهو لم يعلم بالظاهرة التي تسمّى عريضة، و لم يستدع أيّا من ابنائها، و هنا يمكن لي بشيء من الخيال أن أرى جماعة العريضة يقدمون برنامجهم الخيالي امام اعين الناس، فيجيبهم بعض الخبراء و يثبتون لهم (ان صدقوا فعلا كلام الحامدي) و لمنتخبيهم استحالة ما يذهبون اليه.
و لأن الاعلام التونسي الوطني، مقروءا و مسموعا و مرئيّا بات غريبا عن البلاد، يتحدث بلغة لا يفهمونها، يستعمل ألفاظا فرنسية كثيرة "يتوه" معها المواطن خصوصا اذا ما انحشرت ـ مجانا ـ في كلام النخب (حتى يبدوَ اكثر نخبوية ربما، او ربما لأنه بالفعل لا يعرف لغة القوم الذين يواجههم بالخطاب)، فقد كانت القطيعة بينه و بين التونسيين (و هنا حينما اتحدث عن التونسيين، اعني "هم" )، و كان التفسير لعدد الناس الذين تسألهم الاذاعات عن الانتخابات فيجيب تلك الاجابة الشهيرة "ماني فاهم شيء من هالانتخابات."
لكن الاعلام استمر طبعا في مسايرته للنخبة، و كأنه ينتظر من المواطنين ان يتحولوا بين عشية و ضحاها الى اكاديميين، او حملة شهائد او على الاقل اصحاب تعليم ثانوي. الحقيقة غير ذلك.. الحقيقة أن 23% من التونسيين لم يقرأوا في حياتهم كتابا. و الحقيقة أن نسبة الأمية لاتزال مرتفعة، و الحقيقة أيضا ان تونس ليست فرانكوفونية برغم كل ما ذهبنا فيه من فرنسة.
بين عتمة الاعلام و تعتيمه، جاءت العريضة بعيدا عن عدسات الكاميرا، بعيدا عن المعارضين، بعيدا عن من يكشف للناس حقيقتها، فقدمت خطابا كان أيضا سببا رئيسيا في نجاحها.

الخطاب :
من الممتع أن أتخيل عم حمد، الرجل الطيب في حومتنا، و أمامه الهاشمي الحامدي و حمّة الهمامي يحاولان اقناعه ببرنامجيهما و تصوراتهما للمستقبل. عم حمد ليس أميّا و لا جاهلا، بل يملك السيزيام، و يطالع ما أمكن له أن يطالع. أتخيل أمامه حمّة الهمامي الذي سمع أنه شيوعي (لم يصل به الحد الى قراءة رأس المال و لا عن المادية الجدلية)، يحدثه عن المسار الثوري، و صندوق النقد الدولي و النضال التقدمي، صراع الطبقات، و جمهورية البروليتاريا و الكادحين (و هو كادح جدا بالمناسبة)، ثم أتخيل الهاشمي الحامدي يخاطبه بلهجته البوزيدية و كلامه الشعبي، فيختصر له المسافة و يقول له الصحة بلاش، و النقل بلاش للكبار، و نزيدو في تسكرة الطيارة و غيرها كيف ما تعمل تونيزيانا، الخ الخ... اي خطاب منها سيقنعه؟ طبعا الثاني، على الاقل، هو لن يذكر شيئا من خطاب الاول سوى انه خطاب شيوعي (ملحد و هي فكرة تظل في باطن الشخص و قد تطفو احيانا).
قد يكون لعم حمد بعض التحفظات بشأن الاشخاص المرشحين عن البديل الثوري في جهة بنزرت، لأنه يعرف بعضهم و يعرف شهرة مقاعدهم في حانات المدينة، (و هو ما يعتبر عيبا عند التونسيين ـ هم ـ مرة أخرى). لكن ماذا عن سليانة، و ماذا عن قفصة، و ماذا عن سيدي بوزيد؟؟؟ الم يكن كبار مناضلي اليسار مثلا يعولون كثيرا على هذه المناطق؟ اين رأينا حمّة يقود حملته الانتخابية؟ كيف لم يحط علما بشعبية العريضة في تلك المناطق؟ كيف لم ير علامات الاستغراب في وجوه القوم و هو يحدثهم حديثه الذي ساقه؟
التجمع قاد العريضة الى تلك المناطق، لكنه لم يشتر الاصوات ( على الاقل لا اخاله يملك ثمن كل هذه الاصوات) بل أقنعهم و انتصر على اليساريين مثلا الذي كانوا في الميدان نفسه و عادوا بمقاعد ثلاث مثيرة للشفقة.
للخطاب قيمته، الخطاب الذي يتوجه مباشرة الى الصحة و النقل و ضروريات الحياة التي يحلم بها المواطن التونسي، بدون مواربة و لا تخف وراء لغة ايديولوجية غير مألوفة للأذن التونسية. قد يقول المرء ان خطاب الهاشمي الشعبوي هو في نهاية الأمر ضرب من التحيل، بل هو الاحتيال بعينه، و هو أمر لا يتجادل فيه اثنان، لكن الخطاب الشعبي لا يتناقض مبدئيا مع الواقعية و تقديم البرامج الدسمة. قد لا يفهم عم حمد مصطلح العدالة الاجتماعية، لكنه يفهم نتائجها : الصحة في متناول الجميع، ليس مجانا و ليس غدا، لأن ذلك غير ممكن، و لكن يجب توفير المال للدولة أولا، و لتوفير المال للدولة، يجب ان نقضيَ على السرقات، و يجب أن نتخلص من الديون. و كي نقضي على السرقة، يجب أن نحاسب السارقين، و كي نحاسبهم يجب أن نوفر قضاة شرفاء. اذا يجب أن نبدأ من القضاء، الخ..
التونسي ليس غبيا، حتى و ان لم يقرأ كتابا في حياته، فهو حتما ليس غبيا و هو حتما يمكنه ان يستمع اليك، و يفهمك، لو قدمت له خطابا قابلا للفهم، لو قدمت له برنامجا بلغته التي يفهم. بل ربما تكون اللغة عاملا في استمالة التونسي و الظفر بمودته، في ظل احساسه بالعزلة و الاختناق و التهميش من قبلـ"نا" نحن، "المتحضرون" أصحاب اللغة الراقية، او اللغة "التقدمية" او "الحداثية" أو "الاسلامية"..
لقد عبر إبراهيم القصاص عن ذلك أحسن تعبير حينما هاتف الهاشمي الحامدي على قناته، و أكد له أنه يعمل جاهدا من اجل اقناع قبلي بالتصويت للهاشمي، لا حبا فيه، بل نكاية و شماتة في الاحزاب الاخرى التي تنزل ضيفة على القنوات التلفزية، فتقذف مشاهديها بما شاء لها ان تقذف من بغائها الخطابيّ و تعاليه، فلا هو يفهم شيئا و لا عائلته تفهم شيئا، سوى أنهم غرباء تماما عن وطنهم كمعظم اهاليهم.


قداش تتحملي يا مباركة -- جمهورية قبلي المستقلة -- from ibrahim chedli on Vimeo.


ان ما حدث في الواقع، هو مجموعة من الظروف البريئة و غير البريئة التي اجتهدت و تعاونت، لا كي تكسر عرس الانتخابات، بل كي تعرّي حقيقة فاتت كثيرين منا. تونس كانت لنحو 20% من سكانها، بينما يعيش الاخرون في ظلنا. تونس ليست ساحلا سعيدا و داخلا منكوبا، بل ان التعساء بيننا، يعيشون في ظلنا، قد تقابل بعضه في طريق عملك، فلا تتساءل البتة أية حياة تراه يحياها، و اية لغة تراه يتحدث بها، و اي فكر يعتمل في نفسه، و اية آمال بسيطة تجول في خاطره.. ان ما حدث هو أن الهاشمي الحامدي كشف لنا ـ في لوثة ركضه وراء السلطة ـ عن وطن نغتصبه من أصحابه باسم "مباركة"...




Translate