Saturday, August 20, 2011

قراءة بسيطة في أحزاب اليوم ـ "حدت"

و يسمى أيضا حزب نجيب الشابي، و أعتقد أن التعرف على الحزب يمرّ عبر التعرف على هذا الرجل تحديدا.
في الواقع لا يمكن سرد كل تجربته السياسية هنا، و لكن اختصارا، برز اسم أحمد نجيب الشابي منذ الستينات كعضو في منظمة أفاق الاشتراكية قبل أن يتعرض هو رفاقه الى جملة من الاحكام بالسجن و الاقامات الجبرية خرج منها سنة 83 بتأسيس التجمع الاشتراكي التقدمي مع "الانفتاح" الرسمي على التعددية الحزبية، أترك لكم حرية استنتاج توجهاته من خلال ما صرح به الشابي أنذاك في ندوته الصحفية : ‫
" وينهض مبدؤنا الاشتراكي على ‫أساس ملكية المنتجين أنفسهم لوسائل الإنتاج الكبرى، ووجوب تسييرهم لها،‬ ‫وأن حركتنا تنتسب إلى الفكر الاشتراكي العمالي العالمي، ولهذا فهي ترى، أن ‫الطبقة العاملة مدعوة إلى أن تلعب الدور القيادي في عملية التحول هذه من‬ ‫الرأسمالية إلـى الاشتراكية، الذي ننشده .. ولذلك فإننا نعمل على إقامة نظام ‫اشتراكي قوامه الديمقراطية.” ‬
و رغم التطور الحاصل في بعض مواقف الشابي التي كانت أكثر راديكالية في ما مضى، فإنه حافظ نقاط مشتركة مع قوى اليسار، مبينا معاداته لقوى الامبريالية "أمريكا و الكيان الصهيوني" و مطالبته بشراكة اكثر فاعلية مع الاتحاد السوفياتي.
كما ظهرت حينئذ جريدة الموقف، التي كانت فيما بعد خير معوّض لصحيفة الرأي الشهيرة، و كانت بشكل ما صداعا لأجهزة الدولة التي حاولت قمعها أكثر من مرة فيما بعد..
لكن لنعد إلى الخط "التقدمي" الذي سار عليه نجيب الشابي، فبعد محاكمته سنة 87 كأغلب قوى المعارضة، صادق بعد استلام بن علي السلطة، على الميثاق الوطني شأنه شأن بقية الاحزاب (باستثناء حمة الهمامي حينئذ) و أبدى تجاوبا مع النظام الجديد ـ القديم، ربما أكثر من غيره من القوى السياسية آنذاك، و كان أن أُرسل أحمد نجيب الشابي مبعوثا شخصيا من بن عليّ الى الخليج لتبيين موقف الدولة من حرب الخليج. و هو ما يوحي بضرب من التماهي بين موقف الحزب و موقف الدولة. و لكن الغزل لم يستمرّ، خصوصا حينما أدرك الشابي أن التجمع الدستوري لا ينوي تشريك اي حزب اخر في الحكم، و بعد سكوته على تزوير انتخابات 89 و سكوته على عمليات قمعية قام بها النظام في تلك الفترة، اعلن الحزب عن تخليه عن مساندة النظام سنة 91 حينما بدأت محاكمة الاسلاميين...
و بغض النظر عن الدوافع وراء هذا التغير ـ ان كان بالفعل ادراكا متأخرا جدا لحقيقة النظام، أو خيبة امل في نظام امطره وعودا ـ فإن مقاومة الحزب طيلة فترة بن علي كانت واضحة و لا يمكن نكرانها، و كحزب معترف بوجوده كان الطرف الاقسى على النظام، و كانت صحيفة الموقف تمثل نورا خافتا وسط ظلمة الاعلام التونسي طيلة السنوات الثلاث و العشرين التجمعية.
لكن لنعد إلى مسيرة الحزب، فقد تركناه ذا نزعة اشتراكية واضحة معادية للامبريالية الامريكية، و تنتصر للقيم الشيوعية، لكن ذلك بدأ يتلاشى مع مرور السنوات، خصوصا مع انضمام العديد من المناضلين من تيارات ايديولوجية اخرى الى الحزب، و بدا أن خط مقاومة الدكتاتورية أكثر أهمية من الخط الاشتراكي.. لقد تحدثت تقارير كثيرة عن التقارب بين الحزب الاشتراكي التقدمي (الذي تخلى في مؤتمر 2001 عن تسمية اشتراكي، و أصبح الحزب الديمقراطية التقدمي ـ حدت) و الادارة الامريكية. و لكن ما قد يسترعي الانتباه، هو خيارات الشابي في تلك الفترة، فبعد دورتين متتاليتين على رأس الحزب، تخلى “طواعية” عن رئاسة الحزب (ربما كان بمقدوره المواصلة دون معارضة من أحد) تكريسا للمبدأ الذي يناضل من أجله، و تولت مية الجريبة الامانة العامة منذ ذلك التاريخ الى اليوم، و لكن ظل الرجل هو المرشح الوحيد للحزب في رئاسيتي 2004 و 2009 و ان قوبل بقمع السلطات.. لقد تغيرت افكار الحزب تدريجيا لتقترب أكثر من الافكار الراسمالية و الليبرالية، و بدا أن همه الاول ليس الاطاحة بالنظام كما كانت الاحزاب الممنوعة حينئذ كالنهضة و قوى اليسار الراديكالي و بعض التيارات القومية، بل ايجاد مكان وسط النظام لتغييره من الداخل و كأنه بذلك يقدم تخيّلا جديدا لمصطلح التقدمية، مخالفا للمعنى اليساريّ المألوف...
و أعتقد أن ذلك كان يفسر إلى حد ما القبول الحذر لخطاب بن علي في 13 جانفي، فقد اعتبرها فرصة جيدة جدا للمشاركة الفعلية في الحكومة بعد طول انتظار، و قد كانت تلك أول قراءة خاطئة للاحداث منذ بداية الانتفاضة. و قد تتالت القراءات الخاطئة...
ـ انضم الشابي إلى حكومة الغنوشي المثخنة بالتجمعيين من رفاق بن علي في حركة تعكس مدى وعي الحزب بمتطلبات الثورة... ـ تواصل بقاء الشابي في الحكومة رغم المطالب الشعبية آنذاك التي كانت تطالب بتغييرات جذرية، و الغالب انه اعتبرها مطالب حزبية من اولئك الذين تحالف معهم في الماضي و لم تسعفهم وضعيتهم القانونية اليوم في التواجد في صلب الحكومة (العمال، المؤتمر، النهضة) ـ ظهور الشابي المتكرر في القنوات التلفزية كممثل عن الحكومة، في وقت أكد فيه انه اختار وزارة الشؤون الجهوية لأنه "رجل ميدان" .. لم يزر الا منطقة واحدة حينئذ.. ـ بعد اعلان السبسي ان اعضاء الحكومة لا يمكنهم الترشح للمجلس التأسيسي، استقال الشابي من الوزارة، في خطوة أكدت سعي الشابي الحثيث وراء أي منصب قيادي كان. ـ انتقل الشابي بعد ذلك إلى مساندة الحكومة بطريقة غريبة، و الى المساهمة في خلق تصادم تونس بين مؤيدي حركة النهضة و معارضيها، في وقت لم يتم فيه التخلص بعد من الخصم الذي تحالف بسببه مع الحركة الاسلامية في الماضي.
ـ دعا الحزب الى تهدئة الاجواء و الى معاداة النهضة باعتبارها العائق الوحيد امام التحول الديمقراطي، و الى مساندة الحكومة، و الى انهاء كل اضراب يحدث. في المقابل تجاهل الامور التالية:
+ ملف القناصة
+ ملف الهاربين
+ ملف الداخلية
+ ملف ضحايا الانتفاضة
ـ قدم الحزب برنامجه مبكرا و قدم خلاله اهدافا مهمة دون أن يقدم السبل و الحلول لاغلبها (ضمان استقلالية السلط) ـ توازيا مع البرنامج الانتخابي بدأ الحزب حملة دعائية منذ شهر افريل تقريبا، مخالفا بذلك القانون الذي يقر ببدء الحملة قبل 3 اسابيع من الانتخابات. ـ في الوقت نفسه، تعرض الحزب بالنقد الشديد للبرنامج الذي قدمه عبد الفتاح مورو في رمضان على حنبعل في وقت كانت نسمة تبث اعلانه. ـ شهد الحزب أوسع حركة استقالة جماعية في صفوفه خلال ماي و جوان، و السبب الرئيسي كما يبدو التفرد بالرأي و اقتصار القرارات على بعض الاعضاء من المكتب السياسي، و هو ما رد عليه الحزب بتوسيع نطاق المكتب السياسي، و بعض التغيير في هيكلة الحزب.. ـ من خلال محادثتي لاحد شباب الحزب، فإن هناك انعدام تواصل بين المكتب السياسي الذي كثيرا ما يتلقى معلومات مغلوطة تماما و بين اعضائه الناشطين الذين يبلّغون احيانا المعلومة متأخرا، او لا يبلغونها اطلاقا مما ينعكس على بيانات الحزب و مواقفه..
ـ كثر الحديث عن عمليات استقطاب الحزب للكوادر التجمعية، و أيضا للمواطنين عن طريق الوعود او الحشد الرخيص وقت المؤتمرات، و لا نملك في الواقع دلائل قطعية على وجود هذه الممارسات، و لكن اغلب الظن أنها بالفعل موجودة من خلال تأكيدات اطراف عديدة لا يجمع بينها شيء، و فيهم من المستقلين كثيرون..
لا أعرف ان كنت قد ألممت بكل ما يمكن ذكره في خصوص الحدت، لي مقال بشأن برنامج الحزب، و لكن استنتاجي الشخصي، ان الشابي فهم "التقدمية" بالغالط، و بعد ان تدرج من اليسار الراديكالي الى يسار اقرب لليبرالية، تحول من محارب للديكتاتورية الى باحث عن السلطة بشتى السبل. يفهم الشابي الديمقراطية على انها تنافس بين "عدة" تيارات سياسية على السلطة، من يفوز بالسلطة؟ في حين أن المجلس التأسيسي يتطلب تعاون التيارات جميعا من اجل بناء مقومات دولة يمكن ان يستقيم فيها التنافس. رغم كل ذلك يتواجد "حدت" في مقدمة استطلاعات الرأي بعد حركة النهضة، ربما بسبب ماضيه النضالي، و ربما ايضا بمساعدة تجمعية تعلم جيدا طرق الوصول الى مناطق لا تملك ترف تحليل المشهد السياسي.. ربما ينجح الحزب التقدمي في تحصيل نسبة لا بأس بها من الاصوت، لكنني متأكد أن صوتي لن يكون من بينها.
الصورة مفبركة، و هي رمزية و ليست توثيقية

Friday, July 29, 2011

قراءة بسيطة في أحزاب اليوم ـ النهضة



سأدخل مباشرة في الموضوع، قراءتي، كمتابع بسيط لا أختص في الجيوبوليتيكا و لا في الصحافة السياسية، لخارطة الاحزاب في تونس. و لأن حركة النهضة باتت تمثل مشكلا ضخما، و لغزا كبيرا، فقد آثرت أن أقدم قراءتي بشأن هذه الظاهرة منذ البداية. و أعتذر عن طول المقال.
تمثل حركة النهضة المشكلة الرئيسية في المشهد السياسي التونسي، أو لنقل هناك من يريدها كذلك. معطيات كثيرة يجب أن نستحضرها حتى نقيّم بشكل دقيق ـ أو على قدر لا بأس به من الدقة ـ وضعية هذه الحركة حاليا. لذلك سأحاول الاختصار قدر الامكان، و قد أضع بعد ذلك تباعا استطرادا أطول لكل معطى من المعطيات.

+ منذ بداية النهضة العربية سنة 1801 كما اعتبرها توفيق الحكيم (افاق العرب على صوت مدافع نابوليون)، و العرب يبحثون عن طريق او اتجاه يخطون خطواتهم فيه. فقامت أساسا فكرتان.
1 ـ التغريبية التي تعتبر أن الحل الأمثل للنهوض بالامة، هي اتباع الغرب تماما في كل ما يفعل، فما دام قد تقدم و تطور منتهجا هذا النهج، فهو حتما النهج الصحيح.
2 ـ الأصولية التي تعتبر أن الحضارة العربية الاسلامية قدمت كل مقومات النهوض بالامة، و ان اتباع خطوات المسلمين الاوائل بحذافيرها هي الوسيلة للتطور و التقدم.

بعد ذلك بدأت تظهر حركات توازن بين هذا و ذلك، و إن مال بعضها الى هذا الجانب دون ذلك و العكس. اذا حركة النهضة تقوم على فكرة غير محدثة و لا جديدة و لا مبتكرة، بل هي طبيعية جدا، توجد في كل المجتمعات العربية. و لئن قامت مستندة الى الفكر الاخوانيّ، فهناك من يعتبرها امتدادا للحركة اليوسفية (الاكثر التصاقا بالواقع التونسي).
+ حركة النهضة تعتمد اساسا عن افكار حسن البنا، و سيد قطب و غيرهم من الاخوانيين المصريين, و أيضا من الفكر الزيتوني، و هو (الزيتوني) فكر مشهود له بالاتزان و الاعتدال. و من الطبيعي على كل حركة اصولية ان تسعى إلى تأصيل كل الافكار المعاصرة و ايجاد اصول حضارية لها في وسطها. اذا من الطبيعي أيضا أن تسعى الى استعادة فكرة الخلافة و لو على منظور بعيد جدا، على أساس انه كان رمزا للحضارة الشرقية. و هو لا يعني طبعا استعادة مؤسسة الخلافة بموبقاتها، و لكن لها رمزية لا تخفى على احد. قراءة الواقع التونسي اليوم، تثبت أن المجتمع بعيد جدا عن هذه الافكار، لاسباب كثيرة منها المتغيرات العالمية، و تكوين الاجيال الجديدة، الخ.. اذا تبحث حركة النهضة على المدى المتوسط او البعيد، الى اعادة ترسيخ فكرة الانتماء و الانطلاق من الهوية. سلاحها في ذلك ـ لا ازدواجية الخطاب كما يقرؤها كثيرون ـ و انما التعرف على افكار جديدة حول العالم، من التجربة التركية الى الماليزية، إلى الكتابات الاسلامية الحديثة.
لا تسعى النهضة اذا الى فرض افكارها على الاخرين، و انما الى تأصيل الافكار المعاصرة (الديمقراطية، حقوق المرأة، حرية المعتقد، نبذ العنف، الخ) و الى اعادة الاعتبار الى مقومات الهوية التونسية و الى المنظومة الاخلاقية.

ـ هنا تبرز مشاكل حركة النهضة، فعلى المستوى العمليّ، لم تستوعب حركة النهضة بعد ان المنظومة الاخلاقية قد تغيرت في تونس بفعل الفاعلين. و أن أفكار النهضة باتت في معظمها دخيلة على المجتمع و ان مؤشر الاعتدال قد مال الى اليسار قليلا بالفعل. و هي بسبب ذلك تظل محافظة على الصورة المتزمتة التي قد ينفر منها التونسيون.

ـ ان عملية تغيير المجتمعات لم تكن يوما وظيفة السلطة التنفيذية، و هو أمر لم تستوعبه النهضة اطلاقا. فهي تعتبر أن الحكم هو الوسيلة الوحيدة للـ"نهوض" بالمجتمع و هو أمر سيربط بين "وجوب النهوض بالامة" الطويلة الامد، و بين الامساك بالسلطة التنفيذية القصيرة الامد. و هو ما يفتح بابا للدكتاتورية. على النهضة ان تدرك أنها لن تحكم وحدها و أن المجتمع تعددي فعلا، و انها لذلك لن تفعل اكثر من التأثير و الشد الى اليمين قدر المستطاع. و ان من يريد أن يغير مجتمعا، فهناك أسلحة أقوى من الحكم كثيرا.

ـ اولى الاسلحة هي الفن، و الفن البديل ليس غائبا عن الحركة، لكنه فقير، معدم، لا جديد فيه. إن اي حركة ثورية تريد التغيير تنطلق أساسا من افكار نظرية متينة، تشد أنظار الفنانين و الادباء، فيدعمونها و يثرونها و يجعلونها بفنهم خبزا يوميا للعامة، حتى تطغى تلك الافكار على العقليات و يصبح التغيير نابعا من الشعب لا من منبع الحركة الثورية. كذلك انطلقت الثورات الغربية، و كذلك انطلقت الثورة البلشيفية، و لذلك أيضا ستعدم حركة النهضة من أية نتيجة حقيقية. فالتنظير الذي انطلقت منه الحركة، مجرد افكار و ان كانت قيمة، ليس شاملا، و في الواقع لا يمكن لأستاذ فلسفة مع احترامي الشديد، ان يقدم دراسة معمقة للواقع الاجتماعي و الاقتصادي، و النفسيّ و لا يمكن أن يقدم قراءة تاريخية حقيقية كتلك التي قدمها كارل ماركس منذ قرنين. لم يستوعب علماء الدين و من بعدهم الاصوليون ـ الا قلة قليلة منهم كمالك بن نبي ـ أن العصور تغيرت، و ان العلوم الانسانية كالتاريخ و علم النفس و الاجتماع و الاحصاء الخ، ليست مجرد علوم تعتمد للمعرفة فحسب، بل هي علوم تعتمد للبناء، و للاستشراف.
و لأن التنظير كان سيئا، فإن تأثيره كان ضعيفا، و حتى من آمنوا بافكار الحركة، لم يرسخوها بالفن. و هو ما جعل الاصوليين يكتفون بالاحتجاج على الافكار الفنية المعادية (فيلم نادية الفاني، النوري بوزيد..) و في أحسن الاحوال، قدموا فنا مساندا على درجة من الفقر و الضحالة أضر بالحركة أكثر من أن افادها (سايكو أم) قبل أن يتوجهوا الى الاستيراد (سامي يوسف، مسعود كورتيس)..
ـ الأكثر تعاسة أن يتجلى هذا الفقر الفني و الفكري في أعضاء الحركة أنفسهم، فمعظم أعضاء الحركة ـ على مستوى القاعدة الشعبيةـ ينتمون الى النهضة على اساس أنها حركة اسلامية و السلام، لا يعنيهم في ذلك افكارها و اتجاهها و قراءتها للدين و الواقع و التاريخ. و في الواقع لم تهتم الحركة بتأطير ابنائها ـ على كثرتهم ـ التأطير الفكري المناسب، و هو ما أحدث فوضى ضخمة على مستوى اتخاذ القرارات الفردية و الطائشة التي تحسب على النهضة حتما. و في الواقع لا يمكن لوم هؤلاء حينما نسمع مثل هذه الشطحات عن بعض القيادات التاريخية كمنصف بن سالم، و حتى راشد الغنوشي نفسه. و ربما كان لزاما على القيادات الفتية الحقيقية في النهضة (الوريمي، ديلو، البحيري، الخ) أن تتدخل لمنع تراكم مثل هذه الشطحات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ـ كل ذلك يجعلني أستنتج أن النهضة كحركة تحاول أن تقدم فكرا جديدا، بعيدة جدا على التغيير الحقيقي. و أن عليها أن تتطور قبل ذلك. هذا لا يمنع عنها الحق في الدفاع عن افكارها بشراسة، و هو ما تقابل به برفض قطعيّ و ممانعة من قوة معادية سأتحدث عنها لاحقا.
يقول واقع ما بعد الثورة، أن النهضة تريد الحكم فعلا، أو على الاقل تريد أن تكون طرفا فاعلا في الحياة السياسية و في اتخاذ القرار، و هي تواجه بمقاومة شديدة من قبل قوى بعضها يتشدق بقيم التسامح (tolérance) و قبول الآخر، و هو يسقط في أول امتحان جدي في ذلك.
كما أن المقاومة تأتي من طرف ثان يحاول تقسيم البلاد الى شقين، و يحاول ايهامنا ان المشكلة الرئيسية اليوم هي الاسلاميون، و هو للاسف ما وقع في فخه كثيرون. لكن، لحسن الحظ، هناك قلة ممن يقرؤون التاريخ و يحسنون الاستفادة من تجاربهم المريرة، فحمّة الهمامي زعيم حزب العمال، يحاول عبثا التنبيه الى ان الصراع لا يتعلق بمن مع الاسلاميين و من ضدهم، بل ان الصراع هو بين القوى الديمقراطية و بين من لا يريد الديمقراطية. و كلنا نعرف أن من لا يريد الديمقراطية لا يقصي أحدا.
لذلك فكل تصرفات حركة النهضة تعكس تخوفها الشديد من اقصائها. حركة النهضة تخشى أن تجد نفسها اقلية معدومة في المجلس التأسيسي، فتتكالب عليها القوى المعادية لها، فتعلن دستورا لائكيا و تمنع الاحزاب ذات المرجعية الاسلامية تماما. هذا الخوف له ما يبرره، و هي لذلك تعتبر أن أولويتها المطلقة هي الفوز في الانتخابات. لذلك تسبّق التعبئة الضخمة على التكوين الجيد. و لذلك جاءت قرارات النهضة متوازية جدا مع المسار الثوري. في الواقع كانت سياستها معادية للقوى المضادة للثورة لا أكثر، و مادامت معادية لأعداء الثورة، فهي اذا متوازية مع المسار الثوريّ. و لذلك أيضا حاولت أن تنقذ ما يمكن انقاذه من خلال القصبة 3، لكنها حينما احست ان كل ثقل التضحية ستحمله وحدها تراجعت. ما يهم النهضة ليس الثورة نفسها، بل أن يكون تمثيلها قويــا، و في سبيل ذلك عليها ان تحارب قوى البوليس، و قوى الحكومة و من وراءها، و قوى الاقصاء، لذلك هي مجبرة على اتباع المسار الثوريّ. كما أنها للسبب ذاته، تحاول كسب كل أطراف الضغط الممكنة، الولايات المتحدة، اموال الخليج، بعض القوى السياسية التونسية (العمال من اليسار الشيوعية مثلا)، و حتى التجمعيين الذين يتواجد منهم كثيرون في الحزب اليوم، حاملة شعار : شخص سيء، هو في الواقع صوت اضافي!
قراءة أخرى يقدمها الصحفيّ الصافي سعيد، تتمثل في دور الولايات المتحدة و الخليج العربي في دعم الحركة. و هي قراءة تنتطلق من ملاحظة الاحداث الحاصلة في العالم العربي ككل. يعتبر الصافي سعيد أن الولايات المتحدة تحاول انتهاج فكرة المصالحة مع التيارات الاسلامية المعتدلة ـ الاخوان في مقابل الجهاديين ـ و تمكينهم من الحكم على اراضيهم و حصرهم هناك حتى يحتووا الحركات المتطرفة من خلال الايديولوجيا نفسها (الاسلامية). و هي في ذلك تحاول نسخ المثال التركي ـ حيث يحكم الاسلاميون بحماية عسكرية للقيم الجمهورية بدعم من دول الخليج التي قد تستفيد كثيرا من ذلك بانتقال واجهة الاستثمار من أوروبا إلى دول الخليج. تدعم إذا دول الخليج خصوصا حركة النهضة من اجل هذه الاسباب. و هي أسباب لا تعجب كثيرا المتفرنسين مثلا الذين سيعتبرون الحرب ايديولوجية اكثر منها اقتصادية.
من يعادي المسار الثوريّ ظنا ان النهضة وراءه هو شخص أخطأ قراءة الاحداث تماما. من الطبيعي أن تحاول النهضة التأثير على المسار من اجل انجاح مصالحها، و الطبيعي ان يدعم المرء هذا المسار مسلطا الضغط حتى يدعم ذلك مسار الثورة وحدها لا غيرها. أما أن نترك الثورة و نكتف أيدينا فقط لأن النهضة هناك، فهذا هو مرض الحقد بعينه.

أما بخصوص الانتخابات، فأعتقد أن وجود النهضة في المجلس التأسيسي أمر ضروري جدا لاحداث التوازن المناسب في المجلس، فالنهضة تعكس آراء شريحة ضخمة من الشارع التونسي، فضلا انها تمثل جبهة مقاومة التفرنس و الانسلاخ.
لكن لا يجب أن تتمكن النهضة من غالبية الأصوات. لأنه في ظل افتقار الحركة كما ذكرت الى متائن فكرية و فنية، فإن الانزلاق نحو الدكتاتورية سهل جدا، حتى و لو لم تشأ الحركة نفسها.


Sunday, June 26, 2011

سندرلا ـ القصة الحقيقية



مرحبا،

طبعا أغلبكم قرأ قصّة سندرلا، أو شاهد فيلم ديزني الكرتونيّ، أو سمعها في برنامج من قبيل "كان يا مكان".. في الواقع، سندرلا لها جذور عميقة في التراث الانساني، و كلّما توغلنا في الزمان و المكان وجدنا دوما دليلا أنّها "مرّت من هنا"..

لكنّني هذه المرّة أقدّم سندرلا جديدة، أقرب لتونسيّ هذا العصر.. ربما هي سندرلا الحقيقية، أنا أزعم ذلك على الأقل.. و لكم أن تصدّقوا أو لا تفعلوا..

هذا مقطع من القصّة :

و لانها امرأة، و لأن المرأة مقاومة بطبعها، فقد انتقلت في نضالها إلى جبهة البنات. و خمّنت أن ابنتيها بذكائهما سيلفتان نظر والدهما و يشغلانه عن سندرلا. و خمّنت أن الله و إن حرمها من جمال المرحومة، فسيتنزّل عدلُه على البنات. و في الواقع لم يخيّب الله رجاء المرأة، لكن ذلك لم يكف ليلتفت الرجل الكئيبُ إلى ذكاء ابنتيه أو لظرفهما. إن الرجلَ مصدوم. و الواقع أن دراسات فرويد و يونغ المعمّقة في علم النفس لم تبلغ المملكة بعد. هنا لا طبَّ غير الساحرات، و لا علاج غير العصا السحرية. و هنّ يأتين متى يحلو لهنّ، لا متى نحتاج إليهنّ. و في الواقع، لم يدرك أحد أية حالة نفسية كان الأب عليها. لذلك تواصل الرجل في ضلاله و شروده. و تعاظم سخط "زينة" على سندرلا و جمال أمها، مع كل يوم تزداد فيه الطفلةُ شبها بتلك الصورة المعلّقة ـ قسراـ في حجرة نومها. 
و للقصّة بقية.. 
Iori Yagami
26 حزيران 2011


Translate