Sunday, October 11, 2015

برتقالةٌ مُمَكْنَنَةٌ... مثل آلكس

يبدو أن العالم العربيّ في عجزه عن الفصل بين الفنّيّ و الأخلاقيّ، بين الاستيتيقا و الإيتيقا، ليس متفرّدا، و لا يختلف عن العالم الغربيّ إلا في حجم هذا العجز و مدى تأثيره على غربال النقد الفنّيّ. و من المؤكد أن العالم الغربيّ قطع أشواطا منذ قرون عديدة في هذا المجال، إلا أنّ ردود الفعل الشعبية تجاه بعض الأعمال الفنية كثيرا ما تثبت أن الطريق لا يزال طويلا، و أنّ سوء الفهم النابع عن قراءة أخلاقوية للفنّ لا يزال ممارسة كثيفة هناك.

لقد كان هجوم الناقد السينمائيّ الشهير روجر ايبرت على فيلم المخرج الأمريكيّ ستانلي كيوبرك (برتقالةٌ مُمَكْنَنَةٌ) أحد الأمثلة الشهيرة لسوء الفهم المذكور، كما هاجم الصحفيٌّ بنيويورك تايمز "فريد هيشنغر" الفيلم معتبرا إياه احتفاءً بالفاشيّة، حتّى إن كيوبرك المعروف بصمته فيما يتعلّق بأعماله السينمائية لم يجد مناصا من الإجابة. و ربما لم يتحدّث كيوبرك عن عمل من أعماله بقدر حديثه عن هذا الفيلم، كما لم يحدث لفيلم من أفلامه (و جميعا مثير للجدل) أن حظي بالجدل و اللغط الذي أثاره "برتقالة ممكننة". فقد تلقى المخرج رسائل تهديد بالقتل بعد عرض الفيلم، ما اضطرّه لمنع عرض الفيلم في بريطانيا (حيث كان يعيش آنذاك) و ذلك حتى وفاته، و هو ما حدث بالفعل، فأعيد عرض الفيلم في بريطانيا سنة 2000 بعد وفاة المخرج الأمريكيّ بسنة واحدة.


يقول ايبرت في بداية مراجعته التي كتبها سنة 1972 : برتقالةٌ ممكننةٌ هي مجرّد تهافت إيديولوجيّ، أو فانتازيا هوسيّة يمينيّة مجنونة تتخفّى وراء قناع التحذير الأورويليّ (نسبة إلى جورج أورويل و كتابه 1984). فهل كان محقّا في ذلك؟ و إن كان الأمر صحيحا، هل يمكن الحكم على عمل فنّيّ بالسوء أو الجودة انطلاقا من مواقفنا الأخلاقية منه؟


أخرج ستانلي كيوبرك فيلم برتقالة ممكننة (A Clockwork Orange) سنة 1971 حيث عرض في نيويورك لأول مرة، قبل أن يعرض في لندن بشهر، و ذلك سنة 1972. و هو أول فيلم ينجزه بعد تحفته الخالدة عن أوديسا الفضاء سنة 1968. و هو أيضا أكثر أعمال هذا المخرج إخلاصا للكتاب الأصليّ الذي اعتمد عليه. حيث اشتهر كيوبرك بعلاقته المتوتّرة مع الكتّاب الذين أخرج لهم أو تعامل معهم (آرثر كلارك في أوديسا الفضاء 2001، بيتر جورج في الدكتور سترانجلوف، و نابوكوف في فيلم لوليتا). و لذلك كان الكاتب البريطانيّ أنطوني بورجس Anthony Burgess متخوّفا من عرض كيوبرك لإخراج روايته. لكنّه في النهاية كان راضيا، رغم أن الفيلم لم يلتزم تمام الالتزام بالرواية، و كانت لكيوبرك بصمته الخاصة التي ربما جعلت الفيلم و في مرة من المرات النادرة جدا، أكثر ثقلا من الرواية الأصلية…


و لمن لا يعرف الفيلم و لا الرواية، يمكن اختزالها في ما يلي : آلكس مراهق مجرم منحرف يتلقّى علاجا خاصّا لإرغامه على نبذ العنف و الإجرام. و هو اختزال يذهب بالكثير من جمال الرواية القائم أساسا على لغة nadsat التي ابتكرها الكاتب و آلاف التفاصيل التي عبق بها الفيلم ليتجاوز بها فكرة الرواية الرئيسية. حيث حاول بورجس و من بعده كيوبرك أن يبرزا قيمة الاختيار كميزة بشريّة سامية، "البرّ هو ما يكون اختيارا. حين يعجز المرء عن الاختيار، لا يظلُّ إنسانا". لقد كان اختيار الكاتب لشخصية المجرم المفرط في العنف المجاني مهمّة لتبيين ذلك، لأن المسألة لو تعلّقت بشخص "طيّب" لن تثير جدلا بشأنها، لكن ماذا عن مجرم مفرط في عدوانيّته؟ أليس من الجميل ايقاف كل ذلك و إعادته إلى الجادّة و لو رغما عنه؟ أليس رومانسيّا هذا المشهد الذي يكون فيه الناس جميعا طيّبون و لو لم يشاؤوا ذلك؟ هنا تحديدا تكمن روعة الطرح، و هنا أيضا بدأت مشاكل كيوبرك مع منتقديه.
لقد قرّر كيوبرك أن الوسيلة الأفضل لتبيين هذه الفكرة، هي التركيز على الجانب "الشيطانيّ" في شخصيّة آلكس، و إرغام المشاهد على متابعة جرائمه المجانية : اعتدى و رفاقه على مشرّد عجوز، ثم اقتحم منزل كاتب ليتسلّى بضربه و اغتصاب زوجته أمامه، ثم اعتدى على رفيقيه، ثم اقتحم منزل امرأة و قتلها بتمثال اباحيّ. من الطبيعيّ على أيّ مشاهد "سويّ" أن يوافق على اعتبار آلكس شخصا خطيرا يجب إيقافه. هنا تبرز الفكرة التي يعدّها لنا الرجلان : إن الإيقاف لن يغيّر من الأمر شيئا (هذه الفكرة تظهر خصوصا في الرواية حيث يقتل آلكس أحد المساجين) و سيظلّ محافظا على طبيعته العدوانيّ، فماذا لو استعملنا تقنية حديثة تجعل المرء غير قادر على ممارسة العنف، بل تجعله يشعر بالغثيان كلما فكّر في ذلك؟ ألا نعتبر بذلك قد حميناه و قدّمنا له العون؟
لم يتوقّف كيوبرك عند هذا الحدّ، بل إنّه عبر اعتماده على نصّ بورجس الرائع، تمكّن من رسم ملامح الشخصية الشرّيرة الأكثر جاذبية في تاريخ السينما. إن آلكس ليس مجرّد مراهق همجيّ، إنه شخصٌ ذكيّ و جذاب، يجيد فنّ اللباقة، و يقدّر الفنّ الأصيل حيث يمثّل عشقه لبيتهوفن و سنفونيّته التاسعة أحد أعمدة الفيلم، و هو بذلك قادر بسهولة على استمالة المشاهد إليه رغم ما يقترفه من جرائم، و يجعل من الحكم على ما حدث له معقّدا و حرجا، و يجعل أيضا من الفيلم مدعاة إلى سوء الفهم.
يجب التوقّف هنا عند آداء الممثل مالكُلم ماكدوول Malcolm McDowell، فهو لم يرشّح لجائزة الأوسكار عبثا رغم كلّ اللغط و السخط و الغضب. كان ماكدوول يبلغ سبعة و عشرين عاما حينما قدّم الدور، و الحقيقة أنه لم يبدُ مراهقا بقدر ما بدا شابّا صغير السنّ، لكنّه كان مستعدّا تماما الاستعداد لآداء أفضل دور في حياته كما صرّح بذلك بعد سنوات عديدة. كيوبرك نفسه صرّح أنه لو لم يجد ماكدوول، لما أنجز الفيلم. لقد كانت مساهمة ماكدوول و لهجته الانكليزيّة المناسبة تماما لمعجم nadsat (و هو خليط من الانكليزية و الروسية و لهجة الكوكني التي يستعملها المنحرفون في انكلترا) كبيرة في التأثير على اليافعين ممّن شاهدوا الفيلم و حاولوا تقليد جرائمه.
بتأثير من كل ذلك، حدث سوء الفهم المعتاد : هذا المخرج يحتفي بالعنف، يحتفي بالاغتصاب، يحتفي بالشرّ ملقيا باللوم على المجتمع. ما أسهل لوم المجتمع على كلّ الرّذائل التي نقترفها! فهل كان كيوبرك يفعل ذلك؟ لأجيب عن السؤال بشكل جيّد، يجب إعادة قراءة الفيلم عبر مختلف المواضيع التي تناولها، أو تسرّب إليها.


1 ـ السلطة و السياسة
قدّم كيوبرك رؤيتين مختلفتين للسلطة، تظهر الرؤية الأولى في علاقة آلكس بطل الفيلم برفاقه أفراد العصابة، حيث يتحدّى Dim و Pete سلطته و يطالبانه بالتشاور في أخذ القرار (ديمقراطية؟) بل تماديا و قرّرا في غفلة منه أنهما بحاجة إلى مال أكثر، و طالباه بالامتثال للأغلبية لأنها الطريقة الجديدة (النظام الجديد؟). كانت إجابة آلكس جذّابة جدا، و جديرة بإسمه (راجع قصّة الإسكندر المقدونيّ مع العقدة الغوردية). كان يفكّر دون توقف، ثمّ اهتدى إلى أن التفكير لا يجدي، و أنّ الحل الوحيد يكون بالاعتماد على حدسه، على فطرته التي تعرف ما ينبغي أن يفعل، هكذا و من دون مقدّمات هاجم آلكس رفيقيه و ألقاهما في الماء محدثا في يد أحدهما جرحا غائرا.
أما الرؤية الثانية، فتظهر من خلال شخصية وزير الداخلية و معارضيه بزعامة الكاتب الذي آوى آلكس. يمارس كلّ من الشقّين لعبته الناعمة من أجل الإطاحة بالآخر : يعتمد الأول على العلماء لتحقيق إنجاز يتغنّى به الرأي العام (تقنية لودوفيكو و تجربتها على آلكس)، و يدعم حظوظ حزبه في الانتخابات، و يحاول المعارضون ضربه بالاعتماد على المَكَنة الإعلامية التي تجيد التلاعب بالرأي العام، و ما كان من وزير الداخلية إلا عكس الهجوم و الاعتماد على نفس السلاح الإعلاميّ لضربهم مجددا في نهاية الفيلم.
يجب الانتباه إلى هذه المقاربة لأنها مهمّة جدا، و لأن المخرج تعمّدها منذ المشهد الأول، حيث تظهر لنا حانة كوروفا للألبان (Korova Milkbar) في شكل هرميّ في قمّتها آلكس و رفاقه، ثمّ نجد يمينا عصابة بيلي بوي Billy Boy النازيّ (بما أنها يمينيّة) و فرقة من الهيبيّين يسارا في إشارة واضحة إلى شقيّ السلطة التقليديّين. الحقيقة أنّ المشهد الأول حافل بالإشارات و غنيّ بالأفكار، لكنّ ما يهمّنا منه، هو الإشارة الواضحة إلى مسألة السلطة. إن آلكس و جماعته يمثّلون السلطة في شكلها العتيق، شكلها الأرستقراطيّ القائم على الغلبة، و القهر، و السيطرة. لا يوجد نفاق و لا توجد مراوغة، بل مواجهة حقيقية سلاحها العنف، و ضحيتها الخاسر. و بنفس الشكل، كانت مواجهة آلكس ضد رفاقه. يجب ملاحظة أمرين هنا : كافّة عصابة آلكس تحمل أسماء قياصرة روس، و لو عدنا إلى المرّات التي سبح خلالها آلكس في رغائب مخيّلته، لوجدناه في كلّ مرّة يعود رومانيّا مهوسا بالعنف و الجنس، إنها تلك الصّورة النيتشيّة "الرومانسية" لروما القويّة في مقابل تلك الصورة المريضة و المختلّة لسلطة الدول الحديثة : حكومة تنسج الحبال للمعارضة، معارضة تنسج الحبال للحكومة، مؤامرات، كذب، دسائس، نفاق، و الجرائم تأخذ طابعا أكثر جديّة. ففي صراع آلكس على السلطة، لم يصب أحد بسوء تقريبا، بل إنه أنقذ فتاة من الاغتصاب على يد عصابة بيلي بوي. أما في صراع وزير الداخلية مع المعارضة، كاد آلكس أن يلقى حتفه، عدا العذاب الجهنميّ الذي تعرّض له. كل ذلك يحدث من خلف لباس أنيق و ابتسامة وديعة، تلك هي الوحشية الناعمة للعصر الحديث!


2 ـ العائلة
لئن كان كيوبرك صريحا في إظهار مسؤولية السلطة في محنة آلكس، و السلطة بصفة عامة في ما آل إليه أمره، فإنّ موقفه من العائلة كان أقل وضوحا بكثير، لكنّ هذا التغافل هو ما يخدم فكرة كيوبرك بالأساس. لقد بدا والدا آلكس، أكثر أهل الأرض وداعة و مسالمة، تأتي أمّه صباحا لتطرق بابه و تعلمه بضرورة ذهابه إلى المدرسة، يعلمها أنه ذاهب مساء لأنه مريض، فتذهب للعمل و قد أرضت ضميرها. إن أي شخص يتوقّف قليلا عند هذا المشهد، يدرك حجم المسؤولية التي يلقيها كيوبرك في وجه الوالدين. غائبان تماما و قد أخذ العمل كلّ وقتيهما كما يقضي النظام الاقتصاديّ العالميّ، تاركين ولدا وحيدا في مواجهة العالم. في غياب الوالدين، يجد آلكس نفسه مع المرشد الاجتماعيّ المسؤول عن حالته، إنه أشبه بالمربّي الذي يذكّر آلكس بواجباته تجاه المدرسة و يحذّره من مغبة الانحراف بسلوكه، أو هذا ما يبدو للمشاهد العاديّ. أما ما يريد كيوبرك أن نراه، فهو بعض التفاصيل المهمة و المحيطة باللقاء : أمه سلّمت المفتاح للمرشد، المحادثة تمت في غرفة نوم الوالدين، آلكس كان شبه عار تقريبا، التصاق المرشد به و ضربه له على خصيتيه، تماثيل النساء من الخلف على شكل ديكور حانة كوروفا للألبان… كلّ ذلك يؤكّد استغلاله الجنسيّ في غياب الوالدين، إن آلكس لم ينشأ عدوانيّا، لقد تكيّف من المهد لذلك!
تخبرنا الصورة أن الوالدين يدفعان ثمن أفعال ابنهما، لكن الحقيقة عكس ذلك، و عندما يعود آلكس من معتقله الرهيب، يجد والديه قد تخلّصا من كل أغراضه لتسديد ديونه تجاه الضحايا، كأن معزّة ابنهما لا تستحق أن يضحّيا قليلا للاحتفاظ بشيء ما منه، وحشيتهما الناعمة، ذهبت بالأفعى في حادث اصطدام عفويّ، تماما كحادث الاصطدام الذي فسّر به آلكس قتله للسيدة التي تعيش مع القطط. و بنفس الوحشية، أخبراه عن استحالة استقباله عندهما، لأنهما لا يقدران على إخراج المستأجر الجديد الذي أخذ مكانه في البيت. قالا ذلك و سكبا الدموع كأنّهما الضحية. و هو ما لعب عليه كيوبرك : الظاهر و الباطن.
3 ـ الدين
هذا الباب هو الأكثر غموضا و إرباكا في الفيلم. لقد كتب أنطوني بورجس روايته بخلفية مسيحيّة واضحة. يكفي أن نعرف أن الرجل استلهم فكرة الرواية انطلاقا ممّا عاشه من أحداث أليمة إثر اعتداء عصابة من المنحرفين على زوجته في منزله تسبب في إجهاضها. لذلك نجد المشهد يتكرر تقريبا في الرواية، حيث يهاجم آلكس بيت كاتب (البيت الذي سماه بورجس عمدا Home) و يقطّع مسودّة روايته المعنونة "برتقالة ممكننة" و يعتدي بالفاحشة على زوجته أمامه. لقد تعامل الكاتب مع ما حصل له بأخلاق مسيحية واضحة تقضي بالعفو و مجابهة الكراهية بالحب و المغفرة، و عوض أن يهاجم الرجلُ آلكس في كتابه، اعتبره ضحية مجتمعه، و استفاد من وحشيته ليدلّ على قيمة حرية الاختيار كما أشرت آنفا. كما نجد في الرواية قسّ السجن كصوت وحيد للحكمة و للإنسانية، و هو الذي اعترض على تعريض آلكس للتجربة الرهيبة. إن حق الإنسان في الاختيار هي فكرة دينيّة جوهرية، فهل حافظ كيوبرك على نفس التمشي؟
المؤكد أن القسّ ظل بالفعل صوتا للعقل و الحكمة، و هو الذي استمع إلى آلكس و حاول مساعدته، و لكن وراء القسّ توجد المسيحيّة كما صوّرها كيوبرك، و هي ليست صورة لطيفة بالمرّة. لقد سخر كيوبرك من جلسة الوعظ، و جعل القسّ يبدو في موقف هزليّ مثير للسخرية و لم تبد كلماته ذات تأثير يذكر. كما بدا من خلال النشيد الذي ردّده المساجين في نهاية الجلسة، دور الدين الرئيسيّ في "التحكم" في الشعوب و "تأطيرهم" بما يوافق إرادة أعلى من إرادتهم. "لم أكن أحبّ ضعاف الحال، لم أكن أحب صوت رعاتي، لم أكن أحب أن يتحكموا بي…" هكذا يقول النشيد، و هكذا يجب أن يغنيه المساجين تحت إرغام مأمور السجن ذي الشارب الهتلريّ. و يجب التذكير هنا أن النشيد تغيّر في الفيلم و لم يكن ذاك الذي أشار إليه بورجس في الرواية. و لكنّ كيوبرك يذهب إلى أبعد من ذلك.
في المشهد الموالي، نجد آلكس يقرأ "الكتاب الكبير"  بنهم. ماذا حدث له؟ هل تعرّف على خطاياه؟ على العكس تماما، لقد تعرّف ربما على خطايا المسيحيّة كما نظر إليها كيوبرك. آلكس، يستمتع بلحظات الوحشية التي يحدثّنا عنها الكتاب المقدس، يجد أن الكتاب يناسب رغباته الساديّة تماما، إن آلكس لا يتمنى أن يكون المسيح المخلّص، بل يريد أن يكون الرومانيّ الجلاد. أليس هذا الرومانيّ جزءا من خلاص المسيح؟
لقد ظهر المسيح أكثر من مرة في الفيلم، و بصورة مريعة ربما، فهو إما رازخ تحت سياط الجلاد الرومانيّ، و إما يرقص مصلوبا على أنغام موسيقى بيتهوفن. إن كيوبرك يعتبر الثقافة الرومانيّة المسيحيّة التي قامت عليها الحضارة الأوروبية، ترتكز إلى حدّ ما على الانتشاء بعذابات المسيح. و هو ما يبدو أن المخرج يعتبره انحرافا في حدّ ذاته لا يمكن أن يُصلِح مجتمعا.
لقد أبدى كيوبرك اِعجابه بشخصية القسّ و اعتبره صوت النزاهة و الإنسانية في الفيلم، لكنّه مع ذلك لم ينزّه مؤسسة الكنيسة تماما، و اعتبرها جزءا من النظام، إنها أداة أخرى من أدوات القمع و سلب الحريّة و إن ادّعت حقّ الإنسان في الحريّة كما أراد لها كاتبها.

4 ـ العلم :
يقدّم الفيلم دائما على أنه فيلم خيال علميّ، و الحقيقة أنه عدا طابعه المستقبلي (على مستوى الديكور خصوصا و بعض الأدوات المستعملة) فمن الصعب ربما اعتباره فيلم خيال علميّ، لكنّ تجربة لودوفيكو هي ما يدخل الفيلم في هذا التصنيف. تقوم التجربة على مبدأ بافلوف الشهير المتعلّق بالعلاقة الناشئة بين الفعل و ردّ الفعل. يتلقى آلكس جرعات من مادة تسبّب له وهنا و شعورا بالغثيان، و يتزامن هذا الشعور مع مشاهد العنف و الجنس التي يُرغم على مشاهدتها (في مشهد سينمائيّ خالد) ما يجعله يربط بصورة لا واعية بين العنف و الشعور بالغثيان. الحقيقة أن كيوبرك لا يبدو شديد الاقتناع بنجاعة التقنية كما سنرى لاحقا، لكنّ التقنية تقدّم مساحة مهمّة لتناول العلاقة الشائكة بين الدين و الأخلاق.
يظهر العلماء و الدكاترة في قالب شيطانيّ بارد، و بعبارة استباقية : في قالب ميكانيكيّ. كلّ همّهم إرضاء الحاكم، و إنجاح تجاربهم دون طرح التساؤل الإيتيقيّ اللازم. و حتّى خطابهم التبريريّ لآلكس، كان دوما يأخذ شكلا ميكانيكيّا شأن من يكرّر ما تلقاه. كيوبرك يدخل العلماء في دائرة الاتهام، فهم المسؤولون عن آلات الحرب التي يشاهدها آلكس، و هم المسؤولون عن صنع أدوات العنف عموما. رغم ذلك فهم يبدون متأنقين، أصحاب علم و هيبة، و يفعلون ما يحمي المجتمع. إنها ثنائية الظاهر و الباطن التي يبنيها كيوبرك رويدا رويدا.

5 ـ الإعلام:
يظهر الإعلام أساسا من خلال الصحف، حيث تظهر لنا كوسيلة إخبار في ظاهرها، و كوسيلة تلاعب و تحكم بالرأي العام في باطنها. لقد أخبرت الجريدة عن آلكس، و فعرف أبواه جرائمه و صدّقا ما قيل فيها، و قرّرا قطع علاقتهما به بكل وحشية (رغم الدموع التي أبدياها)، فالإعلام قادر على التفريق بين الولد و أمّه. و الإعلام، هو أيضا من أخبر الكاتب بقصّة آلكس الذي وجده أمام منزله، و أوحى له باستغلاله سياسيّا. و الإعلام هو الذي أخبر العجوز المشرّد و الشرطيّين (صديقاه السابقين) عن حالته التي تجعله غير قادر على الدفاع عن نفسه، ما سمح لهم بالاعتداء عليه. و بعبارة أخرى فالإعلام في مرحلة أولى كان وراء محنته. لكنّ الإعلام أيضا، هو الذي أعاد إليه أبويه بعدما عرفا ما حدث له من مآس، و هو أيضا ما كاد يذهب بمستقبل الوزير السياسيّ، و ما أعاده للأضواء في ما بعد. إن الإعلام هو السلاح الشيطانيّ في النظام العالميّ الجديد، حيث يمكنك أن تحطّم شخصا من دون أن تمتدّ يدك إليه. إن كيوبرك ينبّه إلى هذا الأمر، و يشدّد إلى أنه عنف يفوق شيطانية و وحشية بمراحل ما كان يفعله آلكس من عنف بدائيّ.


6 ـ الجنس:
يظهر لنا الجنس من خلال آلكس، فجّا، لا إنسانيّا، أقرب إلى العنف منه إلى الجنس. لكنّ يبدو أن كيوبرك مرة أخرى يعتمد على الظاهر و الباطن ليثبت لنا أنّنا لا نقيّم الأشياء بصورة دقيقة. يصوّر الفيلمُ آلكس فتى منتشيا بفحولته، من خلال كؤوس الحليب المزيدة، و من خلال مشهد المضاجعة مع فتاتين، حيث صوّره كيوبرك بطريقة ساخرة على أنغام افتتاحية وليم تلّ الشهيرة. فهل كان بذلك منحرفا جنسيا؟ كلاّ، لكنّه أقدم على اغتصاب زوجة الكاتب ( و أنقذ فتاة من الاغتصاب على أيدي عصابة بيلي بوي) و هي النقطة التي ستعود بنا إلى ما خفيَ من علاقة آلكس بالجنس.
لقد أشرنا إلى مشهد المرشد و آلكس في غرفة نوم أبويه، و ما يعنيه ذلك من تعرّضه للتحرش و ربّما الاغتصاب صغيرا، لكنّ التحرّش بآلكس لم يقف عند هذا الحدّ. ففي السنّ كان عرضة للتحرّش، و لئن أشار أنطوني بورجس في الرواية إلى ذلك صراحة، فإنّ كيوبرك صوّر ذلك بطريقة ذكية، حيث نرى في مشهد الجلسة الوعظية، أحد المساجين الذين يرسلون القبل لآلكس، قبل أن نجده واقفا خلف آلكس في ساحة السجن حينما قدم وزير الداخلية.
كما نجد إشارات خفية في منزل صاحبة القطط، تشير إلى بشكل أو آخر إلى أمّه. إن علاقة آلكس بأمه لا تبدو على ما يرام. لا ننسى أنها من أعطى المرشد مفتاح الشقة ليلتقي بآلكس في غرفة نومها. تلبس سيّدة القطط باروكة حمراء شبيهة بتلك التي تلبسها أمّ آلكس، و تضع في كامل الغرفة لوحات إباحية صارخة (سنعود إلى اللوحات حينما نتحدث عن الفنّ) إحداها تشير إلى امرأة شقراء في وضع مثير، عارية إلا من حذاء أحمر و  تسحق رجلا يلبس الأبيض على سقف الحجرة، سنجد فيما بعد أمّ آلكس بذات الحذاء الأحمر و الشعر الأشقر، تبكي في حرقة بعدما عاد ابنها من السجن ليزيد من عذاباتها. و حينما ضرب آلكس تلك سيدة القطط بالتمثال الضخم، تفادى كيوبرك صورة الارتطام البشعة، بمشهد اللوحة التشكيلية التي تمثل أفواها نسائية. مرّة أخرى، يذكّرنا هذا بالفم الصناعيّ المغرق في كأس من الماء في حجرة نوم آلكس. لا أحد يشكّك في هوية صاحب الفم، كما لا أحد يشكّ في ما يعنيه أن يرتشف المرشد من ذلك الكأس في استمتاع.
لقد صوّر كيوبرك عبر الجريمة، انتقامه من أمّه، لكنّه أيضا لم يبرّر له فعله. إن ما أراده كيوبرك مثلما فعل في كامل أطوار الفيلم هو التنبيه إلى أن الظاهر الذي يجب أن يدان، لا يجب أن يغفلنا عن الباطن الأكثر وحشية و الأكثر انحرافا و ان اتّخذ شكلا ناعما. يهاجم المخرج من خلال علاقة آلكس بالجنس، الرؤية الجنسية المنحرفة لهذا العالم الجديد. و ربّما لو ذهبنا أكثر، لقلنا إنّه أيضا يهاجم النسويّة أو يسخر منها في شخص سيدة القطط. فنحن نعلم رمزية القطط، مثلما نعلم دعوة الحركات النسوية للمساواة الجنسية (اللوحات التشكيلية في منزلها)، كما يمكن استنتاج ذلك من خلال تماثيل اللبؤات في خلفية المنزل، و التي يمكن أن تمثّل ليليث الشهيرة.



7 ـ الفن:
الحديث عن تصوّر كيوبرك للفن من خلال هذا الفيلم، مسألة شائكة حقا. إن أحد الأعمدة الفقرية للقصة، هي حبّ آلكس لموسيقى بيتهوفن. في الرواية نجد آلكس متيّما بالموسيقى الكلاسيكيّة في عمومها، و ما ينتج عن ذلك من لفظ للموسيقى الحديثة. لكن يبدو أن كيوبرك لا يذهب هذا المذهب كثيرا. فهو بشكل أو بآخر يحتفي بالموسيقى الحديثة، من خلال مزج الموسيقى الكلاسيكيّة بالموسيقى الالكترونية مثلما ظهر في موسيقى الافتتاح (جنازة الملكة ماري). في الآن نفسه، قد يكون في مشهد مغازلة الفتاتين في متجر بيع الأشرطة الموسيقيّة إشارة إلى احتقار كيوبرك إلى الذوق الفنيّ العام. إن هذا العالم صار يفتقر إلى الذوق، نلحظ هنا تقنية التوازي التي حدثت بين تمتّع الفتاتين بمثلجات ذات شكل قضيبيّ و ذوقهما الموسيقيّ الفج الذي قد يمثّله المتجر، في مقابل توازي  تمتّعهما بمضاجعة آلكس و الاستمتاع بموسيقى بيتهوفن. هناك أيضا تناقض بين لباس الفتاتين الهيبيّ و لباس آلكس ذي الطابع الباروكي القديم. يمثل آلكس الفنّ القديم الأصيل، في مقابل عالم يفتقر إلى الذوق، في مقابل فنّ مفرغ تماما.
تظهر قيمة الفنّ في الفيلم، كفضيلة لا تقبل النقاش، اعتمد عليها الكاتب و المخرج لإرباك القارئ/المشاهد بشأن الحكم على ما حدث لآلكس. لم يخسر آلكس ملكة السمع، أو القدرة على المشي، حيث يمكن أن يعتبرها المتلقّي نوعا من العقاب العادل، لكنّه خسر حقّه في التمتّع بالفنّ، خسر أصالته. يدفعنا ذلك إلى التفكير في علاقة "الشرّ" بالفنّ. فهل الفنّ نتاج الخير فحسب؟ هل يمكن أن ننتج فنّا من دون شرّ؟ ألا يعدّ الشر حينئذ ضروريا؟ و هل نحن مستعدون لخسران الفنّ من أجل القضاء على الشرّ فينا؟ لقد قال الدكتور برانون الشيء نفسه حينما أدرك خسارة آلكس : إنه العقاب الذي يجب أن يناله. و لكم بدا شيطانيّا في قوله ذاك.
إن العلاقة التي أرساها كيوبرك من خلال الأفلام القصيرة التي مرت أمام أعين آلكس المكبّلة بين النازيّة و بيتهوفن مهمّة جدا. ففيها إشارة واضحة إلى ألمانيا التي أنتجت كلي الطرفين. بل إن هتلر نفسه كان من أشد المغرمين بالموسيقى. فهل يمكننا الفصل بين عناصر خليط متجانس مثل الطبيعة البشرية؟


في مشهد آخر، يبرز كيوبرك هذا الصراع بين الفنّ الكلاسيكيّ و الفن المعاصر، حيث كان آلكس يهزأ من تمثال القضيب الذكريّ المنتصب في منزل سيّدة القطط، بينما بادرت هي بالهجوم عليه باستعمال تمثال بيتهوفن. لقد كانت الجريمة تتعلق أساسا بقتل الفنّ المعاصر!
 
يبدو أن كيوبرك يعتبر الفنّ الحديث شريكا في جريمة تكييف الإنسان وفق النظام الجديد، و لو توغّلنا في هذه الفكرة، لوجدنا أن السينما كانت من بين الأدوات التي استعملت لهذا الغرض. لا ننسى أن تقنية لودوفيكو تقوم أساسا على الصورة. و لقد علّق آلكس (حتى في الكتاب) على تأثير الصورة بشكل بليغ جدا : "لقد كان الفيلم الأول قطعة سينمائية رائعة كتلك التي تصنعها هوليود، كانت الأصوات مريعة حتّى كأنك تحسبها حقيقية… كم هو طريف أن تكتشف أن لون الدماء لا يغدو حقيقيا إلا حين تراه على الشاشة"!
و مع معرفتنا لعلاقة كيوبرك بأستوديوهات هوليود، يمكن أن يتوضّح لنا تحذيره المقنّع. لكنّ المثير للسخرية، أن فيلمه الذي يحذّر فيه من التأثير السلبيّ للسينما، تسبّب في حدوث الجرائم. حيث سجلت بريطانيا حالة اغتصاب أقدم عليها مراهق مقنّع في زيّ أبيض و لا ينفكّ يغنّي مثل آلكس (الغناء تحت المطر)، كما اقتحم بعض المنحرفين منزلا لنهبه مستعملين ذات الأقنعة التي استعملها آلكس.
فهل كان كيوبرك مساهما في هذه الجرائم أم محذّرا منها بعد فوات الأوان؟



يقول كيوبرك إن الإنسان العدوانيّ، لا يحتاج إلى مؤثرات خارجية ليفعل ذلك، و إنه لا يؤمن بتأثير تلك العوامل عليه، أي بعبارة أخرى، يدين آلكس بوصفه المسؤول الأول عن جرائمه، و لكنّ ذلك يتعارض مع ما تضمّنه الفيلم من إدانة للسياق الذي صنع آلكس.


إن إشارات كيوبرك واضحة بخصوص ذلك، و لا يمكن التغافل عنها، حتّى أولئك الذين سخطوا على الفيلم، لم يسيئوا تأويلها بقدر ما أساؤوا فهمها. الموازاة واضحة تماما بخصوص ضحايا آلكس الذين تحوّلوا بعد أن صار عاجزا، إلى معتدين. فقد اعتدى عليه المتسوّل الذي ضربه في بادئ الفيلم، و لم يخلّصه إلا صديقاه اللّذين أصبحا شرطيّين. إنهما ديم و جورجي اللذين اعتدى عليهما بإلقائهما في الماء، و قد حانت لحظة انتقامهما. أغرقاه في مشهد لا ينسى و أشبعاه ضربا. يجد نفسه تحت رحمة الكاتب المقعد الذي اعتدى عليه سابقا. الكاتب أيضا يمارس انتقامه الفظيع.
هذه الصورة التناظرية التي حوّلت آلكس من معتدٍ إلى ضحية، يفترض منها أن تفضي إلى استنتاج بسيط : العقاب الإلهي، أو انتقام الأقدار، الذي وضع آلكس أمام ضحاياه. فالترتيب الزمنيّ يفترض أن البادئ أظلم. فما الذي يحملنا على التفكير بشكل معاكس؟ لماذا نفترض أن آلكس لم يكن البادئ؟


الحقيقة أن آلكس ليس ضحية أبدا، و لم يبحث كيوبرك أن يجعله ضحية، بل هو صناعة، إنتاج حضاريّ لزمن البرتقالة الممكننة. و إنّ هذا المجتمع مجبل على العنف، بشكل أو بآخر. لقد كان آلكس ضحيّة ضحاياه حتّى لو لم يحدث اعتداؤه عليهم. فكيف ذلك؟
هناك مشهد لا معنى له تقريبا في الفيلم، مشهد لا يمكن أن يضيف أي شيء لفيلم طوله ساعتان و ربع تقريبا، و هنا أعني مشهد وقوف آلكس عند ضفاف التايمز. حيث نرى آلكس ينظر إلى أعلى في شرود، و في المشهد المقابل، تبدو مياه التايمز تغمر أغلب حلقات أعمدة الجسر الشهير، ثم تعود الصورة إلى آلكس، لنجده بالهيئة نفسها، لكنّه ينظر إلى أسفل، إلى ماذا ينظر؟ تعود الصورة مرة أخرى إلى النهر و تتوغل فيه، لا نلحظ أي شيء يذكر سوى أن حلقات الجسر التي كانت مغمورة قد كشفت، ما يعني نضوب الماء من التايمز. في اللقطة الموالية يظهر المتسوّل و نلحظ من خلفه عودة مستوى المياه إلى حالتها الأولى. ماذا يعنيه هذا؟ و ماذا يريد كيوبرك من وراء هذه اللقطة؟ الحقيقة أنني لم أجد لها سوى معنى واحد : التدليل على طول الفترة الزمنية الفاصلة بين خروجه من السجن، و بداية انتقام ضحاياه. إذ يبدو أن كيوبرك يريد أن يركز على طبيعة الإنسان العدوانية الشريرة التي تأبى أن تنسى أو تضع فكرة الانتقام جانبا. لقد كان آلكس في لقائه الثاني بالمتسوّل مختلفا، و عبر عن روح بارّة بصدقته التي أغدقها على المتسوّل، لكنّ العجوز نسي ذلك تماما إذ تعرّف على آلكس. تجاوزت عدوانيّته الزمن و السياق و أصرّت على الظهور. و هو أيضا ما ظهر في تصّرف صديقيه ديم و جورجي. ألم يحصلا بالفعل على انتقامهما بالتسبب في زجّه بالسجن؟ لكن ربما أخذهما بعين الاعتبار فهما رفيقاه في العنف. فماذا عن الكاتب؟ لقد كان يخطّط لاستغلال الفتى قبل تعرّفه عليه. لقد كان فعلا يريد له الشرّ سواء فعل ما فعل أم لم يفعل. أما والداه فلقد تحدثت بالفعل عن دورهما الرئيسية في صنعه.



إن آلكس هو التمظهر البسيط للعنف الخفيّ الذي يشكل المجتمع، هو الصورة الفجة للشر الكامن في الإنسان الذي هو نحن. آلكس هو ذلك الشكل البدائيّ للاوعي، و ما تقنية لودوفيكو إلا طريقة لتكييفه، لجعله في صورة متحضّرة، إن البرتقالة الممكننة التي يحدّثنا الفيلم عنها، ليست آلكس، بل كل ما حوله، بينما آلكس هو التعبيرة المتمرّدة عليها!
حينما سئل بورجس عن مصدر العنوان، أكد أن العبارة معروفة في لهجة الslang الدارجة عند المنحرفين و الصعاليك في انكلترا. لكن اللغويين يؤكدون على عدم وجود العبارة، و ما يفيد معنى الكائن الحيّ الذي يتصرّف بطريقة ميكانيكية، هو عبارة الثمرة الممكننة. فلماذا استعمل الكاتب كلمة برتقالة؟ يقول بعض الباحثين، إن الكاتب بحكم عمله في القوات البريطانية بماليزية، يعرف كلمة Orang الماليزية و التي تعني إنسان. و هذا يعني أن البرتقالة الممكننة في حقيقة الأمر إحالة مباشرة على الإنسان الممكنن.
من الدارج في النصوص العربية، و أيضا في بعض اللغات الأخرى مثل الإيطالية و الفرنسية، اعتماد عبارة "البرتقالة الميكانيكية" و هي عبارة لم يستسغها الكاتب لأنها توحي بآلة تأخذ شكل الكائن الحيّ في حين يريد الكاتب عكس ذلك المعنى.
و الإنسان الممكنن المكنّى بالبرتقالة، لم يكن آلكس في الرواية، و هو ما فهمه كيوبرك، فأشار إليه بطريقة ذكية جدا. يجب أن نعود إلى مشاهد كثيرة لملاحظة ذلك : مشهد الدكتورة برانون و هي تحادث آلكس، حيث كانت تلبس ربطة عنق برتقالية. مشهد عودة آلكس إلى منزل أبويه، حيث كان والده يلبس قميصا و ربطة عنق برتقاليين، مشهد العجوز المتسول و هو يسأله صدقة عند نهر التايمز، حيث كان يلبس دثار عنق برتقاليا. مشهد لجوئه إلى منزل الكاتب، حيث كان الكاتب يلبس منامة برتقالية. مشهد والديه و هما يزورانه في المستشفى حيث تبلس أمه معطفا برتقاليا داكنا. مشهد الطبيبة النفسانية الدكتورة تايلور و هي تتأكد من عودته إلى ما كان عليه، حيث تلبس فستانا يطغى على اللون البرتقالي. و أخيرا مشهد وزير الداخلية و هو يطعم آلكس أكاذيبه، كان يرتدي قميصا و ربطة عنق أصفرين يقربان من اللون البرتقالي. و المؤكد أن هذه الأمور لا تحدث في سينما ستانلي كيوبرك بمحض الصدفة. فإدانة كيوبرك لما يسميه بالطريقة الجديدة أو ما نعرفه بالنظام الجديد واضحة، و ما حدث لآلكس بعد خروجه من السجن، حتى وصوله إلى المستشفى و تلقّيه الأكاذيب من وزير الداخلية في مشهد لا ينسى هي تقنية لودوفيكو الحقيقيّة، و ليست تلك التي أجريت عليه في السجن. لقد تمّ تدجين آلكس، و تمّ ترويض حالة العنف فيه، لتنتقل من مستوى الظاهر إلى الباطن، و من التمرّد إلى التنظّم وفق أهواء المجتمع، و هو ما توحي به اللقطة الأخيرة، التي يظهر فيها مضاجعا امرأة وسط تصفيق الحضور.
إن كيوبرك لا يبرّر للعنف، و لكن ينبّه إلى تلك المستويات التي لا نراها منه، و لكنّها تحدث من حولنا كلّ يوم، بل إننا نمارسها بشكل غير واع بسبب نظام عالميّ صارم يحوّل الإنسان إلى برتقالة ممكننة.


برتقالةٌ ممكننة، فيلم مفرط في العنف و الجنس، ليس لغاية الاستمتاع بالعنف و الجنس، و إنما لغاية تعرية اللاوعي البشريّ الذي يجد متعة في العنف بقدر ما يجدها في الجنس. و لغاية تعرية عناصر النظام العالمي الجديد كما يراه ستانلي كيوبرك، مفرغا من الجمال، ممعنا في الوحشية، حتى و إن تظاهر بغير ذلك. قد نختلف مع كيوبرك و قد نتبنّى موقفه. لكننا على أية حال، لا يمكن أن ننكر الزخم الابداعيّ الذي يمثّله هذا الفيلم. و لا يمكن أن ننكر الجانب الجماليّ الهائل في المبنى و في المعنى. و رغم كون مشاهده العديدة مثقلّة بالإشارات و الأفكار فإنّ ذلك لا يضيّق على المشاهد بقدر ما يصنع له فضاء رحبا للخيال، و كذلك الفنّ الرفيع.

Saturday, August 29, 2015

حرّر عقلك 5

هل توجد أخطاء داخل المصفوفة؟ هل يمكن أن نتحدث عن أخطاء أصلا في عالم الخيال العلمي؟ و هل تعتبر أخطاء تلك المتعلقة بالتصوير و التركيب و المسائل اللوجستية؟ و أخيرا، إلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه الأخطاء على رؤيتنا و على موقفنا من هذا الفيلم؟

لن أجيب عن هذه الأسئلة باستفاضة كبيرة لأن طول الفيلم ساعتان و ربع و هو يحشد بالمشاهد المعقدة و الحركة التي تطلبت جهدا كبيرا في إنجازها، كما أن القصّة على بساطة خطّها السردي، فهي تنضوي في سياق خياليّ معقد جدا و متشابك، ما يجعل كلّ صنتمتر فيها مليئا بالفجوات و فاتحة لنقاشات طويلة، و مجادلات قد لا تنتهي بخير إذا كان مجادلك من المغرمين المتعصّبين للفيلم.

لكن من الضروريّ الإحاطة بأهمّ هذه الملاحظات، خصوصا و أن الأسطورة تقول : الماتركس متماسك إلى حدّ يجعله خاليا من الأخطاء. و الأخطاء لا يمكن أن تبدأ بالظهور إلا حينما يتخلّى المشاهد عن انبهاره الأعمى بما يشاهد، و يدرك أن لا فيلمَ بدون أخطاء. فما هي فجوات المصفوفة؟

يمكن أن نبدأ بالأخطاء الفنّية و التقنية، حيث يوجد الكثير منها، و لا أجد داعيا للتركيز عليها. هذه الأخطاء هي الدليل أن من أنجز الفيلمَ بشرٌ مثلنا، و هذا ما يزيد ـ بنظري ـ في تميّز الماتركس و تفوّقه. اِنعكاسُ محتوى شاشة الكمبيوتر على Neo و هو نائم كأنّه جهاز إسقاط Projector بينما هي شاشة عادية، اِنعكاسُ Neo و هو جالسٌ على نظارتيْ العميل Smith في وقت يفترض أن يكون فيه واقفا (مشهد انغلاق فمه في غرفة التحقيق)، الجدار الذي يتهدّم ببداية القتال لنجده في المشهد الموالي سليما، بعض المعلومات التي تنقصها الدقة كوصف الفيروس بالكائن العضويّ organism، وجود بعض العلامات الدالّة على أنّ الأحداث لا تدور في شيكاغو رغم أسماء الشوارع التي حاول المخرجان إيهامنا بها (وجود كلمة lift عوضا عن elevator لا يمكن أن يكون في مدينة أمريكية)، الريح التي تجد لها محلاّ في محطّة ميترو تحت الأرض، كلّها أخطاء تفصيلية يمكن التغاظي عنها حينما نقارنها بالتفاصيل الدقيقة الأخرى التي اعتنى بها المخرجان. ففي فيلم يجد لوقع الأمطار على الأرض، و لمسح زجاج النوافذ تأويلا ذا دلالة مهمة، لا نملك ترف الوقوف على أشياء كهذه.

لكنّ الأخطاء تتجاوز ذلك إلى السيناريو، و هي تنقسم إلى قسمين، أخطاءٌ تفصيلية، كان يمكن تفاديها بعناية أكبر، و أخرى جوهرية، تضرب جوهر السيناريو، و ربما تقتل الفيلم أيضا. لكن قبل الحديث عن ذلك، يجب أن نناقش فكرة الخطإ هنا : فأغلب المتعصبين للماتركس، يعتبرون أن التناقضات المنطقية لها إجاباتها في الأفلام اللاحقة، و في الأعمال الموازية الأخرى و هذا ما يخرجها من دائرة الخطإ. و هو أمر يمكن تفهّمه أحيانا، و يردّ في أحيان أخرى. فالأساس في النقد، هو أن الفيلم عملٌ قائم بذاته، و لا يمكن الحكم له أو عليه انطلاقا من عمل آخر. يمكن أن نقول إن نقطة ما في الفيلم تركت بلا تفسير واضح (مثل عملية التكاثر بين البشر المستعبدين) و هذا لا يحتسب خطأ بقدر ما يحتسب في بعض الأحيان كنقطة ضعف في القصة للتناقض أو اللامنطق الذي تفرضه (يكتفي الماتركس الأول بذكر أن الآلات تربّي البشرَ لتتزوّد منهم بالطاقة اللازمة، في حين أن الطاقة التي يفرزها البشر تضاهي الطاقة التي يستهلكها، ما يجعل من المسألة عبثية. في أعمال موازية، يذكر الأخوان أن المادة المستهلكة هي البشر الذين ماتوا، حيث يتحولون إلى ذلك السائل الذي يتغذى منه البشر، مع ذلك يبدو أن الطاقة المطلوبة لصنع ذلك السائل لم يقرأ لها حساب، ربما في أعمال موزاية للأعمال الموازية!) لكن في أحيان أخرى، نجد أخطاء لا تصلحها التنقيحات و الاجزاء و لو بعد عشرات الأعمال الموازية، خصوصا تلك المقترنة بالسيناريو. سوف نترصد الأخطاء الواضحة منها حتى تتوضح لنا الرؤية.

أولى الأخطاء الشنيعة في الفيلم، هي تلك المتعلقة بالبرغوث المزروع في بطن Neo. يفترض من ذلك البرغوث أن يكون أشبه بجهاز تتبع يقود العملاء إلى مورفيوس. فهل هناك حاجة إلى جهاز كهذا حين نعرف أن العملاء قادرون على تتبع Neo في أي مكان يذهب إليه داخل الماتركس؟ يظهر هذا الخطأ بشكل أكبر في المشهد السابق، أي في مكاتب شركة Metacortex، حيث يبدو أن مورفيوس الذي يمثل دخوله إلى الماتركس نوعا من القرصنة، أكثر دراية بإحداثيات العالقين في المصفوفة (مثل Neo) من العملاء الذين هم داخل الماتركس بصفة رسمية و لهم صلاحيات شبه مطلقة داخلها. مورفيوس من خلال محادثة الهاتف، أثبت أنه لا يعرف خريطة المبنى فحسب، بل يعرف موقع مكتب Neo تماما، بينما كان العميل Smith يسأل عن موقع المكتب و يبحث عنه... حتى لو افترضنا أن البرغوث كانت له مهمّة أخرى (و هو ما لم يتمّ التصريح به، ما يجعل المشهد كلّه غير ذي فائدة على السيناريو) فالمشكلة تظل مطروحة : لماذا لم يتبع العميل Smith تحركات Neo رغم أنهم يعرفون أن مورفيوس سوف يتصل به؟ لقد طال مشهد لقاء Neo برفاق Morpheus تحت الجسر دون أن يتدخل أيٌّ من العملاء، و لم يتبعوهم إلى حيث البيت الآمن، و تمت العملية الطويلة من دون مشاكل.

لو واصلنا مع مشكلة المراقبة، سنجد أخطاء أخرى، مثلا، يخبرُ مورفيوس Neo عبر الهاتف أن الخطّ مراقب، لكنّه يدعوه إلى القدوم عند الجسر. هل تراه يدعو العملاء بصفة غير مباشرة؟ الأغرب أن العملاء لم يأتوا، و ربما هم لم يراقبوا أصلا! ثمّ ما الداعي من لعبة الأرنب الأبيض؟ لو أن الفتاة كانت تبدي كتفها الأيمن، لفسدت اللعبة كلها و لما قابل Neo حبيبته المستقبلية، و لظل يتساءل عن حكاية الأرنب الأبيض التي ظهرت على الشاشة! لكن لنفترض أنّ الأمر من تجلّيات العرافة Oracle، لماذا جلب الفتى إلى ملهى ليليّ و إخباره فقط أنه يجب أن يعرف الحقيقة، و يجب أن يقابل مورفيوس؟ ألم يكن بإمكان مورفيوس أن يخبره بهذا عبر الهاتف مثلما فعل حين حاول تهريبه من عمله؟


بالمناسبة، هناك الكثير ممّا لا نملك إلا افتراض نسبته للعرّافة : ما أرسلته Trinity لـNeo عبر الكمبيوتر و هو نائم، يفترض أنها تعرف بالضبط متى سينهض (و إلا فبرنامج الدردشة الصامت من أيقظه و هذا أقل منطقية بكثير)، و يفترض أنها تعرف بالضبط من ستأتي مع الزبون، و متى، و ماذا تلبس (يجب أن تعرّيَ كتفيها ليظهر الأرنب) و كيف تقف (لو أنها وقفت بطريقة معكوسة لما رآه) باختصار يجب أن تعرف أمرا مستقبليا مستحيل المعرفة إلا على الأوراكل. أيضا من المحال أن يعرف مورفيوس لوحده أنّ Neo حالما يستلم المظروف سوف يفتحه، أو أنه سوف يبقى هناك في المكتب، إلا لو أخبرته العرّافة بذلك مسبقا، أما الأهم، فكيف عرف مورفيوس بأنّ Neo هو الفتى المخلّص؟ أعني أنه مجرد قرصان كمبيوتر يبحث عن حقيقة الماتركس. لو عدنا إلى عدد سكان Zion (أعلم أن أغلبهم ولدوا هناك) فالمفترض أن Neo ليس الوحيد الذي يبحث عن الحقيقة. ربما أخبرته العرافة أن المخلّص إسمه Neo، لكن من أدراه أنه ليس الشخص المطلوب؟ هل هو مجرد حدس؟ إيمان؟ الإيمان يقوم على حدّ أدنى من الحقائق أو المعلومات : يمكن لشخص أن يؤمن بالمسيح، لأنه يعرف عنه قصة إحيائه للميت، و شفائه للأبرص، أو قصة صلبه و عذابه الخ.. فماذا يعرف مورفيوس عن Neo؟ ربما تفاصيل أخرى من عند العرّافة. لماذا تتحدث بكل هذه التفاصيل خارج مشاهد الفيلم، و حين تظهر أمامنا يصبح الإلغاز هوايتها المفضلة؟

في الماتركس محاولات لتفسير بعض الظواهر، مثل ظاهرة "شوهد من قبل" Déjà Vu. لو أنّ أحدا منا عاش هذه التجربة (كانت الظاهرة تربكني كثيرا أيام الطفولة) لعرف قطعا أنّها لا تشبه مطلقا تلك التي عاشها Neo خلال الفيلم. المرء لا يشاهد أمرا مرتين متتابعتين بهذا الشكل، المرء يشاهد شيئا فيشعر كأنه عاشه من قبل، من زمن بعيد. لكن هذا لا يسبب مشاكلا في السيناريو، المشكلة الحقيقية قد نجدها أكثر في ظاهرة تغطية الشمس من قبل البشر، كما أخبرنا مورفيوس، لمنع الآلات من مورد طاقة لا ينضب. هذا يفترض أن هذه الآلات لا تملك القدرة على الطيران، و لا على بناء الأبراج الشاهقة التي ترتفع فوق السحب، لكنّ الصور التي جاءتنا من مدينة الآلات تثبت عكس ذلك تماما. الأكثر ابتذالا سنجده في الجزء الثالث، حينما تعلو مركبة Neo فوق السحب بسهولة تماما لتواجه الشمس. كيف يفترض منّي أن أصدق أن تلك الأخطبوطات الشرسة لا يمكنها ذلك؟ ثمّ كيف يمكن للبشر العيش في بيئة معدومة الشمس؟ من أين سيأتي النبات؟ من أين ستأتي المعادن و البروتينات و الفيتامينات؟

أخيرا، كان موت الشخصيات في الفيلم خاضعا لهوى الكاتبين أكثر من منطق الأشياء. فNeo لا يجب أن يموت قبل المشهد الأخير، و ترينيتي يجب أن تظل بخير، و مورفيوس يجب أن ينقذه Neo، أما Tank فيجب أن يقتل Cypher بعد أن يقتل من يقتل. من أجل ذلك كله، كان إطلاق الرصاص الكثيف و المرعب على الجدار من قبل العملاء، غير كاف لقتل الفريق المختبئ خلفه، و لذلك أيضا، لم يحضر العملاء بالعدد الكافي للإيقاع بفريق من المتمردين يضم أخطر المطلوبين على الإطلاق، و لذلك أيضا، كان وابل الرصاص الجهنّمي الذي أطلقه Neo من المروحية دقيقا إلى درجة استبعاد مورفيوس الذي كان جالسا بجانب العملاء، و لذلك، كان على العميل الذي وجه مسدسه إلى Neo على السطح أن يقول شيئا ما قبل أن يطلق الرصاص، شيئا كفيلا بترك الوقت اللازم لترينيتي لقتله و قول العبارة الشهيرة "Dodge this". و لأنّ حاجة كائنات الذكاء الاصطناعي للتعليق قبل القتل ليست كافيا، فقد أتحفنا المخرجان أيضا بطريقة Cypher الرومانسية جدا : يقتل الأقل أهمية في البناء القصصي مثل سويتش، و يترك ترينيتي و مورفيوس و Neo للنهاية... 

يبدو أن الأخطاء أكثر ممّا ذكرت، ما يجعل تقييم الماتركس يحتاج إلى مراجعة صغيرة و تحويله من فيلم مقدس، إلى فيلم متميّز. فمثلما ذكرت سابقا، لا يمكن لفيلم يعجّ بكل هذه الأفكار و الرموز أن يخرج أنيقا، ممتعا، سلسلا، و هذا ما نجح فيه الماتركس. بشيء من المرونة، كان يمكن للفيلم أن يتفادى أغلب الأخطاء التي ذكرت، لذلك و نظرا إلى الجاذبية التي تميّزه، من الصعب التوقف طويلا عند هذه الأخطاء. إنها فقط أخطاء لمحو القداسة، و ليست للحطّ من قيمته. لقد قدم الماتركس سنة 1999 ليساهم في جعلها سنة فارقة في تاريخ السينما. يكفي إلقاء نظرة على ترشيحات جوائز الأوسكار لسنة 2000 لإدراك ذلك. و يمكن بمنتهى البساطة اعتباره أحد أعظم الأعمال المقدّمة في السينما على الإطلاق. فهل كانت لواحقه (Sequels) بمثل جودته؟



Friday, August 28, 2015

حرّر عقلك 4

في الأجزاء السابقة من هذا المقال الطويل، تحدثت عن وجوه الطرافة في فيلم الماتركس على مستوى الفكرة العامة و القصة و التصوير. و خلصت إلى أن الفيلم لا يستمدّ تميّزه من طرافة مادّته، و إنّما من خلال العبقرية التي أتاحت تجميع الأفكار المتناثرة هنا و هناك لتشكّل روايةً متماسكةً متينةً، انعكست على العمل السينماتوغرافيّ المبهر الذي اعتمد أيضا على كليشيهات سينمائية لم يبحث عن إخفائها بقدر ما بحث عن الاحتفاء بها و بلورتها و إخراجها في قالب شديد الإتقان. لكن، ماذا عن المضمون؟ ماذا يمكننا أن نرى في هذا الفيلم؟ و هل اعتمد المخرجان على نفس القالب Pattern في صنع المعاني؟

مع ظهور Neo بطل الفيلم، يظهر لنا أول مرجع أدبي مثير للاهتمام. يستيقظ الفتى ليجد رسالة على الكمبيوتر تدعوه لتتبّع الأرنب الأبيض. بعدها، وجد الفتى الأرنب موشما على كتف زبونته التي تدعوه إلى حفلة صاخبة، و كانت تلك بداية رحلة Neo العجيبة. كان الأرنب الأبيض إشارة واضحة لقصة آليس في بلاد العجائب. فرواية لويس كارول تعتبر رمزا للسفر بين عالم الواقع و عالم الخيال، و في هذا تتماهى آليس مع Neo، لكنّ التشبيه يخبرنا بأمر آخر : عبر رحلة آليس، نتبيّن كيف أن عالم الخيال على غرابته لا يختلف كثيرا عن عالم الواقع، بل هو يخبر عنه بشكل أو بآخر، هذه الفكرة هي أساس الفيلم، فالخوارق التي يأتيها الأبطال في الماتركس، لم تنجح في إخفاء الحقيقة التي نعرفها منذ البداية : هذا العالم الوهمي، هو عالمنا، هو العالم الذي نعرفه قبل الفيلم، هو عالم الأجهزة و الدول و المنظمات، و حياة الدعة و اللذائذ، هو عالم العمارات الشاهقة و الوظائف الشائقة و النظام الصارم و البوليس الذي يعرف عنك كلّ شيء. الماتركس هو ذلك العالم العجائبيّ و الواقعيّ في آن!

و بنفس الطريقة الساخرة، يستعمل Cypher قبيل عمليّة تحرير Neo من الماتركس مرجعا أدبيا شهيرا آخر إذ يقول : اِربط أحزمتك يا دوروثي، فكانزاس ستختفي عن الأنظار. و هي إحالة على رواية باوم و ترجمتها السينمائية الشهيرة "ساحر أوز" The wizard of Oz. لكن، من هو Oz الذي يبحث عنه Neo ؟ من هو الساحر الذي يحمل آمال دوروثي و الأسد و الروبوت و الفزّاعة؟ ربّما كان Neo نفسه!

و رغم أن السياق الذي ذكرت فيه دوروثي عفويّ جدا إلا أنّه لا يمكن أن يفوتنا إصرار الأخوين على تذكيرنا المستمرّ بمحاولات من سبقهم في ذلك. لا ننسى أن اختيار إسم الماتركس له علاقة وطيدة برواية النورومانسر لويليام غبسون، رائدة أدب "السايبر بانك". ثمّ خلال تسليم Neo لبعض الأغراض المقرصنة لحرفائه، نكتشف أنه يخفيها في كتاب لجون بودغياغ : Simulacra & Simulation، و هي إشارة من المخرجيْن للكتاب المرجعيّ لفيلم ماتركس، حيث طلب الأخوان من الممثلين الرئيسيين قراءة الكتاب قبل بداية العمل. و عندما نتأمّل في الرقم المكتوب على باب شقة Neo (رقم 101) سيتبادر إلى أذهاننا رقم غرفة التعذيب الرهيبة في رواية جورج أورويل الأشهر : 1984 ما يحيلنا على الكليانية الغاشمة التي يريد الأخوان إثباتها على عالمنا. يمكن أن نفهم من هذا الإصرار على التذكير بالأدبيات السابقة، تأكيدا منهما على أن العمل يتنزّل في السياق نفسه : الرحلة بين العالمين، التحذير من هذا العالم الذي بات لا يُحتمل، الدعوة إلى التمرّد على المنظومة الطاغية، و الكشف عن خيال هو سلاح الإنسان في مواجهة واقعه.

كلّ هذه الإحالات الأدبية واضحة و تمت الإشارة إليها صراحة مثلما ذكرت، أما المرجع الأكثر قربا من سيناريو الفيلم، و الأكثر قدما، فهو تلك الفكرة التي لم يتمّ الإعلان عنها صراحة، لكنّها تعلن عن نفسها من دون الحاجة إلى وسائط : أجل نحن نتحدث عن أمثولة أهل الكهف لأفلاطون.
تتحدث الأمثولة عن أناس مسجونين في كهف طيلة حياتهم، قبالة جدار أبيض، يرون ظلالا ضخمة و رهيبة على الجدار تعكسها نيران من خارج الكهف، و لأنّ النار و الناس الذين تنعكس ظلالهم، يوجدون جميعا من خلفهم، فمن الطبيعي أن هؤلاء المساجين راحوا يتخيلون أشياء غريبة و عجيبة بشأن الظلال. فقط الفيلسوف منهم من استطاع أن يكسر الأغلال، و يذهب ليستطلع حقيقة الظلال و أشكالها الحقيقية، ليعود و يرويها لرفاقه، أي يحرّرهم بدورهم.
من يعرف أمثولة الكهف، يمكن له بسهولة أن يجدها في تفاصيل الماتركس. كلنا سجناء الكهف، لا يتحرّر منّا إلا أولئك الأبطال الحقيقيون، يغامرون من أجل اكتشاف الحقيقة مهما كانت مرارتها، يقتلعون حريتهم، ثمّ يعودون بالحقيقة إلى الكهف/الماتركس مرة أخرى من أجل تحرير الآخرين. ربما لذلك اقترن العالم الواقع بالمعرفة، بقدر ما اقترن عالم الماتركس بالخيال. المعرفة كانت سبيل نيو للتحرّر. ("لا تعتقد أنك أسرع، إعرف أنك الأسرع"). و المعرفة كانت سبيله للتحرير. ("إعرف نفسك" باللاتينية معلقةً على باب مطبخ العرّافة Oracle ).

هذا الجانب من الماتركس، هو الأكثر وضوحا و أهمية. الماتركس دعوة إلى الانعتاق. دعوة إلى كسر حواجز النظام الذي يحيط بنا من كلّ جانب، لأنّ الحقيقة تكمن هناك، خلف كل هذا الوهم. التمرّد تيمة محبّذة عند الأخوين فاشوفسكي. اِستعاداها بشكل أكثر صراحة و مباشرتية في V for Vendetta. إن المنظومة العالمية عندهما هي العدوّ الأول الذي يجب أن يُحارب. يمثل المنظومة، أفراد جهاز البوليس الذين يُعتبرون ضحية للمنظومة بدورهم. و العملاء السرّيّون الذين يتميّزون بصلاحيات أرفع، و بمادة معرفية أكبر، هؤلاء هم العميل Smith و بقية زبانيته، و هؤلاء هم الكلاب الذين يمثلون أشرس ما في النظام. يجب الإشارة إلى مسألة عبقرية هنا، هي تعدّد أسماء Neo، فهو يحمل هذا الإسم فقط في حياته الليلية حينما يخرج عن النظام، و يتحوّل إلى قرصان حرّ باحث عن الحقيقة، أما عندما يعود نهارا عبدا للمنظومة، فهو Mr Anderson، و كذلك كان يسمّيه العميل سميث. لكن كان هناك شخص آخر في الفيلم يناديه بذات الإسم : لقد كان رئيسه في العمل. شركة ميتاكورتكس للبرمجيات، شركة مرموقة تذكرنا بشركة مماثلة كانت تحظى بنجاح مرعب في تلك الفترة (1999) إثر إصدار نظام تشغيلها الجديد، و تمّ اتهامها بالاحتكار فيما كان رئيسها ينعم بتتويجه الأغنى في العالم... أنا لا أجزم بشيء هنا سوى التالي : العنصر الثاني المهمّ الذي يحمي المنظومة، هم رجال الأعمال كبارهم و صغارهم، إنّهم من يستعبدونك، و يبنون بعرقك قلاعا من القوانين و الثروات تحميهم من أبنائك الذين سيولدون غدا أشقياء! فمن تراهم العنصر الثالث؟ عودة سريعة إلى مشهد Neo الأول قد تجيبنا عن السؤال : كان الفتى غارقا في نومه بينما تتواتر على شاشة الكمبيوتر أغلفة الجرائد العالمية، نميز بينها جريدة النهار اللبنانية، و أحداثا هنا و هناك، فجأة ينقطع كلّ ذلك ليترك المجال لترينيتي لتتكلم و ليستيقظ الفتى. كانت ترينيتي هي صوت الحقيقة الذي يجب أن يسمع، بينما كان كلام الصحافة، هو الهراء الذي يجب أن لا يُسمع!
لكنّ مورفيوس يستطرد فيقول: حينما تكون داخل الماتركس ماذا ترى؟ رجال أعمال؟ معلمين؟ محامين؟ نجارين؟ عقول كلّ الناس الذين نحاول إنقاذهم. و لكن مالم ننقذهم، فهم لايزالون جزءا من المنظومة، و هو ما يجعل منهم أعداءنا. يجب أن تفهم أن أغلب الناس ليسوا جاهزين للانعتاق. و أغلبهم خاملون و متعلقون بالمنظومة إلى درجة من البؤس تجعلهم يقاتلون ليدافعوا عنها. 
و هو مقطع كفيل بشرح موقف المخرجين من العالم تماما!

يمكن أن نفسر بساطة الخطّ السرديّ في الفيلم، بكثافة المادّة المقدّمة. و مع كلّ الإحالات الأدبية التي تحدّثت عنها، و الإحالات السينمائية التي ذكرتها في الجزء السابق، نجد في الفيلم حضورا لافتا للجانب الدينيّ. و هي مسألة مهمّة جدا، و ربما مثيرة للحيرة كما سأبيّن.
يوجد في الفيلم معجمان دينيّان حاضران بشدّة، إضافة إلى الميثولوجيا اليونانية. فأما عن الميثولوجيا، فنجدها خصوصا في الأسماء (مورفيوس إله الأحلام، الأوراكل العرّافة) و حضور الميثولوجيا برأيي زخرفيّ لا يمكن أن يفيدنا بأفكار إضافية (ربما في الجزء الثاني، حينما ظهرت برسفونة...). و أما عن المعجمين الدينيّين، فأوّلهما المعجم البوذيّ، حيث نجد حضور الطفل البوذي الذي يتدرّب (و يدرّب) على نكران المادّة، و على إعلاء الإدراك الذاتيّ (لا تحاول أن تثنيَ الملعقة فهذا مستحيل، لكن حاول أن تدرك الحقيقة : لا توجد ملعقة!). كما يحثّ مورفيوس تلميذَه على نبذ حواسّه و الموجودات من حوله، و التأمّل في ذاته. "حرّر عقلك"، هي العبارة التي سترسخ في الأذهان بعد جولة Neo التدريبية، فلا شيء من حولنا حقيقيّ، كلّ شيء زائف، و الحقيقة الوحيدة هي ذواتنا، هي تفكيرنا... هل أتحدث عن فلسفة بوذية أم ديكارتية؟

هل يمكن من خلال هذا المنظور، أن نقول إن في الماتركس دعوة خفيّة لنبذ الحسيّ و الاحتفاء بالروحانيات؟ هل يمكن أن يكون الماتركس صوفيَّ النزعة؟ السؤال محيّر حقا، خصوصا و أن الأخوين قدّما الإجابة في مشهدين مهمّين في الفيلم : في المشهد الأول، نرى Cypher و هو يتلذّذ بشريحة لحم ربما لن تجد أجمل منها و أشهى في تاريخ السينما الأمريكية. يتساءل Cypher في إنكار عن قيمة معرفة الحقيقة حينما تحرمه من لذّة التمتّع بهذه الشريحة. هو يعرف أنها وهمية زائفة، لكن ماذا عن الإحساس الذي تحدثه في ذهنه؟ كيف يمكن أن لا يكون حقيقيا؟
في المشهد الموالي مباشرة، نجد فريق مورفيوس مجتمعا للعشاء في المركبة، يقدّم الطعام إلى Neo، نراه مقزّزا، مع نصائح للفتى بسدّ منخريه و التهامه بسرعة. لو أخذنا بالفكرة السابقة، فالمسألة منطقية، و يفترض من المشاهد ( و Neo ربما) أن يقول إن كل هذا ليس حقيقيا، ما يهمّ من الطعام هو منفعته التي تسري في الجسم مثلما ذكّر بذلك Dozer. لكنّ تدخّل الفتى Mouse يسقط هذا الافتراض إذ يقول :"أن ننكر شهواتنا الكامنة، هو ننكر أهم ما يجعلنا بشرا"، و يتركنا بذلك في حيرة من زاوية النظر الحقيقية التي يدفع إليها المخرجان. ربما في النهاية هما حائران مثلنا!

لكن بخصوص المعجم الدينيّ التالي، يبدو المخرجان أقل حيرة و أكثر اندفاعا. لأننا لا نجد هذا المعجم في تفاصيل الفيلم فحسب، بل في هيكله كأنّه قدّ عليه. فمنذ بداية الفيلم، يوصف Neo بالمخلّص من قبل الحريف الذي جاءه إلى شقته. ثمّ تتراكم التشبيهات لنكتشف أن لـNeo هوية ثالثة بخلاف المبرمج المستعبد، و القرصان الحرّ. فهو أيضا الواحد المحرّر The One الذي تحدثت عنه النبؤات، و الذي يبحث عنه مورفيوس. هنا ندرك أن One هي تشكيل مغاير للفظة Neo. ثم يخيّل إلينا أنّ هذا هو السّبب وراء تسمية Trinity : إن المعجم المسيحيّ يسيطر على الفيلم تماما!
لا أتحدث عن مجرّد تسميات هنا. أنا أتحدث عن تطابق شديد، يجعل من Neo صورة للمسيح : فبداية هو من تكهنت به العرافة، و هو من انتظر قدومه المؤمنون به (مورفيوس) لينهيَ الحرب، و يخلّص الناس و يحرّرهم من العبودية و يحرّر مدينتهم الوحيدة الباقية : القدس (Zion). و لأن ذلك لا يكفي، فالفيلم يظهر مورفيوس على أنه عرّاب المسيح، و أصحابه هم الحواريّون، حيث أن العشاء الذي تحدثت عنه بدا كأنّه العشاء الأخير، قبل الخيانة، فحضر الجميع إلا Cypher الخائن (لم يكن المخرجان قادرين على استحضار مورفيوس من البداية لأسباب تتعلق بالسيناريو).
و لأن المسيح يأتي بالمعجزات، فمعجزات Neo لم تنته منذ أعلن أنه فعلا المخلّص : واجه العميل سميث الذي لا يُقهر و قهره، حرّر مورفيوس من براثن العملاء، و الأهمّ من كل ذلك أن عاد من الموت، بقدرات إلهية. في الأجزاء التالية تتبلور معجزاته أكثر، و يتهاتف عليه الناس طلبا لبركاته، لكنّ هذا لا يعنينا بقدر ما يعنينا تأويل ذلك. فالأخوان يبديان من خلال Neo لا مجرّد استحضار لميثولوجيا مسيحية ثرية و ممتعة و مسليّة، بل حماسا واضحا لفكرة المخلّص. كأنّهما يقولان : نحن بحاجة إلى المخلّص أمام كل هؤلاء الطغاة! نحن بحاجة إلى عودة المسيح، أو بحاجة إلى النبيّ الجديد. لقد كان Neo ضائعا (يشي بذلك فصل "العدميّة" في كتاب بودغياغ الذي كان يخفي فيه ما سوف يبيعه)، ثم أصبح في النهاية محرّرا. هذا يقودنا إلى تفصيل مهمّ أثار ضجّة صغيرة حينما عرض الماتركس لأول مرة : Zion.
زايون، أو صهيون، هي المدينة التي أنشأها البشر المتحرّرون من سطوة الماتركس في عالم الواقع. إنها مدينة المقاومة، و هي المدينة التي تحاول الآلات الذكية إيجاد مفاتيحها لاقتحامها و تدميرها. و الإسم طبعا مأخوذ من ذات المعجم المسيحيّ الإنجيليّ، حيث إن Zion هي مدينة القدس في الكتاب المقدّس، و التي تحمل أسماء عديدة أخرى. و السؤال الذي يتبادر إلى الذهن طبعا، هو الغاية من اختيار هذا الإسم. لأن المخرجين أثبتا أنهما لا يتركان الكثير للصدف، و أنهما شغوفان بالمعاني الخفية، و الرموز. ما الذي يفترض أن يعنيه وجود القدس هنا؟ بإسم Zion المقترن في عصرنا بحركة عنصرية هي الأشرس و الأكثر دموية؟ هل تراها فكرة الأخوين فيشُفسكي عن الحرية؟ أم تراها حماسا مفرطا تجاه الأدبيات الإنجيلية لا غير؟


لا تنتهي الرموز و المرجعيات عند هذا الحدّ، و يبدو أن المشاهدات المتكرّرة لا تكفي للإحاطة بما أورده المخرجان عمدا أو عفوا في الفيلم، إذ أنّ اختلاف الاختصاص و المعارف يمكن أن يؤدّي بالمشاهد إلى رؤية الفيلم بشكل مخالف. ففضلا عن عالم السايبر و المعلوماتية، و العوالم الدينية و الفلسفية و الأدبية التي أشرنا إليها سابقا، توجد عوالم أخرى مختبئة. تحدث بعضهم عن علم التشريح، و عن البيولوجيا، و عن فزياء الكمّ!
و فضلا عن ذلك، فهو مليء بالأفكار و التساؤلات و القضايا المختلفة التي يمكن أن نراها في كلّ مشهد تقريبا. لكن، من المفيد التوقف عند أهمّها. لقد أشرت من خلال المقاربة مع المسيحيّة، إلى فكرة الرجل المخلّص التي قد يتبناها المخرجان. كما أشرت إلى فكرة الخيال كسلاح في مواجهة الواقع انطلاقا من الأدبيات التي تبنّياها. و لم أنس الحديث عن مسألة الكوجيتو و ما قدّمته للماتركس من تساؤل بخصوص الوهم الحسيّ. 

تطرح شخصية العرّافة Oracle تساؤلات جديرة بالاهتمام عن تسيير الإنسان و تخييره. سوف يتبلور التساؤل أكثر في الجزء الثاني، خصوصا مع ظهور شخصية المعماريّ The architect، لكن قبل ذلك يمكن لنا أن نتساءل بخصوص ما قالته العرّافة: لماذا تعتقد أنها لا تستطيع أن تمنع تهشم المزهرية و هي تعلم بتهشّمها مسبقا؟ لماذا الإصرار على خيار "خاطئ"؟ ألا يذكرنا هذا التساؤل بتلك التساؤلات الدينية الشهيرة بخصوص تخيير الله للإنسان؟ إذا كانت خيارات الإنسان معروفة مسبقا، فما معنى أن يختار؟ لقد خُيّر Neo بين أن ينقذ نفسه و بين إنقاذ مورفيوس، و لقد اختار الإيثار، أفلم تكن العرافة على علم بذلك؟ لماذا تترك له الخيار؟ ربما لأنّ فكرة الخيار هي ما يصنع الخيار نفسه. و ربما لأنه معدوم حقا. Neo في النهاية لم يختر أن يكون المخلّص، لقد أخذته الأحداث إلى نفسه!

أما Cypher فأعتقد أن شخصيته تحتاج إلى مقالة منفردة. لكن أجمل ما قدّم في شخصية Cypher هي أن منطقه لا يجعله جبانا خائفا من مواجهة الحقيقة بقدر ما هو صاحب حكمة مختلفة. إنه أيضا صاحب موقف، و خيار. لقد مارس خياره حتى نهايته، و لقد مات في سبيل ذلك. من الخطإ إذا تشبيه Cypher بأولئك الحمقى الذين يملأون الفضاء من حولنا، كلّ همّهم أن يشبعوا لذاتهم دون أن يعرفوا لذلك سببا. إن Cypher عرف الألم، و اكتشف الحقيقة قبل أن يقرّر. إنه يعلّمنا كيف أن الوهم يمكن أن تكون غاية بحدّ ذاتها.


و تبقى شخصية العميل سميث، هي الأكثر جاذبية من بين شخصيات هذا الفيلم، و أبقاها. لم يكن إسمه أيضا عبثيا. فهو مثل إسميْ زميليه Jones و Brown، عامّ لا يعني سوى أنه "امرؤ ما". عمد المخرجان إلى هذه الأسماء، للدلالة على أن العدوّ هو الآخر قطعا. هو كلّ من لم يصبح حرّا. لكنّ العميل Smith يمتلك ميزات خاصة سنكتشفها في الأجزاء التالية. ما يهمّنا في هذا الجزء، هو الملاحظة التي أبداها بخصوص الجنس البشريّ. يقول العميل الشرس و هو يستنطق مورفيوس :"أحب أن أعترف لك بأمر مهم توصّلت إليه خلال فترة مكوثي هنا، كنت أحاول ايجاد تصنيف ما لجنسكم. و قد انتهيت إلى استحالة أن تكونوا من الثديات. إن كل أنواع الثديات على كوكب الأرض، تساهم بشكل غريزيّ في احداث توازن مع البيئة المحيطة بها، و هو ما لا تفعلونه أيها البشر.
تنتقلون من مكان إلى آخر بلا هوادة، و تتكاثرون بلا توقف، حتى تٌستهلك كل موارد الطبيعة عن آخرها. طريقتكم الوحيدة في الاستمرار، هي الانتقال إلى مكان آخر، و التكاثر مرة أخرى.. و الواضح أنه لا يوجد كائن عضوي آخر يمارس هذا الأمر على الأرض، إلا كائن عضويّ وحيد. هل تعرف ما هو هذا الكائن؟ إنه الفيروس. الفيروس. إن البشر وباء، سرطان هذه الأرض." و رغم أنّ الفيروس ليس كائنا عضويا، إلا أن كلماته أتت بأكلها. إن المخرجين هنا يلعنان الجنس البشريّ، يعتبرانه في عبوديته لهذه المنظومة، لم يضرّ نفسه فحسب، بل أضرّ بما حوله. إن التحرّر هنا لم يعد ترفا، بل واجبا. إن الإنسان مجبل على الانعتاق من هذه المنظومة، رأفة بمحيطه البائس.


يبدو لي من المحال على فيلم واحد أن يحمل كلّ هذه المعاني و المباني دون أن يبدوَ على مشاهده الثقل و الازدحام، إلا أنّ الماتركس استطاع تحقيق المعادلة المستحيلة. فخرج إلينا مسليا، أنيقا، مليئا بالتساؤلات الفلسفية و المشاهد القتالية في آن. لكن هل إن الماتركس خالٍ من العيوب و النقائص؟ هذا ما سنراه في المقالة القادمة.

سايفر :"الجهل نعمة"

Thursday, August 27, 2015

حرر عقلك 3

قصة الماتركس ليست نمطية فحسب، بل لا تتميّز بطرافة مطلقة، كلُّ الأفكار تقريبا يمكن العثور عليها بشكل أو بآخر في أعمال سابقة، يجب التنويه خصوصا بفيلم Dark City، و بإحدى حلقات Dr Who المسلسل البريطاني الشهير حيث ذكر الماتركس كعالم افتراضي يمكن الولوج إليه. كما أن من شاهد فيلم Total Recall سيجد تشابها ملفتا بين الفكرتين رغم اختلاف الفيلمين الجوهري. و لا ننسى كذلك عالم الأنيمي الياباني، و أخصّ بالذكر فيلم Ghost in the Shell الذي ظهر سنة 1995 حينما بدأت فكرة الماتركس تتبلور و فيلم Akira الشهير الذي ظهر في نهاية الثمانينات.

ما الذي يُفترض استنتاجه من أمر كهذا؟ أن الماتريس ليس طريفا، و ابتكاره لم يكن عبقريا إلى هذا الحدّ؟ مطلقا. فكلُّ الأعمال الفنية تنطلق من تراكمات تراثية، و من أفكار سابقة، و الطرافة ليست في إتيان ما لم يأت به أحد، و إنما في بلورة ما سبق و تشكيل ما لم يشكّله أحد. لقد أخذ الماتركس عن Dark City فكرة السيطرة على البشر و إغراقهم في عالم وهمي، لكنّه بلورها و وضعها وسط منظومة معقدة تفترض أن العالم الوهمي برنامج كمبيوتر، و أصبح "الغرباء" "آلاتٍ ذكية". 
ثم إنّ عالم الماتركس (الفيلم) يمكن تمييزه بسهولة، و له خصائصه التي ينفرد بها عن بقية العوالم الفانتازية التي أنتجها المخيالُ البشريّ، و يعود ذلك خصوصا إلى العمل السينماتوغرافي المبهر هنا.

فحين نقول ماتريكس، يغلب على مخيلتنا اللونان الأخضر و الأسود، و هما اللونان المميزان للصورة في هذا الفيلم. حيث عمد المخرجان إلى زيادة الصبغة الخضراء في المشاهدة التي تصوّر عالم الماتركس. كما أن عدم وجود الشمس في العالم الحقيقي، يزيد من المساحة السوداء في المشاهد، و هي مساحة مزدانة بالفعل بأزياء الشخصيات الرئيسية.

يستمدّ الماتركس أيضا طرافته من خلال تركيبة الشخصيات الفريدة، التي رغم استلهامها من رموز ميثولوجية و دينية و ربما أدبية، إلا أنها تحافظ على فرادتها و طرافتها، و يمكن أن تعلق بذهن المشاهد بسهولة. العميل سميث مثلا يمكن اعتباره من بين أهمّ الأوغاد في تاريخ السينما!

لكنّ أهمّ ما بقي في ذاكرة المشاهدين بخصوص الماتركس، هو حتما طرق التصوير الثورية. لقد تميّز عن ما سبقه من أفلام السايبر بنك Cyberpunk و التي تناولت قصصا مشابهة، بالمؤثرات البصرية المتقنة إلى حدّ مذهل. يذكر موقع IMDB حقيقةً تفسر الكثير بخصوص هذا الأمر : فحين طلب الأخوان فيشوفسكي من وارنر بروذرز ثمانين مليون دولار لإنتاج الفيلم، حصلا فقط على 10 مليون لذلك. خصوصا و هما مغموران حينئذ و لا يمكن المقامرة بمبلغ مرعب دون ضمانات. فما كان من الأخوين إلا أن استعملا المبلغ كله لتصوير المشهد الأول فحسب، مخاطرين بإمكانية سجنهما، لكنّ العمل المذهل أقنع المستثمرين بدفع بقية المبلغ!

الحقيقة أن مشهد تريتيني و هي تركل رجال البوليس هنا و هناك، و تقفز فوق أسطح العمارات بوجه بارد صارم و لباس أسود جذاب، يمكن أن يفتن أي مستثمر. ثم هناك تلك اللقطة التاريخية في بداية المشهد، حينما تتسمر ترينيتي في الفضاء مقرفصة بينما تتجول الكامرا من حولها قبل أن تواصل الفتاة الفاتنة رحلة الركل و الركض. أعاد الاخوان ذات التقنية في مشهد مراوغة نيو بالرصاص فيما عرف لاحقا بتقنية الماتركس. و رغم أنها تقنية قديمة و سابقة للفيلم، إلا أنها المرة الأولى التي تجرب في فيلم حركة طويل، و خصوصا هي المرة الأولى التي تنجز بهذا الإتقان. لقد جعل ذلك الكثيرين يتحدثون عن سينما ما قبل الماتركس و ما بعدها، ما شفع لجون غايتا و فريقه للحصول على أوسكار المؤثرات البصرية في سنة تاريخية للسينما الأمريكية (قائمة أوسكارات سنة 2000).

لقد كان للعمل التقنيّ المذهل في هذا الفيلم تأثير شديد على نجاح تركيبته القصصية. و رغم أن الفكرة في عمومها ليست محدثة، إلا أن العمل المتقن على تفاصيلها كان رائعا. بذات المنطق أيضا، كانت التفاصيل السينماتوغرافية مثيرة في هذا الفيلم، حيث لا يخفي المخرجان مراجعهما السينمائية و لا يتحرجان منها، بل كأنهما يذكّران بها كلّما سنحت الفرصة : في مشهد القتال الأخير، يقف الرجلان متقابلين و بيد كلّ منهما مسدّس، الصمت مطبق إلا من ريح لا يفترض أن توجد في مكان مغلق كمحطة ميترو أسفل الأرض، أوراق تمارس لعبتها اللولبية منذرة ببداية الصراع... ألا تذكركم بشيء؟
أما عن مشاهد النزال، فلم يكتفيا باسترجاع عوالم سينما الشاولين، بل استقدما أحد أشهر مصمّمي المعارك السينمائية لإعادة بعض أعماله الشهيرة إعادة مطابقة!

و في وسط هذه المشاهد و الأفكار المرسكلة بطريقة عبقرية، نجح المخرجان في ابتكار مشاهد أصبحت أيقونية، تكرّرها الأفلامُ اللاحقة بدورها، كمشهد الافتتاح، و لكن خصوصا مشهد تفادي الرصاص الذي عرف بإسم Bullet Time، لقد صار علامة مسجلة حوّلت الماتركس إلى عمل كلاسيكي لا يعقل على محب السينما تفويته.

هذا ليس كلّ شيء، في الجزء القادم، نحاول أن ننظر إلى ما وراء الشكل، ماذا يوجد وراء القصة الممتعة، و المؤثرات البصرية الخارقة؟ ماذا يوجد خلف استحضار عوالم سينمائية متعددة؟ و ماذا تخفي شخصيات الماتركس من رمزية؟

حرر عقلك 2

ما دمت تقرأ هذه الكلمات، فلقد اخترت المواصلة مع الصداع الجميل. تقول الأسطورة أن قصة فيلم الماتركس من أكثر القصص تعقيدا في عالم السينما، لكن أعتقد أنني أحمل رأيا مخالفا بعض الشيء. من المؤكد أن القصة تحمل درجة لا بأس من التعقيد تجعل الإلمام بكل تفاصيلها من مشاهدة واحدة أمرا أقرب للمستحيل. لكن لو عدنا إلى قائمة الأفلام المعروفة بتعقيد قصتها (Memento أو Primer مثالا) فسيبدو الماتركس أشبه بمنتَج وديع مرفوق بدليل استخدام. الماتركس لا يعتمد على أية تعقيدات بنيوية مثلا، و القصة تأخذ شكلا خطيا بسيطا، بل إنها و فوق ذلك، تحترم الشكل الأكثر نمطية للسرد القصصي. يضاف إلى ذلك مراوحة واضحة بين المشاهد التي تتقدم بالقصة، و المشاهد التي تشرحها، ما يجعل التركيز على الحوارات الدقيقة و القصيرة المتناثرة و فهمها، أمرا ممكنا جدا منذ المشاهدة الأولى. هذا لا يعني أن المرء بإمكانه الإحاطة بكل جوانب الفيلم و كل تفاصيل القصة منذ المشاهدة الأولى، لكن تكفي المشاهدة الأولى للخروج بفكرة الفيلم و قصة واضحة في الأذهان :

1 ـ القصة (لمن لا يريد توضيحا بشأن القصة يمكنه تجاوز الكتابة الزرقاء)
الشاب توماس أندرسن مبرمج لامع. يعمل في شركة ميتاكورتاكس للبرمجيات نهارا، و ليلا يتحوّل إلى الهاكر الشهير نيو الذي دوّخ الحكومة و أجهزة الدولة. تتصل به الهاكر الأسطورية المعروفة بإسم Trinity لتعرض عليه الإجابة عن السؤال الذي يشغل باله : ماهو الماتركس؟ يجعله هذا الاتصال عرضة لمطاردة عملاء الدولة الذين يبدون أكثر رعبا بكثير مما يفترض أن يكونوه : يزرعون في بطنه كائنا كابوسيا، يمنعونه من الصراخ بفسخ فمه، هل هذا كابوس؟ حينما نهض نيو من نومه، دعاه اتصال Trinity إلى رحلته التي لن يعود منها كما كان : لم يكن ذاك كابوسا! هذا العالم الذي نعيشه فيه يحتمل أشياء لا يقبلها العقل (حقا؟). يقابل بطلُنا الرجلَ الأسطوري مورفيوس، و يجد نفسه مخيّرا إما أن يعود إلى عالمه و إلى حياته العادية، و إما أن يعرف الحقيقة. هل تريد الحقيقة؟ إليك بها إذا! هكذا يتحرّر الفتى من الماتركس. و بعد أن كان جالسا في كرسيّ يجاهد لكي لا يبتلع السائل الغريب الذي يغمره، يجد نفسه كالجنين في مهد ممتلئ بالسوائل، في عالم كابوسيّ كأنه الجحيم، و مشدود من كل مفاصل جسده بألياف ملتحمة بجسمه، قبل أن نفهم ماذا يحدث، تنحلّ الألياف، و يسقط نيو من بالوعة المهد إلى ما يشبه بركة للصرف الصحي. تأتي مركبة طائرة و تلتقطه.

بعد فترة النقاهة، يشرح مورفيوس لنيو ماذا يحدث له : إن العالم الذي كان فيه، ذلك العالم الذي نعرفه، ذلك العالم الذي يعمل فيه نيو مبرمجا و قرصانا، هو عالم وهميّ، برنامج كمبيوتر معقد جدا يتصل به الناس فيحسّون و يتفاعلون بالضبط كما في الأحلام، هذا العالم هو عالمنا الذي نعرفه، و هو المسمى بالماتركس و يشير التاريخ فيه إلى العام 1999. أما العالم الحقيقيّ، فالتاريخ فيه 2199، حيث طوّرت الآلات الذكية وعيها، و صارت تتحكم بمصيرها، و لأنها بحاجة إلى الطاقة، فلقد قررت استعباد الإنسان و استعماله كبطارية : أوصلت الآلاتُ الناسَ بالماتركس ليعيشوا حياةً تقبلها أذهانهم و تفرز من خلال تفاعلاتهم، تلك الطاقةَ التي تحتاجها الآلات. بعض هؤلاء الناس استطاعوا التحرر من البرنامج، و استطاعوا الهرب من سطوة الآلات و بناء مدينة Zion أو القدس التي هدفها إنقاذ النوع البشري و تحريره، بالعودة إلى الماتركس و تنبيه الناس و تحرير الجاهزين منهم لتقبل الحقيقة المفزعة. و كذلك ما حدث لنيو.

اِبتداء من هذه اللحظة، يصبح كل شيء منطقيا : الخوارق التي حدثت في الفيلم ليست أمرا عجائبيا حقا، إنها نتاج قدرات عقلية تسمح بالتنصل من سطوة الفيزياء الطبيعية و خرقها، لأن لا شيء من هذا يحدث فعلا، لا شيء من هذا حقيقيّ. هكذا يتمرّن نيو على توسيع قدراته العقلية بتلقين خاص من مورفيوس و من التعاليم البوذية التي تدعو إلى تحرير العقل و الاقتناع بزيف المادة.


فيما بعد يصبح الفيلم واضحا جدا كأي فيلم بسيط آخر : مورفيوس يؤمن أن نيو هو الرجل المنتظر. يذهب به إلى الOracle أو العرافة للتأكد من ذلك. تخبره أنه ليس كذلك. أثناء العودة، يقترف سايفر Cypher (أحد أعضاء فريق مورفيوس) خيانته من أجل أن يعود شخصا عاديا في منظومة الماتركس، جاهلا بالحقيقة لأن الحقيقة مثيرة للبؤس. تثمر الخيانة القبض على مورفيوس. العميل سميث الذي لم يكن في الواقع سوى برنامج كمبيوتر مقحم في الماتركس من أجل القبض على المارقين، يحاول عبثا انتزاع مفتاح النفاذ إلى Zion من رأس مورفيوس العنيد، حينما يأتي نيو و ترينيتي لإنقاذه. طبعا يحدث كل هذا في عالم الماتركس. خلال هذه المغامرة، يتعرف نيو أخيرا على قدراته، ينقذ مورفيوس و ترينيتي اللذين يخرجان من الماتركس، تاركين نيو يواجه مصيره : العميل سميث. تلك هي اللحظة التي كشفت القناع عن حقيقة الفتى : إنه بالفعل الرجل المنتظر. إنه حقا ما آمن به مورفيوس!

من المهمّ القول هنا، أن القصة كانت حصيلة أكثر من خمس سنوات من العمل، ما جعلها متماسكة إلى حدّ بعيد. و لكنها أيضا في خطّها القصصي كلاسيكيةٌ جدا، بل نمطية نرى عبرها بكل وضوح منوال رحلة البطل بكل عناصره، العنصر الخارجي الذي يدعوه إلى الرحلة، بداية الرحلة، التعرف على الحقيقة، التكيف مع الحقيقة (التعلم)، الأزمة، التحوّل، التعامل مع الأزمة. رحلة نيو قالب قصصي يتكرر كثيرا و حتى الشخصيات المتناثرة من حوله، شخصيات نمطية جدا : العميل سميث هو الشخصية المعرقلة، سايفر هو الخائن الذي يساعد الشخصية المعرقلة، مورفيوس هو الملقن و العرّاب و هو الشخصية المساعدة، العرّافة هي ذلك الشيخ الحكيم الذي لا يتفوّه إلا بالكلمات المفاتيح، أما ترينيتي فهي الجانب الرومانسي في القصة. و لئن حافظت أغلب الشخصيات على نمطيتها، فإن شخصية ترينيتي هي الأكثر تمرّدا على المنوال المذكور : يبدأ العمل بها مبهرا، مثيرا، غامضا، ترينيتي كممثل للجانب الرومانسيّ الذي سيرجح كفّة نيو، و يوقظ فيه النبيّ الكامن، لم تبدُ كذلك أبدا طوال الفيلم : كانت تلك المرأة الجميلة المرعبة، الsuper woman التي يجب تجنّب غضبها! و يعود نجاح الشخصية إلى أداء Carrie Anne Moss الراقي و إلى افتتاحية الفيلم الرائعة، و هو ما سنعود إليه في بحثنا في سينمائية الماتركس.


Translate