Friday, March 16, 2012

شريعة الله، و شريعة النهضة.

الشريعة؟
هي أن تدعو إلى حكومة وحدة وطنية، ثم تقترح مسودة قانون تستأثر بها على السلطة التنفيذية و التشريعية و القضائية أيضا.

الشريعة؟
هي أن تنادي بتطهير البلاد من الفساد، ثم لا ترى مانعا في الابقاء على أحد رموز الفساد على رأس الدولة.


الشريعة؟
هي أن تقول إن شباب بلدك "يمكن يبيعوا البلد" ـ في لحظة يأس ربما ـ ثم تقول على الملإ إنك لم تقل ذلك قط.


الشريعة؟
هي أن تطالب بتجريم التطبيع قبل الانتخابات، ثم لا ترى داعيا لذلك بعدها.


الشريعة؟
هي أن تدفع الناس لمعاداة مطبّع تونسي لأنه من حزب منافس (و يستحق ذلك)، و تطلب المساعدة من مطبّع عربي خليجي انقلب على أبيه.


الشريعة؟
هي أن يعيّنَ الوزيرُ وزيرا بقدر السنين التي قضاها في السجون لا السنين التي قضاها في البحث العلمي.


الشريعة؟
هي أن لا يعيّن وزير لم ترضَ عنه دول قد تمنحك العطايا و قد لا تمنحك.

الشريعة؟
هي أن تتظاهر كل يوم جمعة من أجل وجبات ايديولوجية جاهزة، فتعطل السير و العمل، ثم تدعو على من قطع الطريق لأنه جاع و لم يعلموه كيف يحتج، بأن تقطع أطرافه من خلاف.

الشريعة؟
هي أن تعد الناس بالقصاص العادل قبل الانتخابات، و بعد الانتخابات، تتنكر لوعدك من أجل حفنة من الاموال لم يتصدقوا بها بعد و لن يفعلوا.

الشريعة؟
هي أن تعلن أن تحرير القدس قادم قبل الانتخابات، و بعد الانتخابات تسكت على مجزرة الصهاينة في غزة.

الشريعة؟
هي أن تستقبل إسماعيل هنيّة بالأحضان، و بمثلها تستقبل زميم الصهيونية و حاميها.


الشريعة؟
هي أن تدعيَ الكرامة، و تحتضن زميم الصهيونية و حاميها.


الشريعة؟
هي أن تعلم تماما أن انصارك سوف يظلون أنصارك، سوف يجددون لك ألف مبرر و مبرر،و انت تحتضن زميم الصهيونية و حاميها.

الشريعة؟
هي أن تطلب قرض ربى من أكبر مطبع مع بني صهيون تفوق فائدته قروض دول أخرى.

الشريعة؟
هي أن تطالب الإعلام العمومي المعارض بأن يكون محايدا، بينما لا يزعجك أن تدعوَ مؤسسةٌ إعلامية عمومية أخرى بالتظاهر لنصرة خيار سياسي يختلف فيه التونسيون.

الشريعة ؟
هي أن لا تجد خطرا في أن يحوز غير الجيش سلاحا ناريا يهربونه فيما بينهم لنشر "دعوة" ما.


الشريعة؟
هي أن تسجن بسرعة الضوء صحفيا بسبب حماقة رأي اقترفها، بينما يمر أسبوع دون أن تعثر على أحمق أهان رمزا سياديا على الملإ و أمام الجميع.


الشريعة؟
هي أن تطلب المعونة من دول كالسعودية و أمريكا و تأمل لنفسك شيئا من السيادة و استقلالية القرار.


الشريعة؟
هي أن تسأل بلدا غارقا في الديون حتى التقشف، أن يقدم لك معونة ما.


الشريعة؟
هي أن تبحث عن الاستثمار أينما كان، لا يهمك مصدرها و لا صاحبها و لا ميوله و لا ما يبغي، هي أن ترهن ثروة الفسفاط لشركة بريطانية، و ترهن ثروة النفط لشركة قطرية، ثم تزعم السيادة الوطنية.

الشريعة؟
هي أن تعد الناس بما لا تملك، هي أن تخطط من دون خطط، و هي أن تشغل الناس عن حيرتك و شحاذتك بسلسلة لا تنتهي من القضايا التي لا معنى لها.

الشريعة؟
هي أن لا يجرّم الفقر و يجرّم الفكر. هي أن تطول يد السارق و تقصر يد رب العائلة. هي أن تعنّف كل من يغيظك قوله أو عمله، هي أن تستبيح دم من لا تفهم كلامه، و تكفّر من لم تقرأ كتابه.


الشريعة؟
هي أن تزعم طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم فتعصيه، و هي أن تزعم حبك لأثر الصحابة فتُخالفه، و هي أن تقرأ التاريخ فتجهله، هي أن تظن أن أقوال بن تيمية أو غيره امتدادا للقرآن لا تفكّرا فيه.

الشريعة؟
هي ما لم يحدده أحد و ما لم يتفق عليه اثنان. و عوض أن تدعوَ إلى العمل على فهمه و ايجاد كلمة سواء فيه، تفرض تطبيقه (رؤيتك له) يساندك في ذلك أناس لم يتساءلوا قط، بل يخشون حتى من مجرد التساؤل...


الشريعة؟
أهي شريعة الله ؟ أم شريعة النهضة؟




Wednesday, January 4, 2012

حلّ !

أتحدث عن كليهما، عن المعنى الفصيح الذي من أجله أقمنا الثورة، و عن المعنى العامّي الذي يجب أن تنتهيَ إليه كل ثورة ناجحة اعتمدت أساسا على المعلومة الحرة!
الجميع يكتب اليوم عن المعلومة الحرة، عن الحكومة المفتوحة، ستجدون مقالات متنوعة بعضها يخوض في التقنيات المتاحة، بعضها يقدم صورة شاعرية تلهب القلوب، بعضها يستعمل الفرنسية، و البعض الآخر يحاول أن يقرّب المفهوم للعامة بلهجة دارجة سلسة (و إن كتبها بطريقة الاس ام اس التي لا استظرفها).
عليّ أن أكتب أنا أيضا، و أن أضيف شيئا للمادة الموجودة. سأكتب ربما للجيل القديم، الجيل الذي لا تمثل لغته الأم عائقا أمامه، لكنه لا يستوعب أفكار الجيل الجديد و لعله يعتبر الحديث عن المعلومة الحرة و الحكومة المفتوحة ترفا لا يمكن الخوض فيه اليوم. لذلك سأحاول أن أفسر بطريقة براغماتية ما جدوى المعلومة الحرة.

لنتفق أولا ماذا نريد من الثورة :
ـ نريد شغلا.
ـ نريد كرامة.
ـ نريد حريّة.

كيف نحقق هذه الأشياء؟ 
ـ نقيم نظاما جديدا غير فاسد : الحرية.
ـ يقطع النظام الجديد مع الاساليب القديمة حتى يحقق فعلا مطالب الناس : الشغل.
ـ يمكن محاسبة النظام الجديد و تغييره دون الحاجة إلى ثورة جديدة لو فشل في أمره : الكرامة.

لنكن عمليين و لنقدم أهدافا ملموسة: 
ـ النظام ديمقراطي يستمع إلى كل الآراء، المعارضة تقدم حلولا عملية، و الأغلبية تبحث عن مصلحة البلاد لا عن مصلحتها.
ـ القضاء عادل يضمن كرامة الناس، و حقوقهم.
ـ في كل موقع قرار يوجد الشخص الأنسب و يتخذ القرارات الأفضل.
ـ الرقابة موجودة.
و بالفعل هذا ما حاولت الثورة في تونس أن تحققه، رغم بعض الهنات هنا و هناك، لا كمال في الدنيا. و اليوم، هناك مجلس تأسيسي، و حكومة، و مجتمع مدني، و إدارة، و القضاء الجديد أيضا لن يلبث أن يتكون، لكن المشاكل لا تنتهي، سببها الأول انعدام الثقة. انعدام الثقة بين المواطن و المسؤول، انعدام الثقة بين المواطن و الأمن، انعدام الثقة بين المواطن و الحكومة، انعدام الثقة بين المسؤول و المسؤول أيضا، بل و انعدام الثقة بين المواطـن و مرشحه الذي انتخبه للمجلس التأسيسي!

لماذا انعدمت الثقة؟
لأن هناك بالفعل مسؤولين يعملون في الخفاء، و لأن هناك بالفعل قرارات خاطئة لا يمكن أن نعلم ما في ضمائر أصحابها، و الأهم، لأن الشائعات أغرقت البلاد منذ الثورة.. اخبار زائفة، صور زائفة، اقتطاع للتسجيلات بطريقة تخدم أطرافا ما.. الاشاعات التي اغرقت البلاد تسببت في كوارث، و لو تذكرون ما حصل في احدى الجهات حينما بلغهم أن هناك من سيرسمون خفية عن الآخرين.. أو حينما أخبروهم أن أحد رجال الحرس قد ضرب احدى المواطنات.. انعدام الثقة، يدفع المواطن الى البحث عن المعلومة في أماكن موبوءة تماما، كما الحال في الفايسبوك، موقع التواصل التونسي الأول.

المعلومة اذا هي المفتاح!
ـ يعتصم الناس في جهة قفصة بسبب نتائج المناظرة المهزلة للدخول للكبّانية. من المتسبب في نتائج المناظرة؟ لا أحد يعلم. كيف ستسوى الأمور؟ لا أحد يعلم. ما هو رأي نواب المواطنين المعتصمين في المجلس التأسيسي؟ اللهم أعلم و هم لا يعلمون.
ـ لقد انتخبت شخصا أو أشخاصا يمثلونني في المجلس التأسيسي بمواقفهم و آرائهم، لا أعرف إلى اليوم ماذا تحدثوا باسمي، و ماذا قالوا بلساني. هل يمكنني أن أجدد ثقتي لهؤلاء؟ لا أعرف!!! لأن المعلومة تنقصني!
ـ يعتصم الناس في قابس مطالبين بحقهم في العمل في المصنع. بعضهم يقول إن طاقة الشركة لم تعد تتحمل المزيد، بعضهم يقول إنها بالفعل بحاجة الى المزيد لكن السرقة قلصت من حجم سعتها. كيف السبيل إلى معرفة الحقيقة؟ بالمعلومة. أين المعلومة؟ في ركن ما، في مكان ما لا يمكن بلوغها.
ـ السلط المحلية أو الجهوية تريد بالفعل أن تساعد قدر الإمكان، لكنها لا تستطيع أن تعرف كل ما يدور في كل شبر من الارض.. على المواطن أن يبلغ، و أن يقدم المعلومة أيضا، لكن كيف يفعل؟ إلى من يذهب؟ كيف يتصرف؟
ـ المعلومة ليست وثائق القرارات فحسب، هي أيضا تسجيلات ما قيل، و صور ما حدث بالفيديو حينما يكون الفيديو ضروريا. المعلومة هي أرقام احصائية، سجلات بنكية، خرائط، المعلومة هي أيضا انعدام المعلومة، فنحن لا نعرف مالذي لا نعرفه تحديدا!

ـ ما قيمة كل هذا و نحن نتحدث عن الخبز؟ الخبز يا صديقي له مقدار من الدعم، يجب أن نتأكد أن لا احد يسرق منه. يجب أن نتأكد أن قيمة دعمه ليست قيمة عشوائية و انما للمقرّر مبرراته بشأنها. الخبز يا صديقي نستورد قمحه من دول أخرى، لا نعلم تكوينه و لا في أية مختبرات تم تغيير تركيبته، الخبز يا صديقي له وحدات توزيع لا نعلم أصحابها و لا مدى تأثيرهم في انقطاعه احيانا، و لا طريقة توزيعه على المخابز... الخبز الذي نأكله يا صديقي لا نعرف عنه شيئا، و مادمنا لا نعرف شيئا، فلا يمكننا أن نفهم إن كان حقا يساوي الثمن الذي ندفعه من أجله أم لا. و لا يمكننا أن نفهم إن كنا نزيد من ثمنه باحتجاجنا أم نخفّض.. نحن بحاجة الى تحرير المعلومة، إلى أن يكون كل شيء متاحا للمواطن، و الصحافة. لذلك كله نقول للحكومة : حلّ!

حلّ! و لكن كيف؟
ـ الـOpenGov أو الحكومة المفتوحة، هو المصطلح الذي أطلق على الحكومة التي تعتمد على المعلومة الحرة للتواصل مع المواطن. الشفافية المطلقة، هذه المرة ليست شعارا بل واقعا حتميا. تعتمد الحكومة المفتوحة على تقنيات الاتصال الحديثة (الانترنت، الهواتف الذكية، الخ) للتواصل المباشر مع المواطن، على المستوى المحلي و الجهوي و الوطني، تلتزم الحكومة المفتوحة بتقديم كل المعلومات الممكنة للمواطن، حتى يمكنه أن يحكم على مردود ممثليه في مختلف أجهزة الحكم، و حتى يخضع الجميع لسلطة الرأي العام، و حتى لا يمكن لأحد أن يعمل في الظلام.

ـ تقدم المعلومة في الحين، فتنتفي الاشاعات تماما و لا يعود لها وجود. و تنتفي العشوائية و التمييز و الوساطة و الارتجال.. لقد ظلم نظام بن علي الناس كثيرا رغم أن كل شيء موثق، لكنه كان يعمل في الظلال، و كانت المعلومة في صندوق مغلق لا يراه أحد.
ـ يجب أن يتم بث كل مداولات المجلس التأسيسي أولا بأول، و لا تستثنى منها مداولات اللجان الجانبية. لا نريد لعبا تحت الطاولة، نريد لعبا مفتوحا تماما!
ـ يجب أن يعتمد التصويت الالكتروني في المجلس التأسيسي، ليسجل تصويت كل النواب، و يمكن الاطلاع عليه فيما بعد و معرفة مدى وفاء النواب لوعودهم الانتخابية.
ـ يجب أن يبدأ العمل على بوابة حكومة ضخمة تسمح بادراج كل المواقع الحكومة، بحيث تسهل وضع كل المعلومات الممكنة، و تمكن من التفاعل المباشر بين السلطة و المواطن.

عزيزي المواطن، المعلومة الحرة ليست ترفا، بل هي كما ترى، أساس "الخدمة على نظافة"، و هي ليست أقل قيمة من الشغل و الكرامة و الحرية.. بل هي من سيقدم إلى الجميع الشغل و الكرامة و الحرية، و لا مزية عربي.

عزيزي المواطن، ساند حملة "حلّ" و قلها دون مواربة "يا حكومة ! تي حلّ اللعب!"


Monday, December 26, 2011

كوميديا الطلبة..



مرحبا مجدّدا، في هذه المساحة يمكن أن تتركوا آراءكم و ملحوظاتكم بخصوص أقصوصة "كوميديا الطلبة".
كان العنوان الأول للقصة "شيء من المسرح" لكنّني وجدتُ فيما بعد أن هذا الاسم أكثر حيوية و أكثر تعبيرا عن روح القصة.. طبعا نوّهتُ طويلا أن تشابه الأسماء محض هذيان ليس الا، لكنني لا ألوم من قد يأخذ هذياني مأخذ الجدّ.. كالعادة أنا لا أحسن التفريق بين ما تختزنه ذاكرتي و ما تفرزه مخيّلتي..
كوميديا الطلبة بسيطة جدا، و في الواقع لم تستهلك كتابتها وقتا طويلا.. ربّما لتعوّدي على أسلوب الكتابة الذي اعتمدتُه فيها، و ربّما لأنني عشتُ أغلب مشاهده (بصورة متفرّقة) في حياتي.. لا لم تحدث مثل تلك الفوضى حيث درستُ و لم يتصارع الاخوة و الرفاق هناك.. لكن .. لأترك لهم متعة (همّ) الاكتشاف بأنفسكم.. 
إليكم مقطعا من العمل و عذرا على السّباب الكثير الوارد بالقصة، كما تعلمون، لستُ أنا من يتحدّث هنا :D

"تي فكي على الز** ما نقضيش، برّي شوفي ولدك وين هامل و كلـّميه.."
و أغلق هاتفه بعنف و هو يطلق سبابا لا فائدة في ذكره... كلّ الظروف مهيّأة ليوافق كما ترى..
"أو.. سي جمال.."
"اش حاجتك بنـ... شنوة تحبّ؟"
".. سامحني، عندنا خاطر مسرحية و ..."
"بالله أخطى ز*** ناقصكم كان انتم.."
كان قد استدار مواصلا طريقه حينما اقترف "العـَمري" ذلك الخطأ الذي لا يجب أن يقترفه المرءُ أبدا مع جمال :
"عندنا ورقة مالإدارة!"
"تهدد في الز*** بالادارة؟ برة قول للمدير يمسح بيها الورقة ! باهي؟"

هذه عبارة لا إجابة لها كما تعلم، لذا بقينا صامتين نتابع في حيرة ابتعاده و لا ندري أي انفعال يجب أن ينتابنا... و كانت وقفتنا بليغة جدا، بليغة إلى حدّ منع بقية الرفاق للحاق بنا و السؤال..

و للقصة بقية.. 

تونس، منزل بورقيبة
20 ـ 31 كانون (ديسمبر) 2011



ملحوظة : 
إن كل تماه أو تشابه بين اسماء الشخصيات و الواقع، هو افتراء و تجنّ من الكاتب.
هذا الحديث هو عبارة امتنان لناد عشتُ معه تجربة لا تنسى. استمتعوا بجنونكم..

Tuesday, November 1, 2011

مباركة : آمال عريضة




فاجأتنا العريضة، قبل أن تفاجئ الآخرين... فاجأتنا العريضة، و جعلتنا نتلفت حولنا في ارتياع، و نبحث بعيدا عنا، عمّ حصل، كابوس رهيب أحس به كثيرون، ربما الفائزون بالانتخابات قبل الخاسرين.. بعضنا كان يضحك ساخرا من تصريحات الهاشمي الحامدي منذ يومين او ثلاثة بشأن حيرته بين الاقامة في قرطاج او في ضاحية شعبية. و بعضنا الآخر لم يسمع عن حزب الهاشمي الحامدي الذي ساند قوائم العريضة الشعبية المستقلة (مثلما ساند حزب العمال قوائم البديل الثوري مثلا) . لكن الغالبية العظمى لم تكن تعرف شيئا عن العريضة الشعبية، بل و سمعت من يتساءل في حذر : من هو الهاشمي الحامدي؟!

طبعا لن أنطلق من هذه النقطة، فلا يهمني الكثير عن تاريخ الهاشمي الحامدي و تاريخ اذاعته المستقلة سوى كونها كانت قبلة كل المعارضين، و محط اهتمام التونسيين، قبل ان يقع الهاشمي في غرام ليلى بن علي و تقواها و يقتل كل تجربة اعلامية معارضة من بعده.
سأبدأ منذ ذلك اليوم الذي نزل فيه ممثل حزب المحافظين التقدميين ضيفا على برنامج ساحة الاحزاب.. كان واثقا، معتدا، يتحدث عن الدكتور الهاشمي الحامدي حديث الواثق المتيقن من نتيجة الانتخابات. و انتظرت الهاشمي في الحملة الانتخابية، انتظرته في الاعلام التونسي، فلم أر منه شيئا، و اعتقدته أنه لم يكن جدّيّا تمام الجدية في ما يذهب اليه، و رسخ ظني حينما سمعت حديث الحامدي على قناته، و  حيرته بشأن مسكنه الجديد. كنت مستغربا أن يصدر عن رجل مثله كلاما كهذا. أ أصيب بلوثة عقلية؟ لم يكن كذلك قط. أي لعبة يلعبها؟ طبعا لم أتخيل أن يوم الاحد كان قادما باجابة سريعة جدا..
لماذا نجح الحامدي و فشل آخرون؟ هذا هو السؤال و التفسيرات الكثيرة لم يشأ أصحابها أن يتعاملوا مع الافكار الاخرى التي قد تمسّ منهم و تنتقدهم، لكنني هنا أؤثر أن أبحث في جميع الاسباب التي تظافرت لانجاح العريضة.

التجمع :
تقول سهام بن سدرين الصحفية المختصة في تتبع التجمعيين و البوليس السياسي و اقتفاء آثارهم، ان العريضة يقف وراءها تجمعيون و يسهرون على انجاحها. و دعمتها هيئة كمال الجندوبي باسقاط بعض قوائم العريضة. العريضة مدعومة بالتجمعيين لا من خلال ممثليها فحسب، بل من خلال عملية الدعاية اليها. فقط التجمعيون يعرفون مسالك تونس المظلمة. وحدهم التجمعيون يحسنون الغوص في أعماق البلاد، و يسيطرون على العمد و الشيوخ، في القرى و الأرياف. وحدهم التجمعيون يملكون القدرة على التجميع و التسويق في مناطق كثيرة قليلة السكان، لكنها مجتمعة قد تمثل قوة انتخابية لم يفكر فيها الكثير من الاحزاب.
من المعروف أن التجمع أخرج من رحمه احزابا كثيرة لا قبل لنا بحصرها، يقودها ولاة و وزراء و قيادات تجمعية سابقة يسهل كشفها، هل كانت تلك خطة التجمعيين لتمويه الجميع و العمل سرية؟ لا أخال ذلك. أعتقد أن التجمع لعب على كل المستويات الممكنة. كثرة الاحزاب تعطي فرصة اكبر من المقاعد. اللعب على الجهويات لها مفعولها أيضا و هو ما قدم 5 مقاعد لكمال مرجان. لكن رهان العريضة الشعبية كان الاكثر فاعلية. لماذا؟ لأسباب أخرى.

الأرياف :
أغلب الأحزاب التونسية تعمل في المدن. أعتقد أن الأمر عاديّ تماما، فكل الاحزاب تقريبا حديثة النشأة و لا تزال في مرحلة البناء و تأسيسي المكاتب المحلية. من الصعب جدا أن تنجح الاحزاب اذا في الدخول الى الأرياف فما بالك بتأسيس قواعد بشرية لها. أما العريضة، فكان ذلك موجودا و جاهزا للاستعمال أيضا.
لم يصل خطاب الكثير من الاحزاب الى الارياف، و بعض الاحزاب اكتفت بزيارات عابرة في حدود ما تسمع به امكاناتها المادية، و اكتفت بتوزيع منشورات على أناس لا يقرؤون أصلا. منشورات لا يعيرها الناخب اهتماما حقيقيا حين عملية تقرير المصير.
هل اعتقدت الاحزاب أن الارياف بضعف كثافتها السكانية، لا تمثل قوة انتخابية كبيرة؟ ربما. ربما فكرت جميعها بهذا الشكل، و تقاتلت من اجل اقتسام غنيمة المدن، بينما كانت خلايا العريضة تعمل منفردة في هذه المناطق.
أما الاحزاب التي تتهم العريضة و تهاجمها، فتقول اليوم انها لم تر العريضة في الحملة الانتخابية. أجيبها ببساطة، ان العاطل عن العمل، المستلقي في مخدعه، لا يمكنه أن يرى عمل الآخرين.

الإعلام :
لم تكن الاحزاب المنافسة فقط من عمي عن هذه الارياف و المناطق، بل الاعلام أيضا. الاعلام في الواقع لم يتنبه للارياف فقط، بل لم ينتبه الا للمدن الكبرى الثلاثة لا غير. كان اعلاما متقوقعا جدا في استوديوهاته، يناقش الاحزاب الشُوس العارفين، بعضهم يتحدث بصوت الحكمة و بعضهم يتحدث بصوت الثورة، و ربما يتحدث الاخرون بصوت الشعب. و لا أحد فيهم زار الشعب أو عرف احتياجاته.
حينما قدمت قناة "حنّبعل" مشاهد من جولتها حول المدن و الأرياف المغيّبة، فزعنا و اعتبرنا خطابها استهبالا للمواطن، و قامت عرائض احتجاج من جندوبة و من مدن اخرى رفضا لشكر باعث القناة، و ترشيحه رئيسا من الكثير من الناس. و لم يدر بخلد أحد منا أن الامر يتجاوز التمثيلية الرخيصة، الى  مطلب حقيقي من أناس وجدوا لأول مرة في حياتهم من يلتفت اليهم و الى معاناتهم. لم يدر بخلدهم أن التلفاز الذي يرون فيه تونس الغريبة عنهم، جعلهم لأول مرة تونسيين.
مارس الإعلام اذا اضطهاده المعتاد لاغلب مناطق الجمهورية و لم يزرها الا لو حدث طارئ، اما الاكثر خطورة، فهو أنه لا يتبنى خطابهم، بل مثلي أنا الآن، يعتمد خطابا يحضر فيه الجمع الغائب بكثافة، فأعظم سكان تونس "هم" و سكان المدن التي توجد فيها اذاعاتنا و قنواتنا "نحن"! كان خطاب "هم" و "نحن" حاضرا بصفة ضخمة لم يتنبه اليها احد "منّا" ربما لأننا "نحن"!
هذا الاعلام لم يصور حملات العريضة الشعبية، و صورتها بعض الهواتف منذ أفريل|نيسان الماضي، فتبيّننا أن العريضة قدمت حملة شعبية عادية جدا، لم تكن في جنح الظلام، و لم تكن تقدم المعونات الضخمة كما رأينا الاتحاد الوطني الحر، و لا "الاعمال الخيرية" التي تقوم بها النهضة "بدون مقابل"..
و لأن الاعلام التونسي الرائع لم يلتفت الى تونس و اهتم باستوديوهاته و ما جاورها، فهو لم يعلم بالظاهرة التي تسمّى عريضة، و لم يستدع أيّا من ابنائها، و هنا يمكن لي بشيء من الخيال أن أرى جماعة العريضة يقدمون برنامجهم الخيالي امام اعين الناس، فيجيبهم بعض الخبراء و يثبتون لهم (ان صدقوا فعلا كلام الحامدي) و لمنتخبيهم استحالة ما يذهبون اليه.
و لأن الاعلام التونسي الوطني، مقروءا و مسموعا و مرئيّا بات غريبا عن البلاد، يتحدث بلغة لا يفهمونها، يستعمل ألفاظا فرنسية كثيرة "يتوه" معها المواطن خصوصا اذا ما انحشرت ـ مجانا ـ في كلام النخب (حتى يبدوَ اكثر نخبوية ربما، او ربما لأنه بالفعل لا يعرف لغة القوم الذين يواجههم بالخطاب)، فقد كانت القطيعة بينه و بين التونسيين (و هنا حينما اتحدث عن التونسيين، اعني "هم" )، و كان التفسير لعدد الناس الذين تسألهم الاذاعات عن الانتخابات فيجيب تلك الاجابة الشهيرة "ماني فاهم شيء من هالانتخابات."
لكن الاعلام استمر طبعا في مسايرته للنخبة، و كأنه ينتظر من المواطنين ان يتحولوا بين عشية و ضحاها الى اكاديميين، او حملة شهائد او على الاقل اصحاب تعليم ثانوي. الحقيقة غير ذلك.. الحقيقة أن 23% من التونسيين لم يقرأوا في حياتهم كتابا. و الحقيقة أن نسبة الأمية لاتزال مرتفعة، و الحقيقة أيضا ان تونس ليست فرانكوفونية برغم كل ما ذهبنا فيه من فرنسة.
بين عتمة الاعلام و تعتيمه، جاءت العريضة بعيدا عن عدسات الكاميرا، بعيدا عن المعارضين، بعيدا عن من يكشف للناس حقيقتها، فقدمت خطابا كان أيضا سببا رئيسيا في نجاحها.

الخطاب :
من الممتع أن أتخيل عم حمد، الرجل الطيب في حومتنا، و أمامه الهاشمي الحامدي و حمّة الهمامي يحاولان اقناعه ببرنامجيهما و تصوراتهما للمستقبل. عم حمد ليس أميّا و لا جاهلا، بل يملك السيزيام، و يطالع ما أمكن له أن يطالع. أتخيل أمامه حمّة الهمامي الذي سمع أنه شيوعي (لم يصل به الحد الى قراءة رأس المال و لا عن المادية الجدلية)، يحدثه عن المسار الثوري، و صندوق النقد الدولي و النضال التقدمي، صراع الطبقات، و جمهورية البروليتاريا و الكادحين (و هو كادح جدا بالمناسبة)، ثم أتخيل الهاشمي الحامدي يخاطبه بلهجته البوزيدية و كلامه الشعبي، فيختصر له المسافة و يقول له الصحة بلاش، و النقل بلاش للكبار، و نزيدو في تسكرة الطيارة و غيرها كيف ما تعمل تونيزيانا، الخ الخ... اي خطاب منها سيقنعه؟ طبعا الثاني، على الاقل، هو لن يذكر شيئا من خطاب الاول سوى انه خطاب شيوعي (ملحد و هي فكرة تظل في باطن الشخص و قد تطفو احيانا).
قد يكون لعم حمد بعض التحفظات بشأن الاشخاص المرشحين عن البديل الثوري في جهة بنزرت، لأنه يعرف بعضهم و يعرف شهرة مقاعدهم في حانات المدينة، (و هو ما يعتبر عيبا عند التونسيين ـ هم ـ مرة أخرى). لكن ماذا عن سليانة، و ماذا عن قفصة، و ماذا عن سيدي بوزيد؟؟؟ الم يكن كبار مناضلي اليسار مثلا يعولون كثيرا على هذه المناطق؟ اين رأينا حمّة يقود حملته الانتخابية؟ كيف لم يحط علما بشعبية العريضة في تلك المناطق؟ كيف لم ير علامات الاستغراب في وجوه القوم و هو يحدثهم حديثه الذي ساقه؟
التجمع قاد العريضة الى تلك المناطق، لكنه لم يشتر الاصوات ( على الاقل لا اخاله يملك ثمن كل هذه الاصوات) بل أقنعهم و انتصر على اليساريين مثلا الذي كانوا في الميدان نفسه و عادوا بمقاعد ثلاث مثيرة للشفقة.
للخطاب قيمته، الخطاب الذي يتوجه مباشرة الى الصحة و النقل و ضروريات الحياة التي يحلم بها المواطن التونسي، بدون مواربة و لا تخف وراء لغة ايديولوجية غير مألوفة للأذن التونسية. قد يقول المرء ان خطاب الهاشمي الشعبوي هو في نهاية الأمر ضرب من التحيل، بل هو الاحتيال بعينه، و هو أمر لا يتجادل فيه اثنان، لكن الخطاب الشعبي لا يتناقض مبدئيا مع الواقعية و تقديم البرامج الدسمة. قد لا يفهم عم حمد مصطلح العدالة الاجتماعية، لكنه يفهم نتائجها : الصحة في متناول الجميع، ليس مجانا و ليس غدا، لأن ذلك غير ممكن، و لكن يجب توفير المال للدولة أولا، و لتوفير المال للدولة، يجب ان نقضيَ على السرقات، و يجب أن نتخلص من الديون. و كي نقضي على السرقة، يجب أن نحاسب السارقين، و كي نحاسبهم يجب أن نوفر قضاة شرفاء. اذا يجب أن نبدأ من القضاء، الخ..
التونسي ليس غبيا، حتى و ان لم يقرأ كتابا في حياته، فهو حتما ليس غبيا و هو حتما يمكنه ان يستمع اليك، و يفهمك، لو قدمت له خطابا قابلا للفهم، لو قدمت له برنامجا بلغته التي يفهم. بل ربما تكون اللغة عاملا في استمالة التونسي و الظفر بمودته، في ظل احساسه بالعزلة و الاختناق و التهميش من قبلـ"نا" نحن، "المتحضرون" أصحاب اللغة الراقية، او اللغة "التقدمية" او "الحداثية" أو "الاسلامية"..
لقد عبر إبراهيم القصاص عن ذلك أحسن تعبير حينما هاتف الهاشمي الحامدي على قناته، و أكد له أنه يعمل جاهدا من اجل اقناع قبلي بالتصويت للهاشمي، لا حبا فيه، بل نكاية و شماتة في الاحزاب الاخرى التي تنزل ضيفة على القنوات التلفزية، فتقذف مشاهديها بما شاء لها ان تقذف من بغائها الخطابيّ و تعاليه، فلا هو يفهم شيئا و لا عائلته تفهم شيئا، سوى أنهم غرباء تماما عن وطنهم كمعظم اهاليهم.


قداش تتحملي يا مباركة -- جمهورية قبلي المستقلة -- from ibrahim chedli on Vimeo.


ان ما حدث في الواقع، هو مجموعة من الظروف البريئة و غير البريئة التي اجتهدت و تعاونت، لا كي تكسر عرس الانتخابات، بل كي تعرّي حقيقة فاتت كثيرين منا. تونس كانت لنحو 20% من سكانها، بينما يعيش الاخرون في ظلنا. تونس ليست ساحلا سعيدا و داخلا منكوبا، بل ان التعساء بيننا، يعيشون في ظلنا، قد تقابل بعضه في طريق عملك، فلا تتساءل البتة أية حياة تراه يحياها، و اية لغة تراه يتحدث بها، و اي فكر يعتمل في نفسه، و اية آمال بسيطة تجول في خاطره.. ان ما حدث هو أن الهاشمي الحامدي كشف لنا ـ في لوثة ركضه وراء السلطة ـ عن وطن نغتصبه من أصحابه باسم "مباركة"...




Saturday, August 20, 2011

قراءة بسيطة في أحزاب اليوم ـ "حدت"

و يسمى أيضا حزب نجيب الشابي، و أعتقد أن التعرف على الحزب يمرّ عبر التعرف على هذا الرجل تحديدا.
في الواقع لا يمكن سرد كل تجربته السياسية هنا، و لكن اختصارا، برز اسم أحمد نجيب الشابي منذ الستينات كعضو في منظمة أفاق الاشتراكية قبل أن يتعرض هو رفاقه الى جملة من الاحكام بالسجن و الاقامات الجبرية خرج منها سنة 83 بتأسيس التجمع الاشتراكي التقدمي مع "الانفتاح" الرسمي على التعددية الحزبية، أترك لكم حرية استنتاج توجهاته من خلال ما صرح به الشابي أنذاك في ندوته الصحفية : ‫
" وينهض مبدؤنا الاشتراكي على ‫أساس ملكية المنتجين أنفسهم لوسائل الإنتاج الكبرى، ووجوب تسييرهم لها،‬ ‫وأن حركتنا تنتسب إلى الفكر الاشتراكي العمالي العالمي، ولهذا فهي ترى، أن ‫الطبقة العاملة مدعوة إلى أن تلعب الدور القيادي في عملية التحول هذه من‬ ‫الرأسمالية إلـى الاشتراكية، الذي ننشده .. ولذلك فإننا نعمل على إقامة نظام ‫اشتراكي قوامه الديمقراطية.” ‬
و رغم التطور الحاصل في بعض مواقف الشابي التي كانت أكثر راديكالية في ما مضى، فإنه حافظ نقاط مشتركة مع قوى اليسار، مبينا معاداته لقوى الامبريالية "أمريكا و الكيان الصهيوني" و مطالبته بشراكة اكثر فاعلية مع الاتحاد السوفياتي.
كما ظهرت حينئذ جريدة الموقف، التي كانت فيما بعد خير معوّض لصحيفة الرأي الشهيرة، و كانت بشكل ما صداعا لأجهزة الدولة التي حاولت قمعها أكثر من مرة فيما بعد..
لكن لنعد إلى الخط "التقدمي" الذي سار عليه نجيب الشابي، فبعد محاكمته سنة 87 كأغلب قوى المعارضة، صادق بعد استلام بن علي السلطة، على الميثاق الوطني شأنه شأن بقية الاحزاب (باستثناء حمة الهمامي حينئذ) و أبدى تجاوبا مع النظام الجديد ـ القديم، ربما أكثر من غيره من القوى السياسية آنذاك، و كان أن أُرسل أحمد نجيب الشابي مبعوثا شخصيا من بن عليّ الى الخليج لتبيين موقف الدولة من حرب الخليج. و هو ما يوحي بضرب من التماهي بين موقف الحزب و موقف الدولة. و لكن الغزل لم يستمرّ، خصوصا حينما أدرك الشابي أن التجمع الدستوري لا ينوي تشريك اي حزب اخر في الحكم، و بعد سكوته على تزوير انتخابات 89 و سكوته على عمليات قمعية قام بها النظام في تلك الفترة، اعلن الحزب عن تخليه عن مساندة النظام سنة 91 حينما بدأت محاكمة الاسلاميين...
و بغض النظر عن الدوافع وراء هذا التغير ـ ان كان بالفعل ادراكا متأخرا جدا لحقيقة النظام، أو خيبة امل في نظام امطره وعودا ـ فإن مقاومة الحزب طيلة فترة بن علي كانت واضحة و لا يمكن نكرانها، و كحزب معترف بوجوده كان الطرف الاقسى على النظام، و كانت صحيفة الموقف تمثل نورا خافتا وسط ظلمة الاعلام التونسي طيلة السنوات الثلاث و العشرين التجمعية.
لكن لنعد إلى مسيرة الحزب، فقد تركناه ذا نزعة اشتراكية واضحة معادية للامبريالية الامريكية، و تنتصر للقيم الشيوعية، لكن ذلك بدأ يتلاشى مع مرور السنوات، خصوصا مع انضمام العديد من المناضلين من تيارات ايديولوجية اخرى الى الحزب، و بدا أن خط مقاومة الدكتاتورية أكثر أهمية من الخط الاشتراكي.. لقد تحدثت تقارير كثيرة عن التقارب بين الحزب الاشتراكي التقدمي (الذي تخلى في مؤتمر 2001 عن تسمية اشتراكي، و أصبح الحزب الديمقراطية التقدمي ـ حدت) و الادارة الامريكية. و لكن ما قد يسترعي الانتباه، هو خيارات الشابي في تلك الفترة، فبعد دورتين متتاليتين على رأس الحزب، تخلى “طواعية” عن رئاسة الحزب (ربما كان بمقدوره المواصلة دون معارضة من أحد) تكريسا للمبدأ الذي يناضل من أجله، و تولت مية الجريبة الامانة العامة منذ ذلك التاريخ الى اليوم، و لكن ظل الرجل هو المرشح الوحيد للحزب في رئاسيتي 2004 و 2009 و ان قوبل بقمع السلطات.. لقد تغيرت افكار الحزب تدريجيا لتقترب أكثر من الافكار الراسمالية و الليبرالية، و بدا أن همه الاول ليس الاطاحة بالنظام كما كانت الاحزاب الممنوعة حينئذ كالنهضة و قوى اليسار الراديكالي و بعض التيارات القومية، بل ايجاد مكان وسط النظام لتغييره من الداخل و كأنه بذلك يقدم تخيّلا جديدا لمصطلح التقدمية، مخالفا للمعنى اليساريّ المألوف...
و أعتقد أن ذلك كان يفسر إلى حد ما القبول الحذر لخطاب بن علي في 13 جانفي، فقد اعتبرها فرصة جيدة جدا للمشاركة الفعلية في الحكومة بعد طول انتظار، و قد كانت تلك أول قراءة خاطئة للاحداث منذ بداية الانتفاضة. و قد تتالت القراءات الخاطئة...
ـ انضم الشابي إلى حكومة الغنوشي المثخنة بالتجمعيين من رفاق بن علي في حركة تعكس مدى وعي الحزب بمتطلبات الثورة... ـ تواصل بقاء الشابي في الحكومة رغم المطالب الشعبية آنذاك التي كانت تطالب بتغييرات جذرية، و الغالب انه اعتبرها مطالب حزبية من اولئك الذين تحالف معهم في الماضي و لم تسعفهم وضعيتهم القانونية اليوم في التواجد في صلب الحكومة (العمال، المؤتمر، النهضة) ـ ظهور الشابي المتكرر في القنوات التلفزية كممثل عن الحكومة، في وقت أكد فيه انه اختار وزارة الشؤون الجهوية لأنه "رجل ميدان" .. لم يزر الا منطقة واحدة حينئذ.. ـ بعد اعلان السبسي ان اعضاء الحكومة لا يمكنهم الترشح للمجلس التأسيسي، استقال الشابي من الوزارة، في خطوة أكدت سعي الشابي الحثيث وراء أي منصب قيادي كان. ـ انتقل الشابي بعد ذلك إلى مساندة الحكومة بطريقة غريبة، و الى المساهمة في خلق تصادم تونس بين مؤيدي حركة النهضة و معارضيها، في وقت لم يتم فيه التخلص بعد من الخصم الذي تحالف بسببه مع الحركة الاسلامية في الماضي.
ـ دعا الحزب الى تهدئة الاجواء و الى معاداة النهضة باعتبارها العائق الوحيد امام التحول الديمقراطي، و الى مساندة الحكومة، و الى انهاء كل اضراب يحدث. في المقابل تجاهل الامور التالية:
+ ملف القناصة
+ ملف الهاربين
+ ملف الداخلية
+ ملف ضحايا الانتفاضة
ـ قدم الحزب برنامجه مبكرا و قدم خلاله اهدافا مهمة دون أن يقدم السبل و الحلول لاغلبها (ضمان استقلالية السلط) ـ توازيا مع البرنامج الانتخابي بدأ الحزب حملة دعائية منذ شهر افريل تقريبا، مخالفا بذلك القانون الذي يقر ببدء الحملة قبل 3 اسابيع من الانتخابات. ـ في الوقت نفسه، تعرض الحزب بالنقد الشديد للبرنامج الذي قدمه عبد الفتاح مورو في رمضان على حنبعل في وقت كانت نسمة تبث اعلانه. ـ شهد الحزب أوسع حركة استقالة جماعية في صفوفه خلال ماي و جوان، و السبب الرئيسي كما يبدو التفرد بالرأي و اقتصار القرارات على بعض الاعضاء من المكتب السياسي، و هو ما رد عليه الحزب بتوسيع نطاق المكتب السياسي، و بعض التغيير في هيكلة الحزب.. ـ من خلال محادثتي لاحد شباب الحزب، فإن هناك انعدام تواصل بين المكتب السياسي الذي كثيرا ما يتلقى معلومات مغلوطة تماما و بين اعضائه الناشطين الذين يبلّغون احيانا المعلومة متأخرا، او لا يبلغونها اطلاقا مما ينعكس على بيانات الحزب و مواقفه..
ـ كثر الحديث عن عمليات استقطاب الحزب للكوادر التجمعية، و أيضا للمواطنين عن طريق الوعود او الحشد الرخيص وقت المؤتمرات، و لا نملك في الواقع دلائل قطعية على وجود هذه الممارسات، و لكن اغلب الظن أنها بالفعل موجودة من خلال تأكيدات اطراف عديدة لا يجمع بينها شيء، و فيهم من المستقلين كثيرون..
لا أعرف ان كنت قد ألممت بكل ما يمكن ذكره في خصوص الحدت، لي مقال بشأن برنامج الحزب، و لكن استنتاجي الشخصي، ان الشابي فهم "التقدمية" بالغالط، و بعد ان تدرج من اليسار الراديكالي الى يسار اقرب لليبرالية، تحول من محارب للديكتاتورية الى باحث عن السلطة بشتى السبل. يفهم الشابي الديمقراطية على انها تنافس بين "عدة" تيارات سياسية على السلطة، من يفوز بالسلطة؟ في حين أن المجلس التأسيسي يتطلب تعاون التيارات جميعا من اجل بناء مقومات دولة يمكن ان يستقيم فيها التنافس. رغم كل ذلك يتواجد "حدت" في مقدمة استطلاعات الرأي بعد حركة النهضة، ربما بسبب ماضيه النضالي، و ربما ايضا بمساعدة تجمعية تعلم جيدا طرق الوصول الى مناطق لا تملك ترف تحليل المشهد السياسي.. ربما ينجح الحزب التقدمي في تحصيل نسبة لا بأس بها من الاصوت، لكنني متأكد أن صوتي لن يكون من بينها.
الصورة مفبركة، و هي رمزية و ليست توثيقية

Translate